نصل وضلعان وساعة لا تعمل

محمود عبد الهادي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

محمود عبد الهادي

دخلت إلى ذلك المقهى البعيد حينما كانت الشمس قد غربت تماما، وكنت قد أتممت وقتها ثلاث ساعات من المشي المتواصل بدون هدف أو وجهة محددة. اخترت ركنا متواريا في المقهى لأستريح. المقهى مربع الشكل ذو طراز قديم، رصت فيه الكراسي مستندة إلى أضلاعه الأربعة ووضعت أمامها الطاولات المستديرة الصغيرة ذات الأرجل المعدنية الطويلة. وفي منتصف المقهى ينهض عمود خرساني ضخم ذو لون أخضر باهت، معلق عليه برواز خشبي عريض يحوي صورة ملونة لزعيمنا الراحل، أو الحالي، -هل يهم ذلك حقا؟- تحته برواز أًصغر حجما بداخله صورة غير ملونة لكهل مجهول يرتدي طربوشا معوجا، ولديه شارب رفيع ودقيق جدا، خيل إلى أنه قد رسم حديثا على الصورة من شدة دقته وبروزه، أسفل الصورتين يوجد ساعة ذهبية لامعة، يبدو أن عقاربها قد فرت منها إذ إنه لا يوجد بها غير عقرب ثواني وحيد ومتخاذل؛ يقدم خطوة ويؤخر خطوتين.. مثلي تماما.

وقف القهوجي أمامي فور جلوسي، لم يتكلم، ومثله فعلت، أشرت بيدي إلى فمي مقلدا وضع الشيشة، فهمني بالتأكيد، لكنه لم يستفسر عن نوع المعسل! على أي حال أنا لست في حالة مزاجية تسمح لي بالتوضيح.

أنهيت الحجرين وطلبت الثالث ثم الرابع، لم أدر كم من الوقت مر، اتجهت بعيني إلى العمود الخرساني، وصورة الزعيم والرجل المجهول ذو الطربوش فالساعة الذهبية التي نسيت إنها لا تعمل. ثم بنظرة متململة تفحصت المقهى الذي بدا خاليا إلا من ثلاثة، اثنين يلعبون الورق في الضلع المقابل لي، والثالث يشرب الشاي، إلى جانبي تماما، لكن أين ذهب القهوجي؟

-هل تبحث عن القهوجي أم تبحث عن الوقت؟

-نعم؟

-أنت.. تبحث عن ماذا؟

فاجئني تطفله وتركيزه معي، فقلت بلهجة مقتضبة: كلاهما.

-عن الوقت فهو في مقهانا هنا لا يهم، أما عن القهوجي فلقد صرفته منذ وقت لا أعلمه بالطبع.

قال جملته تلك وهو يحرك كرسيه تجاه طاولتي، ثم مد يده مبتسما وقال: شهرتي السندباد وأنا صاحب هذا المقهى، مقهى السندباد.

وددت أن لا أصافحه وأن أترك يده معلقة واستمر بتدخين الشيشة متجاهلا إياه. أو أن أقوم تاركا المقهى كله وأذهب إلى لا مكان. لكن ما أشد حيرتي، وما أقسى الأفكار. ولا أنكر أني وجدت في تطفله وهيئته ما شجعني على مجاراته. في منتصف الأربعين ربما، بدين، رأس شبه أصلع، وجه بشوش، جاكت أسود فوق قميص أبيض وبنطلون جينز، وفي يده ساعة ذهبية اللون لا تحوي إلا عقرب الثواني أيضا! فتساءلت متعجبا:

-ما سر تلك الساعات الذهبية!

ضحك ضحكة طويلة مصطنعة وقال: إنها حكاية طويلة لكن دعك منها الآن وخبرني، هل لديك أي نشاطات ليلية اليوم؟

-أي نوع من النشاطات تقصد؟

فقال مع ضحكة ماكرة تلوح في وجهه: تلك النشاطات التي تتضمن الورق واللعب والخمر الجيد. ثم حرك أصابعه بإشارة تعني النقود وانتظر وقع قوله علي. وتفاجأت مرة أخرى؛ هل الرجل شديد الفراسة إلى ذلك الحد، أم إنني أصبحت مفضوحا كالنسوة الشراميط اللائي أعرفهن من النظرة الأولى. فقلت له مداريا اضطرابي: هذا يعتمد على الرفقة والمكان.

