حاوره: حسن غريب
في المشهد السردي العربي المعاصر تبرز أصوات روائية تحاول أن تكتب تجربتها الخاصة، وأن تعيد صياغة العلاقة بين الذاكرة والواقع عبر الحكاية. ومن بين هذه الأصوات يأتي الكاتب العراقي أحمد غانم عبد الجليل، الذي وُلد في بغداد عام 1973م، ودرس الاقتصاد في جامعة بغداد، قبل أن يتجه إلى الكتابة السردية بوصفها فضاءً أوسع للتعبير عن الأسئلة الإنسانية والوجودية.
صدرت له عدة أعمال روائية وقصصية، من بينها رواية «بين الجنة والنار» (2010)، و«عند شواطئ أندلوسيا» (2015)، ومجموعته القصصية «نساء من بلاد الشرق» (2021)، وصولًا إلى روايته «رواية للبيع» الصادرة عام 2024، فضلًا عن نصوص أدبية منشورة في عدد من الصحف والمجلات الثقافية العربية. كما كتب للمسرح من خلال نصه «مجنون الثورات».
في هذا الحوار نحاول الاقتراب من عالمه الإبداعي، والوقوف عند أبرز محطات تجربته السردية، ورؤيته للرواية والكتابة، وما يشغل الكاتب العربي اليوم من أسئلة في زمن تتسارع فيه التحولات.
بدايةً، كيف تشكّلت علاقتك الأولى بالكتابة في بغداد، المدينة التي وُلدت فيها عام 1973؟
في صغري تعرضت وعائلتي للاضطهاد من قبَل النظام السياسي في العراق، إثر الإعلان عن قضية (قاعة الخلد) عام 1979 كان والدي من ضمن ضحاياها. في ظل ظروف القمع والخوف التي شهدتها وجدت في الكتابة متنفسًا للكثير من الصرخات والأفكار المتفلتة من قبضات الديكتاتورية، وإلى حد الآن الكتابة بالنسبة لي بمثابة وسيلة لإثبات الوجود، وفي ذات الوقت أريدها أن تكون وسيلة للتعبير عن الكثيرين ممن ظلوا يعانون من التهميش عهدًا تلو الآخر.
درستَ الاقتصاد في جامعة بغداد، فكيف انتقلت من عالم الاقتصاد إلى فضاء السرد والأدب؟
رغم أن دراستي الجامعية بعيدة عن عالم الأدب إلا أني لم أستطع أن انعزل عن الكتابة، بل صرت أكتب بكثرة، فعُرفت بين زملائي وبعض أساتذتي بالكاتب والشاعر، كما أن التحليل الاقتصادي أفادني في تنظيم أفكاري من حيث صياغة الحدث السردي ورسم الشخصيات من حيث الفعل ورد الفعل المتغير من شخص لآخر. وهكذا استمرت لدي الرغبة في الكتابة، دون التفكير في النشر، لأني في بلدي كنت ممنوعًا من أمور كثيرة، وربما هذه الأجواء كانت الدافع الأهم لمواصلتي للكتابة.
ما الذي دفعك إلى اختيار الرواية تحديدًا لتكون الشكل الأبرز في تجربتك الإبداعية؟
ربما لأن أغلب المواضيع التي تثير اهتمامي تحتاج إلى تشعب أكثر من حيث الشخصيات والأحداث. وهناك قصص بدأت لدي مشاريع روائية ثم واتتني رغبة بكتابتها كنص قصصي، مثل قصة (شبق الحروب) كما أني أميل إلى الشخصيات المركبة وتأثرها بما تشهد البلاد من أحداث متلاحقة، وهذا الزخم السردي يحتاج إلى إطار روائي يجمع أكثر من رؤية في نص واحد، خاصة وأن السياسة تسطو على تفكيري باستمرار، حتى عندما أرغب بالكتابة عن قصة حب بين شاب وفتاة في المرحلة الجامعية. لكني أيضًا غير بعيد عن عالم القصة، إلا أن نشر النصوص في مجلات وصحف ومواقع إلكترونية متفرقة ربما لا يسلط الضوء على إنجازي القصصي بشكل كافي.
