محمد الكفراوي
تقتنص الكاتبة الروائية سمر نور لحظة تاريخية مهمة، ربما تكون مجهولة للكثيرين لتنطلق منها في نسج عالم الحكايات الخاص بإحدى القرى النوبية، ومواجهتها محنة كبرى أدت لحصارها واختراقها من جنود الخديوي بقيادة الرجل الأحمر.
رواية “آشا.. يوم وصول الرجل الأحمر” الصادرة مؤخرا عن دار ديوان للنشر هي الجزء الثاني من حكاية “آشا.. الجعران والقمر” عن الجدة العجوز التي تتمحور حولها الحكاية، رغم حضورها في خلفية المشهد وتشارك فقط بالحكي، وبأحداث موغلة في القدم عن ماضي القرية القابعة في حضن النيل، وتأخذ خيط الحكاية منها “زينب كوتود” التي تم توثيق حكاياتها في كتاب صدر عن مكتبة الإسكندرية وفق ما تشير الكاتبة في نهاية العمل.
تبدأ الرواية بوصول الرجل الغريب إلى قرية “الشباك” بالنوبة، في وقت تعيش القرية حياتها الطبيعية: الرجال يعملون في مهنهم المختلفة بالزراعة أو التجارة أو غيرها والنساء يتحدثن إلى كائنات النهر المخفية الطيبة منها والشريرة، والجدة “آشا” التي تجاوزت المائة عام أو تكاد، جالسة تحت النخلة ذاهلة تراقب المشهد في صمت.
يوم وصول الرجل الإنجليزي الأحمر يتغير حال القرية تماما، فهذا الرجل جاء على رأس قوة عسكرية بأمر الخديوي ليصد ثورة الدراويش المهدية في السودان والزاحفة إلى النوبة المصرية، لم يأت الرجل الأحمر فقط لصد جيش الدراويش المهدية ولكن أيضا لتأديب القرى التي قدمت المساعدة لهؤلاء الدراويش ومدتهم بالطعام والمؤن، وفق وشاية نكتشف أن من قدمها كان .
يحاصر الجيش المصغر النساء والأطفال من آل قاسم، وبعد فترة يتمكنون من التخلص من الحصار ويهرعون لدخول القرية ويحملون الجدة آشا لإعادتها لمنزل آل قاسم الذين يتولون العمودية ويعملون في التجارة وخصوصا تجارة العبيد التي لم تكن محرمة قبل عهد الخديوي إسماعيل وتحديدا مع توقيع تفاقية مع بريطانيا عم 1877 لإلغاء تجارة الرقيق تماما.
يبدأ الرجل الأحمر – الإنجليزي في توجيه تعليماته لأهل القرية، بحثا عن الشخص المسؤول عن مساعدة الدروايش ومدهم بالمؤون، ويأتي مرسال للعمدة قاسم يخبره بأوامر الخديوي أن يتم قطع الأشجار والنخيل الموجودة في القرية وإلا تثبت عليه تهمة مساعدة المتمردين في الضفة الأخرى من النهر عند توشكى.
تضطر القرية لتقديم قربان للرجل الإنجليزي وعساكره ممثلا في شخص يقدم نفسه باعتباره المسؤول والمعنى بالوشاية التي وصلت للخديوي، وبالفعل يذهب الابن الأصغر داوود بعد أن تختاره الأم ليكون قربانا ويتم جلده أمام الجنود الإنجليز وإمعانا في إذلاله وإذلال القرية يأمر الرجل الإنجليزي قائد القوة العسكرية العبد عبد السيد ليجلد سيده داوود، بعد معرفة هذه التفاصيل من الجندي حسن الذي يعرف لغة الرجل الأحمر ويعرف أيضا لغة المصريين القدماء ويترجم كل شيء للقائد.
تضم الرواية شخصيات عديدة من بينها العبد عبد السيد الناقم المتمرد الكاره لآل قاسم والذي يتحين أي فرصة ليهرب من القرية ويحصل على حريته، ويجد في الرجل الأحمر وجنوده الفرصة والملاذ فيزودهم بمعلومات عن أسياده حكام القرية. بينما حسن الجندي المولود شمالا في إحدى قرى الصعيد فحاله وحال قريته لا يتختلف عن حال هذه القرية لذا يبدو تعاطفه معهم جليا وإن كان مضطراً لتنفيذ أوامر الرجل الأحمر.
تظهر شخصية محيي بوصفه الوريث للعمودية من آل قسم في مقابل حمدون الغريم الطامع في العمودية والذي له قصة أخرى مع الفتاة التي تزوجها “عزيزة” الفتاة المشوهة الغريبة التي تخاطب كائنات النهر وأشباح الليل، وتعرضت للعنة ومرض أودى بحياتها في سن صغيرة.
تتوالى الحكايات وتظهر الشخصيات خصوصا النسائية منها مثل عائشة ونفيسة وأشا وعزيزة وزوجة الساحر جكود، وتقف الرواية في منطقة وسطى بين الواقع والخيال، بين الحياة الطبيعية والحدث المنطقي والمسوغ تاريخيا وهو الثورة المهدية أو ثورة الدراويش وبين كائنات النهر والسحر والحكايات الخرافية القادمة من عالم غامض بعض ملامحه تنتمي لقصص الأجداد وأساطيرهم الخالدة.
العبد مشتاق من الشخصيات اللافتة أيضا في العمل وهو عبد مخلص لآل قاسم، في حين أن العبد عبد السيد هو المتمرد، وإن كان العمدة قاسم قرر إلغاء العبودية وتحرير العبيد ومنحهم حق تقرير مصيرهم في نهاية الرواية، بعد جلسة جمعت أهل القرية كلهم ليسلم العمودية لمن يختاره أهل القرية، فيختارون ابنه محيي ولا يذهب إلى صف حمدون الذي يرى نفسه وعائلته الأجدر بالعمودية التي كانت في حوزتهم في زمن أجداده سوى 3 أشخاص. إلا أن التباين بين شخصيات العبيد كانت لافتة وتحمل مفارقة مهمة في هذا الزمن.
تنتهي الرواية بمقتل الجندي حسن والعبد عبد السيد ومعالجة داوود الأقرب للدرويش والصوفي في روحه وتفكيره، بعد أن تعرض لجلد قاس من العبد عبد السيد رغم أنه لا يكن له ضغينة، بل الضغينة كلها يكنها لشقيقه محيي، ولكنه كان ينتقم من كل آل قاسم في شخص داوود الطيب والذي يفتقد صديقه الراحل شبل درويش الذي كان أقرب رمزا للتجلي والوصول لمنطقة روحية فريدة، وللمفارقة حين يحكي لحسن الجورباتي عنه يخبره حسن أنهم لديهم أيضا شخص أبله في قريتهم، فمن يراه حسن يمثل “عبيط القرية”، يراه داوود من أهل الخطوة.
تداخل الحكايات والأزمة يخلق حالة من الدهشة والمفارقة التي تقدمها الكاتبة في أطر حكائية تتداخل فيها الشخصيات، وأسلوب سهل تطرح من خلاله مفردات تنتمي لمجتمع النوبة ولأساطير النهر لتكتمل الأسطورة في ذهن الملتقي وترتبط بالواقع فلا يكاد يفرّق بينهما شيء.















