محمود عاطف
أنا أحب عزت القمحاوي، أعني أنني أحبه إنساناً كما أحببته كاتباً، وقد أوشكَتْ رحلة معرفتي بكتبه أن تصل لعامها العشرين، بدأتْ بكتابه الشهير “الأيك” الذي لا أعرف كيف سلك سبيلاً إليّ، ولم أكن على معرفة سابقة باسم مؤلِّفه، أنا الذي في الكتب كما في الحياة أهاب المجازفة بلقاء من لا أعرفهم.
لكن هذا اللقاء غير المدبّر أفضى إلى محبة، والمحبة إلى محاولة لفهم هذه الكتابة المحمولة على متون قراءات معمقة؛ كتابة مسنّنة تضرب في كل اتجاه، وقراءات لا تكتفي بالتقاط العابر، إنما تؤسس من هذا المزيج عصارة أفكار ومشاعر تخصّ كاتبها أكثر مما تنتمي للكتّاب الآخرين.
اكتشفت معه أن القراءة للكاتب ليست فعلاً خاملاً لتزجية أوقات الفراغ أو للتسلية فقط، إنها عمل، يشبه عمل الكاتب السريالي الذي كان كلما دخل لينام علّق على باب حجرته لافتة تقول: “لا توقظوا الشاعر، إنه يعمل” في احترامٍ بليغ لأحد الروافد المراوغة للكتابة: عالم الأحلام.
وليس غريباً أن “الكتابة في الحلم” إحدى المتع المعلنة للقمحاوي، يطاردها بصبر قنّاصٍ مُجيد، وقارئٍ لا يترك شاردة حتى لو كانت أضغاث أحلام.
الكاتب الجيد في نظري قارئ جيد بالضرورة، بل ولديه ما يشبه منحة الكشف التي لا توهب إلا للمتصوفة، فيرى في الكتب بعين البصيرة ما يخفى على غيره، ويأخذ بيدك إليه كما يدلّ الشيخُ مريدَه.
وكثيرا ما قادني القمحاوي إلى أقانيم من الجمال عبر قراءاته، وكان حديثه عن أي كتاب بمثابة جواز مرور له إلى مكتبتي، كما لو أن ذوقه هو المطهر (باستعارة مجازه عن مطهر دانتي) الذي منه تعبر الكتب إليَّ، مع استثناءات قليلة كنت أتهم فيها مصفاته، وذلك حين يرشح منها كتاب يستحق مع صاحبه الحشر في عالم النسيان.
وأقول لنفسي لعله بعض من دماثته المعهودة وتسامحه الذي يمكنك أن تقرأه على ملامح وجهه، أو ربما اختلاف الأذواق ليس إلّا، أو أخيراً أنني – لفارق العمر وفرق الخبرة – متحامل صاحب مصفاة ضيقة الثقوب!
وبهذه الحساسية التي تميّزه كقارئ يكرّس القمحاوي حالة “الكشف” لنصوصه هو في أحدث كتبه “أحاول”. بعض هذه الإطلالات على مطبخه الأدبي قرأناها من قبل منجّمةً في ثنايا مقالاته وكتبه النثرية السابقة، وعرفنا طرفاً عن بعض كتّابه الذين يحبهم، ونظرته لصنعتهم وصنعته الروائية، لكنه هذه المرة يحاول أن يقدّم لنا بتواضعٍ – يبدأ من العنوان نفسه – بعض خلاصات تجربته وسيرته الأدبية، بل ونتفاً من رحلته الصحفية، وكيف كتب ما كتب، ولأي معنى وغاية، هو الذي لا يمنح ثقته لمقولة غائمة مثل “الفن للفن”.
هناك طرافة لا يخطئها البصر بجملة القمحاوي، حتى في الالتفاف على الكلام الفاحش الذي يغلّفه بورق سوليفان مصنوع من المزاح، هذه الفكاهة إحدى أبجديات صنعته الروائية والنثرية، بعد أن أُقصيت من المتن الأدبي العام إلى نوع أدبي قائم بذاته يغلب أن يكون الإضحاك مقصده الأول، رغم أن بعضاً مما ينشر باسم “الكتابة الساخرة” هو إلى السخافة والسذاجة أقرب. ولعل مزاح القمحاوي، في شقه الإيروتيكي تحديداً، مردّه – إلى جانب أسبابه الفنية طبعاً – خجله الشخصي كابن مخلص للريف، هذا الخجل الذي قد لا تتقلص مساحة طغيانه على صاحبه إلا في أمان العائلة الكبيرة، ومن هنا الجسارة الناعمة لكتابته (أمانه)، في مقابل دماثته الشخصية التي تستر نظراته الحائرة.
أما لغته، وآه من لغته، فليست ممضوغة، ولا سابقة التجهيز، ومن النادر أن تجد مفردة طنّانة في جملته النثرية، لكنها لو وجدت طريقاً إليه من بطون القواميس، فإنك ستراها “تمشي بحنية” بين أخواتها، خفيفة وناعمة كجملته كلها، جملة تصل لمنتهاها في حمايةٍ من بلاغة المعنى لا زخرفة الألفاظ.
في هذا الكتاب يتيح لنا القمحاوي أن نراه من الضفة الأخرى، فالكاتب الذي أدخلنا إلى موائد الآخرين، ها هو يجلسنا بكرم إلى مائدته، قريبين من عقله وهو يفكر، ومن ذائقته وقتما يقبل ويرفض، ومن أصدقائه بآرائهم واقتراحاتهم، وهو إذ يتحدث في كل هذا عن صنعته لا يتخلى عن بلاغته الخاصة التي تجعل حديثه عن الأدب امتداداً للأدب نفسه.
عمَل عزت القمحاوي لا يُلخّص، هكذا تُعلّمنا كلّ كتابة حقّة، فما يمكن تلخيصه أو حكيه ليس من داعٍ لكتابته، أما كتابات القمحاوي فهي كثيفة المعاني، عليك أن تَرِدها بنفسك، ولا شك – صدّقني – أنك سترتوي.











