محمود خيرالله: “الحداد” أخرج قصيدة النثر من قفص  “القطط السِّيامي”

محمود خير الله
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

حاوره: عمرو رضا
ظهور ديوان شعر جيد الآن حدثٌ نادر يجب الوقوف أمامه برغم كثرة الشعراء المجيدين الذين يزهقون أعمارهم في حروب حرقت الكثير من مروج الشعر المصري والعربي . و”كل ما صنع الحداد” هو آخر ما صنع محمود خير الله في الشعر، ولعله أقرب دواوينه لروح القصيدة المُنتظرة بعد سنوات أضاعها خير الله- مثل أغلب ابناء جيله- في الزعيق والبيانات الساخنة والحروب الأدبية مع أجيال وتيارات أدبية سابقة
ما صنع الحداد ديوان ينتصر علي طبيعة خيرالله الذي قرر فيما يبدو الإخلاص للقصيدة داخل الديوان والتفرغ للعراك خارجه..في هذا الحوار يختلط الشعر والصراخ.

1 ـ كُتب على غلاف “كل ما صنع الحداد”..”يدخل محمود خير الله بهذا الديوان معركة شرسة ينتصر فيها للشعر على حساب الأيديولوجيا ” ..هل الدواوين السابقة كانت على حساب الشعر؟ أسال عن تجربتك الشخصية وتجربة جيلك؟

ـ يبدو أن هذه العبارة قد أُسيء فهمها بما فيه الكفاية، صاحب العبارة هو صديقي الشاعر والصحفي والناشر مؤمن المحمدي، وتلك رؤيته التي لا تناقض رؤيتي،  كل ما في الأمر أنني حين أصدرت ديواني الأول” فانتازيا الرجولةمنتصف التسعينيات من القرن الماضي كانت قصيدة النثر المصرية مشغولة بملابسها الداخلية وترتعد هلعاً من القضايا الكبرى، أي من المعاني الإنسانية العظيمة التي لا يمكن أن يتخلى عنها أي فنان جاد، فما بالك بالشاعر، لذلك تعاملوا مع قصيدتي على أن طموحاتها لا يمكن أن تصمد أبداً أمام تيارات الكتابة الجديدة، ساعتها ظهرت موضة قصيدة الجسد، وكان شعراؤها يرددون سبباً واحداً لتبرير كتابتهم هو أن الأيديولوجيا سقطت والأجساد هي الباقية، بينما ظلت قصيدتي معنية ـ ربما أكثر من اللازم ـ بأن تثبت صحة موقفها للعالم، وبالتالي ظنَّ البعض أن “كل ما صنع الحداد” ـ الذي تخفَّف من كل هذه الهواجس الآن ـ ربما يكون انقلاباً على رؤيتي الشعرية السابقة، والحقيقة أنني منحتُ الشعرَ أولويَّة وأنا أكتب كل ماصنع الحداد، وفي الوقت نفسه أخرجت قصيدة النثر من قفص القطط السيامي.

2 ـ اسمح لى اسألك ما مفهوم الشعر عندك الآن ؟ ما علاقة تغيرات الأزمنة والأمكنة في مداها التاريخي وشرعية المفاهيم الجديدة للشعر؟

ـ أنا من المؤمنين بأن القصيدة النثرية في مصر تعيش حالة من الانتعاش المتواصل بأصوات جديدة تضيف إلى مسيرتها وتحقق لها التنوع، صرت لا أرفض كتابة تجتهد في تقديم نفسها، لكنني أفضل في القصيدة أن تكون شبهي تماماً، متألمة وحزينة، ذات مرة سألتُ نفسي هل الجسد الذي كتب فيه شعراء جيلي كثيراً وطويلاً لا يضم سوى الأعضاء التناسلية فقط، لماذا لا أكتب قصيدة عن يدي، أليست اليد عضواً عظيماً بما فيه الكفاية، وبعد سنوات كتبت “يدي أسوأ مني” أول قصيدة في ديوان “كل ما صنع الحداد”.