صدرت روايتك الأولى «بين الجنة والنار» عام 2010، ماذا مثّلت لك هذه التجربة في بداية مسيرتك الأدبية؟
انتهيت من كتابة هذه الرواية قبل سنوات من إصدارها. كانت أول تجربة روائية متكاملة بالنسبة لي، وعندما صدرت كانت من أكثر الكتب مبيعًا في مكتبات القاهرة، حسب مقال بورصة الكتب، بالإضافة إلى ردود الأفعال الإيجابية من قبّل عدد من النقاد، مما جعلني أكثر حماسة لصياغة مشروعي الأدبي، خاصة وأني كسرت حاجز الرهبة من النشر الورقي، وقد كانت بمثابة بطاقة تعريف بي ككاتب لدى القراء.
في روايتك «عند شواطئ أندلوسيا» يبدو المكان محمّلًا بذاكرة تاريخية وثقافية؛ لماذا اخترت الأندلس فضاءً سرديًا لهذا العمل؟
عندما زرت مناطق متفرقة من اسبانيا، ضمن أقليم (أندلوسيا) تحديدًا، شعرت أني على أعتاب كتابة نص يتضمن العلاقة الملتبسة بين الشرق والغرب، لكن برؤية مختلفة عما تم كتابته سابقًا في العديد من النصوص الأدبية، كما أن المدن هناك ما تزال تحمل بصمات قوميات وأفكار مختلفة، مما جعلها تتمازج في ذهني مع بغداد، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وجدت نفسي أثناء تتابع الكتابة أمام مفارقات مختلفة، جعلتني استرسل في كتابة بدت لي مثل تدفق الموج عند سواحل إسبانيا الجنوبية، لذا جاء العنوان (عند شواطئ أندلوسيا).
أصدرتَ مجموعة قصصية بعنوان «نساء من بلاد الشرق»، ما الذي أردت قوله من خلال هذا العنوان وما تحمله قصصه من دلالات؟
الشخصيات المحورية لكل النصوص شخصيات نسائية، من مستويات وأنماط اجتماعية واقتصادية وثقافية مختلفة، تجمعهن ملامح من المرأة الشرقية، إلا أني أردت أن تكون تحمل النصوص رؤى جديدة للشخصية النسائية في مجتمعاتنا. القصص تتناول قضايا تعني المجتمع بأسره، قدمتها من وجهات نظر المرأة التي تحتمل الكثير من مصاعب الحياة، خاصة خلال أزمنة الحروب والأنظمة الديكتاتورية، وكذلك دمار الاحتلال، فالمرأة في المجموعة القصصية مرآة للكثير من الأحداث والتساؤلات التي تفرزها أزماتنا، وفي ذات الوقت أردتها أن تكون بمثابة أمل لمستقبل جديد، يرفض الأفكار الرجعية التي تسلطت على مجتمعاتنا خلال العقود الأخيرة.