انفرجت أسارير وجهه وقال بمرح لا يُخفى: الرفقة أنا واثنان من الأصدقاء، والمكان هنا، كل يوم أسفل ذلك العمود تحديدا. اعطني بعض الوقت للاتصال بهم. ثم قام واتجه إلى باب المقهى وأنزله حتى قارب أن يلامس الأرض وتركه معلقا، واتجه إلى الداخل نحو باب خشبي صغير لحجرة معتمة لا يظهر محتواها من موقعي. لكني سمعته يتكلم في التليفون. ودارت عيني على أضلاع المقهى، فكان خاليا مرتبا تشيع من جوانبه رائحة المنظفات. ولكن أين ذهب الرجلين الذين كانوا يلعبون الورق؟ متى ذهبوا ولمن دفعوا الحساب! هل جُن عقلي كما يقولون عني؟ هل أصبحت عيناي تخدعني كما يخدعني الجميع؟ وآذاني ما… 

-كلمتهم ودقائق ويكونوا موجودين.

-عظيم.

إنه يتحرك بحماس كبير. أحضر من الغرفة المعتمة طاولة من الخشب، دائرية متوسطة الحجم، وضعها إلى جانب العمود، تحت الساعة تماما. الساعة التي لها حكاية طويلة كما قال. لكن أي حكاية تلك؟

-هل تلاحظ إنك لم تخبرني باسمك حتى الآن؟

قالها وهو منهمك بوضع الزجاجات والكؤوس على الطاولة.

قلت له بسخرية:

-اسمي لا يهم، كالوقت والساعة في مقهاك.

ضحك ضحكة حادة عالية لا تناسب الموقف وقال يبدو أنك ذكي سريع التعلم.

قلت لنفسي: هل أنا ذكي حقا كما يقول؟ وإن كنت ذكيا بالفعل فلماذا تتسم حياتي بكل هذا الغباء!

يبدو إنه أعد العدة كاملة، الطاولة والكراسي، الزجاجات والكؤوس، أوراق اللعب ودفتر صغير لتسجيل النتائج، ثم أطفأ المصابيح الجانبية للمقهى فخفتت الإضاءة وأصبح تركيزها في المنتصف، حول العمود والطاولة والساعة الذهبية، وكأن المكان لم يكن مقهى بلدي بل إنه معد للعب فقط.!

قلت: أصدقائك لا يهمهم الوقت مثلك. فربما أصبحت الدقائق ساعات، من يدري!

قال مستخفا: لا تبالغ، لنشرب كأسين لتمضية الوقت. ثم سأعاود الاتصال بهم فيما بعد.

شربنا كأسين؟ أربعة؟ عشرة؟ لا أدري. لكنه في النهاية قام إلى الحجرة المعتمة ليتصل بالأصدقاء، وغاب دقيقة أو اثنين وربما ساعة أو اثنين، لا أدري أيضا. وهل يهم ذلك حقا؟

لكنه عاد وقال: لنبدأ اللعب، يبدو أن أصدقائنا لن يأتوا الليلة للأسف.

لم أمانع، وبدأ بحماس في إعداد الورق للعب، وانشغلت أنا في صب الكؤوس بعقل شبه غائب. وانتبهت إليه وهو يقول: ما رأيك بطريقة جديدة للعب؟

-كيف؟

قال بانفعال ملحوظ: نلعب على المقتنيات بدلا من اللعب على النقود!

-فكرة غريبة، لكن ما المانع! لنلعب.

بوجه شديد الحمرة من فرط الانفعال والحماس قال: على ماذا ستلعب أنت؟

-قل لي أنت أولا.

فك ساعة يده الذهبية وقال سألعب على هذه!

وبدوري أخرجت محفظتي وقلت ساخرا: جلد طبيعي مستورد مقابل ساعة لا تعمل.

ضحك ملئ فمه وقال: اتفقنا. لنلعب.

وبدأنا جولة حامية من اللعب، وجولة أكثر حموة من الشرب، وبدا لي أمهر من المتوقع، وفاز بفارق ليس كبير، لكنه فرح فرحة طفولية عارمة حتى كاد يقفز من مكانه من شدة الفرح. وأخذ يفرغ المحفظة من محتواها ووضعها -المحفظة- بجانب ساعته وقال: لعبي ما زال على الساعة، ماذا لديك الآن؟

مددت يدي داخل جيبي وأخرجت خنجرا فضيا مغلفا بجراب من الجلد البني. وقلت: اليد من العاج الطبيعي والنصل من الفضة الخالصة.

فقال مزهوا بنفسه: يبدو أثمن من اللعب عليه لكنه أيضا سيكون جميلا بين مجموعتي. وضحك ضحكته العالية مرة أخرى.. لماذا لا يتوقف عن الضحك؟ّ!

وبدأنا جولة أخرى من اللعب والشرب الذي لا يتوقف، وأعتقد أنني أفضل من الجولة السابقة، ولكنه كان أقرب للفوز مني، وإذ به يعلق اللعب فجأة ويقول: ما رأيك إن أضفنا بعض الإثارة؟

كان في حالة سُكر شديدة وأنا لم أكن أدنى منه سُكرا فجاريته وقلت: وكيف تريد أن تضيف بعض الإثارة؟

-بحكاية!

