(نصف عين) لنجلاء علام رواية تجعلنا أكثر اقترابا من جراح نفوسنا

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 35
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

إبراهيم فتحي

نجلاء علام كاتبة محجبة الزي ، بعيدة عن صخب الاستعراضات الحداثية والنسوية . ولكن كتابتها المتميزة في القصة القصيرة ( أفيال صغيرة ) ، شقت لها مدخلا روائيا شديد الجسارة في تمزيق الأستار والحجب وكشف المحظور عن حياة النساء المصريات .

وعنوان روايتها ( نصف عين ) قد يوميء إلى صفة النصف الملصقة بالمرأة فهي لا تكتمل بذاتها بل برجل ، هي جسد وعاطفة وسلبية تشتاق إلى عقل واستجابة و إرادة فاعلة .

و ربما يضللنا الإهداء إلى زوج الكاتبة : كل شيء أُهديه إليكَ ضئيل ، حتى القلب. فنظن أننا أمام نظرة رومانسية تقليدية لدور المرأة ، ولكن العين التي تبصر الأشياء والأفعال والشخصيات في الرواية ، عين المرأة التي تروي الحكاية وتقسّمها فصولا وتنتقل بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات مطروحة هي نفسها للتساؤل والتحليل وتعيين الحدود والنقاط العمياء .

إن وجهة نظر الراوية جزء من العالم المصور وتجربته وعلاقاته المتناقضة فيما يتعلق بتغيرات أدوار المرأة .

وابتداء من السطور الاولى نلتقي بساعة يُصّرُ عصفورها الصغير ، مع قياس الزمن على الخروج من مكمنه وإخراج لسانه بصوصوة حادة  تفزع الكبار ، والشخصية الرئيسية ( الخالة نور)  ترى في عينيّ البنت الصغيرة عينيّ توأمها هي نصفها الآخر المتناقض معها ، فترتعب حينما تمر عينها على الجدران المليئة بالرسومات والتعقيبات ، تمر عين البنت معها صورة رجل بلا عينين ، يجلس وهو يمسح نظّارته الطبية ،  ووراءه كثير من البرتقال المتألق بالعصارة ويعجز عن رؤيته ، وتتذكر حكاية رئيسها فى المجلة قبل أن تُطرد منها ، ودعاها إلى فيلم وبعد انتهائه ، مدَّ يده إلى كتفها ، و جذبها إليه ، و رأت عينه تغيمُ و وجهه يقترب ، فاجأه شرر عينها فارتعد أكانت عيونها مرعبة إلى هذا الحد ؟

الحكاية بضمير المتكلمة وكأنها رأت مشهد عينها ( بالمفرد ) ، وتساءلت عن قدرة عيونها ( بالجمع )  على الإرعاب ، وتواصل في ذكرياتها التساؤل : عن لماذا بكت عيناها بعد أن أغلقت باب حجرتها .

وعلى الصفحة الأولى نقرأ رقم واحد ، ولم نجد بعد ذلك تواليا رقميا ، فهذا الفصل المُرقم يضع الرؤية الشخصية لنور فى الصدارة ،  فتدمج داخلها الخيال الخارجي الشامل لحياة الآخرين ، وتغيرات الأوضاع وصوت ذوي القربي وحركة الزمان .

 وفي هذه الرؤية لا تتلو لحظات حياة الشخصيات كل منها الأخرى ، مرتبة فى نظام سابق ولاحق ، لأن نور تمسك بالزمن من ذيله ، فالمشهد الابتدائي يقدم من وجهة نظر وبصوت الشخصية الرئيسية ، فهو المشهد الذي سينزلق إلى الخاتمة في اللحظه قبل الأخيرة المثقلة بكل ازدواج وتناقضات عالم نسائي شديد الحيوية والتعاسة .

وتصف المؤلفة الحالات النفسي بطريقة وصف أشياء العالم ، فليست عينها آلة تسجيل تنحصر علاقتها بالأشياء في علاقة شمع طري تنطبع فوقه الأختام ، و اللغة الوصفية في قصص نجلاء وفي روايتها ، جعلت العين قاعدة وثوب للذكريات والأفكار ، فيصبح الإدراك البصري مشحونا ، ومحتويات الحجرة فوق سطوح العمارة الضخمة محملة بالقيمة الشعورية وممتلئة بالزمان والوجود الذاتي .