نلاحظ حضورًا لافتًا للشخصيات النسائية في بعض أعمالك، كيف تنظر إلى تمثيل المرأة في السرد العربي المعاصر؟
باستمرار أحاول التوغل في خصوصيات المرأة لأكشف عن تأثرها بالتحولات الاجتماعية والسياسية. في روايتّي (عصفورة الكواليس) و(نقطة في الذاكرة) تناولت شخصية المرأة المشاركة في العمل السياسي في زمن صراع القوى الثورية التي اجتاحت بلادنا لكي أسلط الضوء نحو مدى التراجع الفكري الذي شهدته مجتمعاتنا؛ أما تمثيل المرأة في السرد العربي المعاصر فهو ليس بالمستوى المطلوب، حتى أن عدد الكاتبات أقل بكثير من عدد الكتاب، وأغلبهن يخضعن للقيود الاجتماعية التي تضطرهن إلى الكتابة ضمن قوالب محددة، بينما يفترض بنا التخلص من مسمى (الأدب النسوي) لإطلاق العنان للكاتبة المبدعة من أجل أن تتناول مختلف المواضيع بحرية، وعدم تكريس نصوصهن للتوغل في عالم المرأة فقط وضمن ضوابط تأخذ بالتزايد حينًا بعد حين، لتكون ضمن دائرة مفرغة من العزلة عما نسعى إليه من تحرر، سواء للمرأة أو الرجل. وللأسف، غالبًا ما يكون الالتزام الديني هو الذريعة لكل موجة تقهقر اجتماعي، رغم أن كل الأديان جاءت من أجل الإصلاح بالدرجة الأساس.
روايتك «رواية للبيع» تحمل عنوانًا مثيرًا للتأمل؛ ما الفكرة التي تقترحها هذه التسمية؟
فكرة الرواية تبدأ من عرض يتلقاه كاتب مغمور، هو نفسه فقد الإيمان بموهبته، من أجل كتابة رواية ومن ثم نشرها باسم امرأة مجهولة مقابل مبلغ من المال يمكن أن يغير حياته، وتتوالى المفارقات بأشكال مختلفة، مما يضعه أمام تساؤلات قد تواجهنا جميعًا، خاصة عندما يشعر المثقف بالعزلة عما يحيطه، بينما يمكن أن تتحكم بائعة هوى بمصائر الكثيرين. عمدت أن يكون العنوان صادمًا لكي يصير بمثابة إشارة لخطر المسكوت عنه في مجتمعاتنا، خاصة مع اختلال التوازن الذي تشهده بلادنا بشكل عام، مما يجعلنا نهدر الكثير من المواهب، ليس في مجال الأدب فحسب، بل في مجالات مختلفة يمكن أن تتطور بشكل كبير لو أن كل شخص شعر أنه ينال ما يستحق لقاء ما يبذله من جهد، عندها لن نضطر إلى الرضوخ إلى مبدأ المساومة حسب قانون العرض والطلب، وهذا ما يشعر به الكثير من الكتاب، على سبيل المثال، عندما يبدؤون بعرض أعمالهم على دور النشر التي لا تهتم إلا بعدد الكلمات للنص من أجل حساب التكلفة الكلية.
نشرتَ أيضًا رواية بعنوان «إطار المرآة» في مجلة «الكلمة» اللندنية، كيف ترى تجربة نشر الرواية عبر المجلات الأدبية؟
المجلات الأدبية فرصة كبيرة للكاتب الآن، لكنها حتى الآن غير معترف بها من قبَل الكثير من القراء والنقاد، وكذلك الجوائز الأدبية لا تعترف إلا بالنص المنشور ورقيًا أو غير المنشور. أنا أعتبر نفسي ممن استفادوا كثيرًا من النشر الألكتروني، فمن خلاله استطعت تطوير أدواتي الكتابية، كما استطعت التواصل مع الكثير من الكتاب والنقاد على امتداد الوطن العربي، واستطعت تقييم نصوصي بشكل موضوعي، وكونت صداقات قوية، وبمنأى عن المجاملة ولغة المصالح. أرجو أن يتطور النشر الالكتروني بشكل أكثر فعالية ليكون بوابة للكثير من الكتاب ذوي المواهب الحقيقية إلى عالم الأدب.