لم أفهم ماذا يقصد لكنه استدرك سريعا:

-الحكاية وراء مقتنياتنا، ألا تعرف أن الحكاية التي وراء الشيء تزيد من قيمته؟

ما زلت صامتا أنظر إليه منتظرا أن يقول المزيد فاستدرك مرة أخرى وقال: سأخبرك بالحكاية وراء ساعتي الذهبية وأنت تخبرني حكاية عن خنجرك الفضي!

-لا بأس ابدأ أنت أولا.

اعتدل في جلسته وقال: يوما ما كنت في طشقند، هل تعرف أين تقع طشقند؟ لا يهم، إنها تقع في أوزباكستان على كل حال، ووقتها كان لدي صديق من سكان تلك البلاد، وقال لي في جلسة مثل هذه، إن أكثر الرجال فحولة لا يستطيع أن يشبع امرأته، وإنها قادرة على أن تُهلك عشرات الرجال في ليلة واحدة، وبالطبع هذا الكلام لم يعجبني، وتحديته أن أٌقوم بها وحدي من غروب الشمس إلى مطلعها حتى أجعلها جثة هامدة تسبح بقواي وتعبد فحولتي. ووعدني إن فعلت ذلك أن يهديني ساعة اليد تلك وساعة الحائط التي فوقي وإن لهما قيمة كبيرة وتاريخ طويل يمتد إلى أجداده. وها هي نتيجة الرهان أمامك.

بابتسامته العريضة ورأسه الأصلع المتطلع إلى انتظر تعليقي، وكنت قد ضقت بقصته الزائفة والتافهة هذه إلى حد الاختناق فقلت: تبدو لي قصة لا يتلوها إلا عاجز جنسيا وإنك ألفتها حالا! فأين أنت وأين هذه البلاد؟ أوزباكستان؟ لم؟ هل تراني مغفلا؟!

ضحك ضحكته العصبية التي جعلتني على شفا الانهيار وقال: إنني زرت الكثير من بلاد الله، وهمت في الدنيا شرقا وغربا، ألم تتساءل لماذا يطلقون علي اسم السندباد! الآن دورك، ما قصة خنجرك الفضي؟!

كنت في غاية الإعياء وودت أن اختفي من الدنيا، أن أصير عدما، لا ماضي ولا مستقبل ولا….

-هل ستنام هنا؟ اشرب كأسا أخرى واحك لي قصة خنجرك هذا.

-بذلك الخنجر قتلت رجلا أمس.

ضحك عاليا وقال ستكون قصتك أكثر إثارة من قصتي إذا! تجاهلته وأكملت:

 -غرزته بين ضلعين، في القلب مباشرة، صرخ صرخة مدوية، كم كانت جميلة! سقط أرضا وأخذ ينزف حتى مات، لم أكن أشعر بالغضب، لم أكن أشعر بالكره، قتلته فقط، ولم أشعر بأي ندم أو خوف.

بدأت ابتسامته تخفت شيئا فشيئا، وتبدلت ملامحه وهم بالقيام، لكني كنت أسرع منه وبحركة مفاجئة نحرت عنقه الغليظ واحتضنته من ظهره، مثبتا رأسه على كتفي بيد، وباليد الأخرى غرزت الخنجر بين الضلعين، يعرف الخنجر دائما طريقه إلى القلب، مباشرة. إنه يخور مثل الحيوانات. أنفاسه ساخنة، جسده ينتفض، هل شعرت بالاستثارة؟ ربما. أرحته بهدوء إلى الأرض تحت صورة الزعيم والساعة الذهبية، في بقعة الدم الحمراء جلست مسندا ظهري إلى العمود، سأجلس جوار الجسد المسجي منتظرا الملاك الذي سيحمل روحه إلى السماء، سأخبره أنني القاتل ولست خائفا، إني قتلت رجلا بالأمس واليوم وغدا، وحينما يشرع الملاك في تنفيذ عمله سأنقض عليه من ظهره، سأطعن جسده النوراني بخنجري الفضي. هل سيصرخ؟ هل يسب ويلعن؟ هل يخبو نوره الأبيض ويحال شيئا فشيئا إلى الظلام؟ كيف تموت الملائكة؟ وحتما سيرغب في قتلي الجميع، المجتمع والشرطة، السماء، الرب! ستكون حربا شرسة بالتأكيد. لكن هل يهم ذلك حقا؟

النصل بارد كالثلج، بين ضلعين استقر، لا أشعر بالألم، الدم غزير وقلبي يرتعش، لكني لا أشعر بأي ألم. أو إني أشعر بكل الألم! ولكن هل يهم ذلك حقا؟ 

استلقيت على ظهري وروحي تغيب، وينسدل جفناي كستار مسرحية مملة لا تجد من يشاهدها، وكان آخر ما أراه، هو الساعة الذهبية وكانت للمرة الأولى، تدق. 

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

الحلوى