البوتجاز المسطح والحنفية الباكية والكليم والصندوق والكرسي والفازة تقدم نفسها للعين كذكريات وكدوافع ،  كمشروع لحركة أو فعل أو تحقيق أُمنية ، إنها تمثل حركة سابقة نفسية تجمدت وتظل كامنة وهي لا تتحدد بطبائعها وصفاتها ، بل تنظم نفسها في السرد ، وحول انفعالات نور أشياء عليها صدأ البؤس المادي أو جمال الأُمنيات كلها تدور حول ذات داخلية ثرية ، بنوازغها ورغباتها المختلطة ذات أخفقت في تحقيق أعمق احتياجاتها داخل الحياة الاجتماعية المفروضة .

 وتطلب منها البنت الصغيرة حكي حدوتة ( كان يا ما كان ) ، ويبرع الأسلوب اللغوى الذي يُجسّد وجهة نظر نور، من خلال لغة نجلاء علام ( المؤلفة ) في إبراز دور الحكايات والأفلام والأغاني في تشكيل الذات السرية للبنات واحباط الواقع لها . الحدوتة ( كان يا مكان ) هل يعود الزمن ؟

شاخت روح الشابة وانتهى الأمر غير أننا مازلنا نحفر فى التراب بأظافرنا ، عَلَّنا نصل يوما الى ماء نرتوي به ، إن أناقة العبارة تصور احساسا مركبا وتشير حركة الكاتبة نحو زخرفة العبارة ، إلى خيالها ووعيها وهما يمارسان سلطتهما على مادة القصة.

أمير الحواديت أو رشدي أباظة بالنسبة إلى سعاد حسني يناجي أميرته أو يُقبّلها قُبّلة ممتدة ، يقتل أو يغلب ألفاً ومائة ، ويحطم العوائق والقيود ويحمل الأميرة بساعده القوي ، ويضعها على ظهر حصانه ، منطلقا إلى البعيد ، لماذا نعيد أدوارنا بصدق هكذا ، وكأننا ممثلون دائمون على مسرح متغير ؟

نور بخلاف توأمها أو على العكس منها ، قصيرة الشعر ، و ليلى ضفيرتها طويلة وشعرها حالك ، تسير نور على قدميها محاولة الاتزان ، تختلف عن أمها وأختها على الرغم من أن البنتين التوأمين ، كانتا كفرعيّ شجرة ، ارتاح كل منهما على الآخر واطمأن ، وردتان متشابكتان تخرجان من عنقود واحد .

ولكن النصفين اللذين يشكلان معا الوضع الموحد المتناقض لامرأة الطبقة الوسطى الصغيرة المتعلمة ،  ولعينها التي تنظر فى نفس الوقت في اتجاهين مختلفين لهما استعدادات وتوجهات متعاكسة ،  نور مستقلة مغامرة ،  تكشف العالم  لنفسها لا تعيش في فيلم ، تختار الكلية التي تناسبها وتتجشم السفر للقاهرة ، برغم اعتراض أمها ، هي  تشعر وتفهم وتحس وتحتاج ، ودفعت نفسها بنفسها لكي تنتزع ماتريد ، وتجشمت مشوارا طويلا متعبا في الدراسة والعمل والحب ، هي بلا ظهر و لا تبحث عن ظهر .

 تتذكر حبها وتأتي باسمه من ركام الأشياء في الذاكرة ، أنقذها من عربة مرت كالصاروخ ، وهي مشتته الذهن بعد مشاجرة حول جريدة حائط فى الجامعة ، حينما نزع يده من حول كتفها ، شعرت بمدى قوة قبضته ، عملها وعمله بعد التخرج بلا إشباع ، مجرد جري وراء اللقمة ، هي سكرتيرة في شركة خاصة ، وهو يعمل عملا متقطعا ، في شركات مختلفة ، ونسي بكالوريوس العلوم وخرج ( بره ) ، في فريق ألف .. فاء .. ألف .. أي : انتظاره فرج الله .