لديك نصوص منشورة في صحف ومجلات ومواقع ثقافية عديدة، كيف تقيم العلاقة بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني اليوم؟
هناك من يفضلون قراءة النصوص الكترونيًا وهناك من لا يستطيع القراءة إلا في كتاب، وهذا التباين يجعل الأمرين في حالة تكامل أكثر مما هي حالة تنافس، كما أن لكل منهما مميزاته، ولهذا أخذ الكثير من دور النشر الورقية تنشر عبر المنصات الإلكترونية. أرى أن الكاتب اليوم أمام مغريات يمكن أن تؤثر عليه بالسلب ما لم يأخذ حذره فيجنح إلى الاستسهال لينال من رغبته السعي،نحو الأفضل ما دام نصه يجد في النهاية طريقه للنشر، لذا أرجو أن تكون هناك المزيد من المواقع ذات المصداقية الأدبية، وأن تحظى باهتمام النقاد والكتاب المرموقين، كما كان يحصل في موقع القصة العربية على سبيل المثال.
كتبتَ مسرحية بعنوان «مجنون الثورات»، ما الذي جذبك إلى كتابة النص المسرحي إلى جانب السرد؟
الفكرة استدعت ذلك، رغم أني لم أكتب مسرحية من قبل، كما أن الكوميديا السوداء التي اكتنفت النص جعلتني أتحمس للكتابة، وكأني أرى تحرك الشخصيات فوق خشبة المسرح. ومن ناحية أخرى رغبت بخوض غمار تجربة جديدة يمكن أن تكشف لي عما لم أنتبه له من قبل.
تعيش اليوم في الأردن، إلى أي مدى أثّر الابتعاد عن العراق في موضوعات كتابتك؟
رغم أني أقيم في بلد عربي مجاور للعراق، إلا أن كل ابتعاد عن الوطن يجعله يبدو بشكل مغاير، فبدأت أكتب عن أفكار ومشاعر لم أفطن إليها وأنا داخل بلدي، ربما بسبب الخوف والشعور الدائم بعدم الاستقرار، مثل هذه المفارقة الغريبة حاولت تجسيدها في أكثر من نص، فأخذت الغربة تتشكل لدي مثل علامات استفهام وتعجب متعاظمة الحيرة والارتباك، خاصة وأننا قد نعاني من غربة مركبة وإن لم نغادر بلادنا، مثل هذا الشعور المرير يكشف عن إشكاليات كثيرة تفرض علينا طريقة تفكيرنا في أكثر الأمور خصوصية، فحتى مشاعر الحب لا بد أن تتأثر بمرارة الاغتراب التي قد تلازمنا جيلًا بعد آخر تحت وطأة القيود المختلفة.
كيف تنظر إلى التحولات التي شهدتها الرواية العراقية خلال العقود الأخيرة؟
الرواية العراقية بعد عام 2003 كانت مثل المارد الذي خرج من قمقم الكبت في عهد الديكتاتورية، فشهدت غزارة في الإنتاج مع تنوع في المواضيع المتناولة، لكنها تعرضت لهجمات انتقادية غير موضوعية في البداية، تحت ذريعة أنها بعيدة عن أدب المقاومة ضد المحتل، إلا أن الكاتب العراقي عرف كيف يصيغ إبداعه ويؤكد انتماءه الوطني، دون شعارات انفعالية تستنزف قيمة العمل الفني. ولهذا استطاعت الرواية العراقية أن تأخذ مكانتها ضمن المشهد الأدبي العربي، وأن يكون لها حضورها المتميز في مختلف الفعاليات الثقافية.
هناك قائمة طويلة من أسماء،الروائيين العراقيين المتميزين، مثل هذه الأسماء تطمئنني دومًا أن العراق بخير، مهما تعرض إليه من محن.
بعض أعمالك تناولها نقاد في دراسات نقدية، كيف تتعامل مع النقد الأدبي؟ وهل يؤثر في مسار كتابتك؟
أحرص دومًا على معرفة آراء النقاد في نصوصي، لأن هذه الآراء يمكن أن تكون بمثابة إشارات أني أمضي في الاتجاه الصحيح، بالإضافة إلى آراء القراء، لأني أسعى أن تكون نصوصي محط اهتمام الجميع، لكني أيضًا لا آخذ إلا بما اقتنع به، دون مكابرة يمكن أن تعيدني خطوات إلى الوراء.
