“هذا الفيلم سيجعلك أكثر ذكاء”.. حوار مع صانع الأفلام روي أندرسون

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
حاوره:  كليم أفتاب ترجمه إلي العربية : محمد طارق  أشرقت الابتسامة على وجه روي أندرسون المستدير، فقد فاز فيلمه الجديد  "حمامة فوق غصن تتأمل الوجود" بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينسيا السينمائي. اندرسون مبتهج، ويبدو أن هذا الفوز قد منح صانع الأفلام السويدي البالغ من العمر 72 عاما تعاقدا جديدا مع الحياة. يقول أندرسون "أنا جدٌّ سعيد بهذه النهاية " معلقاً علي إحباطه بسبب إهمال فيلمه الخامس في مهرجان كان.  

هذا هو الفيلم الثالث في ثلاثية غير مترابطة عن الوجود، بعد فيلميه السابقين “أغاني من الطابق الثاني”  و”أنت الحياة”. مشاهدة فيلم لأندرسون هي تجربة لا يماثلها شيء في السينما هذه الأيام . فكما مٌعاصره مايكل هانكه،  يستخدم المخرج المولود في جوتنبرج  أفلامه ليعلق علي أوضاع البشرية المتقلبة، ولكن بينما يقدم هانكه نقدا عنيفا تأديبيا، يٌسلط  أندرسون الضوء علي نقاط ضعفنا، ويحكي قصصه بسخرية، إنه يٌفضل أن يضحكك لا أن يبكيك .

مستكملا رأيه يقول أندرسون: “نحن مخلوقات ضعيفة ويمكن أن تنظر لنا بحزن، فكاهة أو خوف” .  يبدأ الفيلم بثلاث مشاهد مضحكة حول الموت. رجل يموت بينما يقوم بفتح زجاجة، سيدة علي فراش الموت ترفض إفلات حقيبة مليئة بالنقود من يديها، وبائع يحاول أن يعطي بيرة و ساندويتش لرجل توفي بجلطة في القلب بعد شرائه لهذه الأشياء من البائع.

الموت حاضر علي ذهن المٌخرج بوضوح “نعم أعتقد أن جميعنا خائفون قليلا . لكني أردت أن أسخر من هذا. هذا الهاجس موجود في الفيلم أيضا، واحد من الشخصيات الرئيسية خائف من ملاقاة أبويه في الحياة الاخري . لا أعلم إذا كنت غريب الاطوار أو لا، و لكني أحب أن أضحك بشأن هذا الامر“.

جائزة الأسد الذهبي هي الانجاز التتويجي لمسيرة صانع أفلام انتهت تقريبا قبل أن تبدأ .فبعد تخرجه من معهد السينما، بدا لاندرسون أنه في انتظار أشياء عظيمة عندما حقق عرض فيلمه الأول، ” قصة حب سويدية ” 1970 ( والذي يحكي عن وقوع مراهقين في الحب بالرغم من عدم توافق آبائهم) نجاحا مبهرا. ثم أتت السقطة،  فيلمه الثاني “جيلياب  فشل في 1975 . كانت هناك فجوة زمنية قدرها 25 عاما قبل فيلمه الثالث .

قضي أندرسون هذه المدة في صناعة الإعلانات، يبيع كل شيء من السيارات إلي تسويق الأحزاب السياسية. كانت موهبته واضحة، حتي قبل وصف انجريد برجمان له كـ “أفضل مخرج إعلانات في العالم” . إنه مثار سخرية يحب أن يٌظهرَه في أفلامه – عن رجل يجني قوته من بيع السلع للعامة ويبدو عليه كره المادية . “في رأيي، في وقتنا الحاليـ نتحول نحن كبشر أكثر فأكثر إلي مخلوقات خالية من التعاطف، لاننا نحتاج ان نصنع مزيداً من النقود من خلال التجارة. لذلك أنت لا تنظر لجارك باعتباره صديقك، أو  شخص تعتني به ، أنت تنظر إليه باعتباره زبوناَ مٌحتملا”.

التجارة الخاسرة والمجتمع المٌحطم هما موضوعان متكرران في ثلاثية الوجود. الشخصيتان الرئيسيتان  في ” حمامة فوق غصن تتأمل الوجود ” تحاولان بيع أسنان مصاص دماء وأقنعة مرعبة لأصحاب المحلات، في تطلبهم لدفع الديون بينما يفشلان في تلبية مسئولياتهم الخاصة . في “أغاني من الطابق الثاني” يقوم رجل أعمال بحرق محل عمله علي أمل الحصول علي وثيقة التأمين . في “أنت، الحياة ” يموت المدير التنفيذي بسكتة دماغية  

عندما عاد أندرسون الي السينما في عام 2000 كان علي قدر أكبر من الثقة و الخبرة. خلت أفلامه  بعد توقفه عن إخراج الاعلانات، من الحبكات الدرامية العميقة لكنها كانت،  عوضا عن ذلك،  مجموعة من المشاهد القصيرة الممتعة والتي تسلط الضوء علي عبثية الحياة “لكي أكون صادقاً، أردت أن أصبح كاتبا في البداية ولا زال لدي ذلك الطموح. هذا الحلم – أردت أن أكتب النسخة الجديدة من رواية ” الغريب ” بنفس كفاءة البير كامو , و لكني عوضا عن ذلك أصنع افلاما

إنها الجماليات هي التي أعطت لثلاثية أندرسون إعتباره في هذا العصر، عصر الصورة المولدة بالكومبيوتر وآفاق الكاميرا المتعددة . إنه يبني كل موقع تصوير في الاستوديو : لا شئ يتم تصويره في موقع تصوير خارجي , حتي المنتجعات المطلة علي شاطئ االبحر , أو الطريق التي يجري عليها الحصان . و النتيجة  شئ فائق الواقعية – تشبه مقاهيه  لوحات ادوارد هوبر .

أريد أن أصنع شيئا أقرب إلي التجريدية، أريد أن أٌنقي وأكثف الصورة. كما قال هنري ماتيس ” أبعِد كل شيء ليس في نيتك” وهذا ما أحاول عمله طوال الوقت.  لكن لكي تجعل هذا التصميم النقي غنيا، عليك أن تصنعه بدقة. يبدو من السخيف قول ذلك، لكن لا يمكنك الحصول علي هذه الدقة بالخارج“.

لٌقب فيلمه الاخير كأغنية البجعة الأخيرة لأندرسون لكنه الآن يخبرني” لقد قررت أن أصنع فيلما جديدا، جزءا رابعا للثلاثية. أملك مزيدا من الاشياء لأقولها. أريد أن أجعل الاشياء واضحة. أعتقد أن الفن يمتلك جمالا يٌمكنه من  جعل الوجود أكثر وضوحا”.

أتساءل ما الذي يؤهله لشغل وظيفة شرح الوجود ؟ “مع عرض  هذا الفيلم، لاحظت أن الناس أصبحوا أكثر مهارة عند مشاهدته. أستطيع رؤية تفاعلهم، إنهم يتحدثون حول المشاهد ويربطونها بحيواتهم الخاصة.لا يمكن أن تطلب أكثر من ذلك . الامر مشابه ل مسرحية ” انتظار جودو ” . انها  ثلاث ساعات من الجدال السخيف و المناقشة , لكن ما يجعلني أكثر مهارة هو أنني في النهاية أصل لنوع من وجهات النظر الطفولية . ”

إنه من الواضح لماذا هو مخرج إعلانات مشهور: “شاهد هذا الفيلم : سيجعلك أكثر ذكاء” هذا نوع من التوقيع. 

مقالات من نفس القسم