لا أمير و لا أميرة و لا فرس

لم تبتلع نور حالة المحبوب في الحكايات والأحلام ، هل سقطت الهالة ومعها الحب ذاته ؟ لا أمير و لا أميرة و لا فرس ، فستان أبيض لبسته قبلها مائة عروسة وبعدها مائة ، إعادة نفس المشهد مع تغيير الأبطال ، ورغم أنها ظلت تحلم وبيدها سندوتش الفول ، تهتز على كرسي ثمين ،  لم يشق الجدران رشدي أباظة ،  و لا حتى أحمد رمزي أو مصطفى قمر ، الآن تعبت من دفع نفسها بنفسها ، وتساءلت مثل كل الشخصيات النسائية ، التي تتبنى أنواع الغباء الشائعة المستعملة : أليس من حقي أن يكون لى سند ؟

وتعلق على الحائط لوحة كرتون لقلب مجهول بقدم واحدة ،  وعكاز فى اليد .. يقع و يقوم و يسير ، وحينما وصل إلى نهاية اللوحة ، لم يجد شيئا ، وفَضَّلَ أن ينتحر فرمى نفسه من اللوحة على البلاط ، فترك انتحاره أثراً مُدميا على الحائط والبلاط ،  إن قلبا وحيدا ليس بقلب ، و لا تترك قدماها أثرا وراءها ، ونضبت الأحلام و وراء جسدها فراغ ، أما نصفها الآخر النظرة إلى الاتجاه الآخر من العين المقتسمة فتختلف ، إنها تحب الحب ، وجود رجل في الليالي الباردة ،  يمد يديه فيأتي بالدفء ، يهمس في أذنها ، ( أحب الرز بالشعرية ، و ريحة شايك ) ، ينط داخل الشاشة فيرتدي بذلة أنور وجدي و يراقصها بدلاً من ليلى مراد ، تراه أينما تنظر ، صورته مستقرة في عينيها ، و ترى مفاتنها الأنثوية بعينيه وافقا وراءها في المرآة ، تحتضن يده يدها ، فتسري في جسدها رجفة تتشبث بيده من آن لآخر،  وهي جالسة بجواره مرتدية الفستان الأبيض ،  لتتأكد أنه من لحم و دم ، وليس من غمامة الأحلام. تسافر سنة إلى الكويت ، هو اختار ليلى الهادية النادية بدلا من نور ( البراويّة ) وكيف يتحرر من ارتداء ملابس خاله القديمة ؟

ركن البكالوريوس واشتغل بالحرف المربحة ، جدار المال يحمي ظهره ، ليلى الممرضة تعفيه من دفع فاتورة طموح أاختها ، وبعد أن أنجبت بنتا ، وواصلت الحمل ، يغزو صدام الكويت ، ورغم نزفها فى العربة ،  يعود زوجها إلى الوراء للبحث عن ماله ، لابد من تكمله الطريق ، ويدفعها في الرمال بلا قبر و لا شاهد ،  تمتصها الرمال في الصحراء البعيدة .

وبعد الافتتاحية الروائية ،  يقوم البناء على تكرار دور واحد للمرأة فى تنويحات تردد الأصداء ، عناوين :  أول مرة : الأم وزواجها من الأب ، ثم ليلى وزواجها وعنوان آخر عن ذكريات نور وحاضرها وأسرارها ، وهل تعود المتمردة إلى تمثيل دور أختها . فترث زوجها وتُربي ابنتها ، فيربط العنوان بينها وبين زوج أختها  .

 الأم على لسانها تصف ليلة الدخلة ، فلا بد من رجل يساندها بعد موت الأب الشيخ ،  تصف الحركات الزوجية دون احساس ، تقوم في الصباح وهي تتثاءب ، إعداد ماء الاستحمام الساخن ، توقظه وتضع الأطباق على الطبلية ،  كأن شيئا يحفر داخلها ، وعلى قدر ما يصيب من الألم ، يعطي اللذة ، وبعد موته ترى جلبابه معلقا أمامها ، أعمام البنات كالكلاب المسعورة ، وإخوتها الذين شقيت بالعمل في مصنع لتربيتهم ، أغلق كل واحد بابه عليه وعلى أولاده ، فباعت مركب الزوج  ووضعت النقود ومعها خاتمه الفضي فى حرز حرير ، حق البنات ، وتتذكر أنها وهي تلد ومع الطلقة كالرفسة فى الظهر، جرت يده على شعرها الحلو ، وليلة الدخلة مع الزوج الثاني ، حينما يقترب ويمرر يده على جسدها تصحو أشياء بداخلها قديمة مع زوجها الأول كانت قد خمدت ، وتُدمج الاثنين ، الأم تواصل الغناء للحبيب الذي راح ، وترفض أن يكون مرحوما ، فهي كما تقول في عز شبابها ، وتقارن في مشاكسة ابنتها بين صباها هي ، وما طرأ على ابنتيها من شيخوخة أنثوية ، تُضحي من أجل البنات ،  ولكنها تغار من بناتها ، فالأنوثة رأس مال وجودها .