الآن، بعد مرور ربع قرن من النشر أظن أن تجربتي الأدبية صارت واضحة المعالم، على صعيد النقاد والقراء، وهذا ما يسعى إليه كل كاتب.
ما التقنيات السردية التي تحرص على توظيفها في أعمالك الروائية؟
كل موضوع يوحي بالتقنيات الأفضل لتجسيده، لكني عمومًا أفضل أن أكتب بذات الطريقة التي أفكر بها، باستخدام المنولوج الداخلي واسترجاع الذكريات، لأن الذكريات تظل ترافق الإنسان بأشكال مختلفة، ويمكن أن تتنقل ما بين اتجاهات كثيرة تصيغ حبكة درامية غير متوقعة في واقعنا المعاش.
أحيانًا تكون طريقة تناول الفكرة أهم من الفكرة ذاتها، لذا هناك نصوص لم أستطع الاستمرار في كتابتها إلا بعد محاولات عديدة قد تستغرق سنوات.
عندما تبدأ كتابة عمل جديد، هل تنطلق من فكرة محددة أم من شخصية أو مشهد أول؟
الأمر يختلف من نص إلى آخر، أحيانًا الشخصية المحورية هي التي تقودني إلى الفكرة والشخصيات الأخرى والأحداث التي تبلور جوانب مختلفة لما أريد طرحه من خلال النص، وأحيانًا تكون الفكرة هي نقطة الجذب الأساسية لكتابة النص، وأحيانًا أخرى يتمثل أمامي مشهدًا بصورة مفاجئة، ما إن أبدأ بكتابته حتى يتدفق السرد بشكل انسيابي، لكي أفطن بعد ذلك أن الفكرة كانت داخلي منذ،زمن دون وعي مني، كما لو كانت تنبثق من حلم مركب، ومثل هذه المفارقات من متع الكتابة لدي، لأنها لا تميل إلى التكرار، فكل نص يمثل مغامرة تغريني أن أخوضها حتى النهاية لكي أقرر إن كان يستحق النشر أم لا، وربما أعود إليه بعد فترة من أجل إعادة كتابته بصورة مغايرة عن صياغته الأولى.
ما القضايا أو الأسئلة التي تشغلك عادة وأنت تكتب رواياتك وقصصك؟
عندما أكتب أشعر أني أطرح موضوعًا للنقاش من أكثر من جانب أو رؤية، ومن مجمل العمل يتجلى موقفي، ويكفي أن أجعل القارئ يتفاعل مع ما أكتب، سواء بالسلب أو الإيجاب مع هذا الرأي أو ذاك، فالأدب غير معني بإعطاء الحلول، على أن تُقرأ نصوصي بما تستحق من عمق وروية، وكما أحترم عقلية القارئ فهو أيضًا مطالب بتقدير الجهد المبذول في الكتابة، خاصة وأن أغلب نصوصي تناقش موضوعات شائكة ومثيرة للجدل، فالكتابة بالنسبة لي متعة فكرية لا بد أن تثير اهتمام القارئ وتجذب تركيزه، وإلا فالأفضل أن يمضي وقته في أي تسلية لا تحتاج إلى ذات القدر من التركيز.
