محمود خيرالله.. موتٌ يهزّ ذيله ويسبق الشاعر

محمود خير الله
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سابينا حنا

شهادة جارحة على أكثر من مستوى نشرها الشاعر المصري محمود خيرالله مطلع هذا العام، تحت عنوان “شرفة تُطل على شارعٍ ضيّق”. الشهادة التي كان يقصد منها أن تكون شهادة على الشعر وهي كذلك، تكشف طبقات من المسكوت في الواقع المصري المتمادي في قسوته.

تصعقنا ذاكرة الطفل الذي كانه مع قطارات الموت التي لم تتوقف ضحاياها، وآخرها الشهر الماضي، ومسألة العنصرية في المجتمع المصري والعربي بالطبع. يقول خيرالله: “درتُ في القرى والنجوعِ لأعرفَ أصحاباً ثم أفقدَهم بعد أيامٍ بسهولة، في المعارك اليوميَّة على ركوب قطار، أو عبور طريقٍ سريع، أو الوقوف في الطوابير، أعدادٌ هائلةٌ من الأصدقاء انتهت أعمارُهم في لحظةٍ عمياء كهذه، منهم من مات بين قطاريْن، أحدُهما يمشي عكسَ اتجاه الآخر، كانت بقاياه تُغطَّى بالصحف، بعد أن يجمعَ الصغارُ ـ وأنا معهم ـ الأصابع والأشلاء المتناثرة من الجسد الغضّ. ذات مرة أخذ قطارٌ ذراعين كاملتين لصديقٍ ومشى بهما إلى المجهول، فيما تعطلت الجنازة انتظاراً لعودة أطرافٍ غائبة”.

ويضيف مستعيداً أول بالكونة/ شرفة في حياته: “كانت شاشةً واسعة لهذه القصص، قضبانُ سكك حديدية، وعامل تحويلة عجوز نائم دائماً ويُفضِّل أن يمشي مُتهدِّلِّاً كالضحايا حين يصحو، سرعان ما يعلو صوت صفيرٍ ليوقظني، أخرجُ لأرى جثةً جديدة ويكون من السهل التعرف إليها من الملابس، رغم أن الدماء أعطتها لوناً زاهياً ومثيراً للغثيان”.

“ذات مرة أخذ قطارٌ ذراعين كاملتين لصديقٍ ومشى بهما إلى المجهول”.

اليوم يظن الشاعر أنَّ الطبيعةَ كانت تختبر قدرته على احتمال الفَقْد: “أعتقد الآن أنها كانت تدرِّبني على كتابةِ الشعر، بطريقة يصعُب تعلُّمها سوى في مدرسة الموت، فأينما مشيت كان الموتُ يهزُّ ذيلَه أمامي، ويتركني معذباً بالفُرجة عليه، ليس غريباً أن تهزَّ كلابُ الأسى ذيولها في كثيرٍ من قصائدي، كأنَّها تُعايرني بقدرتها على الانتقام”.

لكن أكثر التفاصيل تأثيراً هي ما يرويه عن والده: “ولدتُ لأبٍ من أصولٍ سودانية صريحة، وأمٍ بيضاء جميلة وفطرية، عرفتُ باكراً كيف تكون رجلاً أسود في مجتمعٍ لم يتخلَّص بعد من عبوديَّته، سمعتُ بشراً كثيرين يسخرون من لون أبي، ويسبونه ونحن نمشي في الشارع، كان يستمر في حديثه كأنَّه لم يسمعْ شيئاً، دون أن ينسى، كأزهريِّ يخطبُ الجمعةَ طوال حياته، أن يقولَ لي “الكلابُ تعوي والقافلةُ تسير.. يا بطل”، كان أبي يلقِّنني أوَّل درسٍ في المقاومة”.

هذا الأب جاء أجداده “في هجرة سودانية قديمة، لم أتمكَّن من تحديدها بدقةٍ أبداً، رغم أنني عرفتُ عشرات السودانيين في القاهرة والخرطوم، وزرتُ “مَلكَال” و”الأبيض” و”أعالي النيل” ومددتُ يدي في نهر السوباط ورأيت جنوبيين وشماليين يشبهون أبي كثيراً، وتأكدتُ أن أجدادي البعيدين ولدوا هناك دون أن أعرفَ متى أو أين”. ولكي يلطف من الأمر يقول: “خلال حياتي اكتشفت أن حبَّ القراءة مذهبٌ سودانيُّ أصيل”.

عودة إلى الملف

 

 

مقالات من نفس القسم