ليلى السهتانة

ونور المتمردة في المدرسة ، تترك توأمها تتعرض للعقاب الشديد بدلا منها ، ولم تسألها بعدها عن الصمت الحقير ،  ولكن ليلى بعد وفاة الأم ، حينما عادت نور من القاهره لطمتها بماء الغُسل ، وندبت متهمة إيّاها بأنها لم تحس بأمها ولا بها ، ولم تحمل قَطّ هم العائلة .

وبعد موت ليلى ، تتخيلها نور تزجرها وتزعق في وجهها متهمة إيّاها برفع يدها المتآكلة اللحم ، الزرقاء العظام ، بأنها السبب في كل مصيبة ،  وحينما تكتشف نور أن ليلى كان عندها ما تخجل منه و تخشاه ، فقد سرقت المال الذي خبّأته الأم وهي حبيبتها السهتانة ، وأهدت الخاتم الفضي لزوجها ، تضحك وتواصل الضحك تشفيا ، الحنون حاملة الهم تسرق حق توأمها منافساتها ، رغم احتياجها المادي ، جانب من العلاقة بين الإناث في المجتمع الأبوي ، وافتقادهن الاستقلال والأمان ، وانتظارهن للرجال في تحديد مصيرهن ، يجعل المنافسة شديدة الحدة ، (  إن كان بختك (زوجك) في حجر أختك خديه واجري ) .

 ولماذا فرضت النهاية الفاجعة على المرأة المتكيفة على الدور التقليدي ؟ إنها ثانوية قابلة للاستبدال ، يسعى الزوج وراء التحقق المادي بالهجرة فالحياة الكريمة مستحيلة داخل الوطن، وكذلك الحال مع المتحررة ، فالعيون تلتهمها دون تفكير في الحب أو الزواج ، وحبها المتواري في القلب الذي تفضحه العين ، كيف يخرج للصديق الغارق في وحدته وفي سفره بعيدا بحثا عن الحد الأدنى من مقومات الوجود .

لقد تحولت إلى دمية يُحّركها زمبرك ومواصلة البقاء ، وتضحك من نفسها ولكنها تمد يدها إلى رأسها محاولة لف الزمبرك ، حتى تستطيع تكملة اليوم ، ولكن ابنة أختها تُدخلها فبريكة الخيال والأحلام والأسئلة ، فتجعلها تفتح خزانة التساؤل والاندهاش داخلها ، وتلعب مع الطفلة الحجلة ، وتصبح مثل بندول ساعة ، يتأرجح بين نعم و لا ، فى عرض الزواج من زوج أختها الذي يذكر أنها تلفحه بوهج جسدها الفائر، ويبدو أن السرد شديد الرفق بالباحثين عن المال وتكديسه فى أنانية وضيعة ، فيضع على لسانه أنه ماعاد شيء يشعره بالأمان ، ولا الأصفار التي كوّمها في البنك ، ويضع داخله زمبركا عاطفيا روحيا مفتعلا ، لا يتطابق مع خرائب نفسه ( انزلاق إلى الصورة السينمائية السطحية عن الاحتياج الرومانسي إلى الحب والقلب والروح عند الجميع ، الحب يهزم كل شيء ) .

الزوج الثاني للأم في هذيان حب ، يتخيلها دائما حية رغم سعيه إلى ما معها من مال ، ويتنصل من مسئولية تعليم البنات ، والسطور الأخيرة ، هل تصف حفل زفاف تحس به نور ضجيجا بلا داع ، وهي تسير بقوة القصور الذاتي ، ويدها في يد لبنى ابنة أختها ، وعقد من الحرير حول رقبتها ، يتدلى بنعومة ، فما الذي يعنيه خفق القلب الآن ؟

إن الشباب والشابات في هذه الرواية يتامى ، الأب غائب ولا يجدون عملا حقيقيا في بلادهم ، ومضطرون إلى الهجرة ، تهبط عليهم النتائج السياسية كالكارثة ،  ولم تقصد الكاتبة نجلاء علام ، أن تقدم نماذج إيجابية ، أو صوراً جديدة للمرأة ، ولكنها ارتادت وضعا ومأزقاً للذوات البعيدة عن التكامل والتطور ، المتناغم للشخصية اللاإنسانية تقمعها وتشوهها ، وتجعلنا هذه الرواية أكثر اقترابا من جراح نفوسنا .

………….

جريدة القاهرة : العدد 196 ، الثلاثاء 13 يناير 2004 .  

 عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 17
قص الأثر
د. نعيمة عبد الجواد

الأسير