كيف ترى دور الكاتب العربي اليوم في ظل التحولات الثقافية والسياسية التي يعيشها العالم العربي؟
الكاتب العربي يواجه ذات التحديات التي تواجهها بلادنا، لأنه لا يستطيع النأي بكتاباته عن الواقع والانسلاخ عن جذوره، وإلا فقدت مصداقيتها وصارت مثل فقاعة لا تلبث أن تتلاشى ولن يبقى لها من أثر في ذاكرة القراء. وأيضًا يتوجب عليه طرح رؤى جديدة غير تقليدية. مثلًا لا يكفي أن نناهض الاحتلال والأنظمة الديكتاتورية، بل طرح قضايا أكثر عمقًا تناقش المتغيرات التي نعيشها، بعيدًا عن الحدية التي قد تحيل إلى المباشرة والسطحية، خاصةً وأن أغلب الدول العربية شهدت مراحل انتقالية إثر ثورات الربيع العربي، تلك الثورات أفرزت حالة جديدة من الوعي لا بد أن يكون المبدع والمثقف بشكل عام على دراية بكيفية تجسيده ضمن نصوص تعبر عن أزمات واقعنا التي غالبًا ما تتركنا عند مفترق طرق جديد.
ما العمل الأقرب إلى قلبك من بين إصداراتك حتى الآن، ولماذا؟
كما يقال دومًا (كلهم أولادي) لكن عند كتابة رواية “نقطة في الذاكرة… رفاق النقطة” شعرت أني أتحمل عبء تجسيد معاناة أكثر من جيل، وأني أنقل شهادتي بشأن كل ما عشت وعايشت، كأني أواجه ألم جرح غائر داخلي كي لا أتركه يحتويني العمر كله، والأهم من هذا أني كنت كنت أتناول ملامح من سيرة والدي من خلال أكثر من شخصية، لأصرخ بالنيابة عنه وعن الكثيرين من ضحايا الديكتاتورية، ممن واجهوا رصاص الإعدام وأبشع أساليب التعذيب والمهانة، بعد نضال عقود، حتى لو كانت لدينا انتقادات، وربما اتهامات، لهذا الطرف أو ذاك، فلا بد أن تكون الموضوعية أساس كل نقاش وجدال، ربما عندئذٍ نستطيع تحديد وجهتنا وإنقاذ خطانا من التخبط غير المجدي هنا وهناك.
ما مشاريعك الأدبية القادمة؟ وهل هناك عمل جديد تعمل عليه حاليًا؟
بدأت بكتابة نص روائي يمكن أن يكون بمثابة المتمم لرواية (نقطة في الذاكرة) ويمكن أيضًا قراءته بصورة منفردة، يتناول أحداث وقعت في العراق بعد الاحتلال، فالنقطة السوداء، الاسم الآخر لقضية قاعة الخلد، راحت تتضخم منذ عام 79 حتى احتوت بلدًا بأسره ثم أخذت تتشظى مع انهيار الدولة العراقية عام 2003. خبرت ذلك جيدًا من خلال ما اضطررت إلى خوضه من نقاشات وما واجهت من اتهامات مستفزة ولا تخضع لأي منطق، وهذا مما أفرزته عقود طويلة من الكبت، ومن ثم تفجر الفوضى في كل مكان، وعلى كل الأصعدة، لتصاحب زمن الأقنعة الجديد، مثل هذا الوضع المتردي كان لديه انعكاسًا قويًا على الجميع، لا سيما المثقف والمناضل القديم، لذلك لا بد من تناول كل ذلك برؤية روائية تستمد حبكتها من الوضع المعقد الذي شهده العراق.
أخيرًا، ماذا تقول للقراء الذين يلتقون بتجربتك الأدبية للمرة الأولى؟
أقول للقارئ الكريم أني كاتب يسعى لأن تكون لكتاباته بصمة خاصة تلقي أثرًا في تفكيره، أني واحد من الكتاب العراقيين المعنيين بتجسيد وجع بلادهم، ليس بغرض الشكوى، إنما سعيًا لوضع نواة لمشهد ثقافي جديد يعيد تشكيل وعينا من أجل تجاوز معاناة استمرت لعقود، وأني أرحب بكل نقد بناء وأتقبل الرأي الآخر، دون تعصب طائفي أو آيدولوجي، فالجيل الجديد بحاجة إلى نظرة موضوعية يمكن لها تجاوز الهوة الكبيرة بين الماضي والحاضر وما تفرزه من تناقضات.