3 ـ الناقدة عبلة الروينى قالت إن الميلودرامية السياسية أفسدت القصيدة أحيانا فى ديوانك الأخير ما رأيك؟

ـ نعم أحياناً أقصد هذا القدر من الميلودرامية السياسية لأن الشعر ظل معزولاً عن الهم العام وقصيدة النثر بالتحديد كان مطلوباً منها أن تظل “قطة سيامي” ناعمة الملمس كأنَّها جزء من ديكور الأدب المصري، وعن نفسي اعتبرتها نوعاً من المعارك، أن تكتب قصيدة لا تشبه أحداً غيرك معركةٌ طويلةٌ جداً مع العالم، بنظرة واحدة إلى كل شعراء العالم وروائييه ستجد السياسة تلقي بظلال كثيفة على أعمالهم، أنا أحترم رأي الكاتبة عبلة الرويني وأقدره لكن أمل دنقل نفسه كان شاعراً كبيراً ـ ولا يزال ـ بعمق موقفه السياسي الذي تجلى في كل قصائده، سواء تلك التي رصد فيها أمراض التجربة الناصرية أو التي رصد فيها آلام مرضه الأخير على حد سواء.

4 ـ”… تدوس القصيدة الجديدة على رقاب النقاد من ذوي البدل الكاملة والأكاذيب الكاملة ” بين النقد والشعر تفاعل، كيف تحكم على مجمل النقد الموجه لتجربتك الشعرية؟

ـ لم أعد أميل إلى القسوة على النقاد، صرت أفهم أنهم لا يستطيعون فعل شيء أفضل مما يفعلون، هم تجاهلوا نصوصي وهذا حقهم، الكثيرون منهم لا يملكون أدواتٍ كافيةً لقراءة قصيدة النثر، أحد الأصدقاء المترجمين قال لي إنَّ الدكتور جابر عصفور يطلب بشغف أن تُترجم كتبٌ عن قصيدة النثر ضمن المشروع القومي للترجمة، ويبدو أن المترجمين لا يسعفونه أبداً، لذلك لا تجد نقاداً يهتمون بنا، لننتظر عدة أعوام بعد أن تأتيهم الكتب المترجمة لتساعدهم على انجاز المهمَّة، مساكين أهل النقد والله.

5 ـ فى قصائد «يدي أسوأ مني»، «كل ما صنع الحداد» و «عالقٌ ..كقبلة» و «أفضل ما يمكن أن يحدثَ لي» الكثير من التجريب على مستوى استخدام العادى والنثرى وتفاصيل الحياة اليومية لنسج نص شديد الشاعرية، برأيك هل يمكن أن يكون التجريبُ وسيلةً للخروج بالقصيدة العربية أو المصرية المعاصرة إلى مشارف جديدة؟ ما مفهومك لهذا التجريب وحدوده؟

ـ الشعر يُكتب في الأصلِ من أجل التجريب، أن تكون أنت، ومعك جماعتك الإنسانية كلها، صدقني لو قلتُ لك إنني لا أنطلق من نظرية محددة لكنني أعيش أنا والقصيدة عالة على ذاكرتي، أرسم مدينةً في أحلامي وكل وظيفتي أن أحدِّد ملامح سكانها وأحكي عن مآسيهم، ربما لأنني تربَّيتُ في بلدٍ بعيد عن القاهرة، وربما لأن أهلي تركوني أتعلم العلاقات الإنسانية بالاحتكاك المباشر بالعالم، دخلت تجارب تسمح للمرء أن يرى الآخرين في القاع الإنساني والوجداني، وهؤلاء يحتاجون إلى آلاف الشعراء لكي يحملوا خبراتهم المُعتَّقة إلى الأدب، إذا كنتَ تعتبرُ ذلك مفهوماً للكتابة فهو كذلك، أنا سعيد لأن هذه الأفكار بدأت تجد الشعراء الذين يلتفون حولها ويتحمسون لها، لأن قصيدة النثر سمحت للشعر أن يجري على كل لسان، لكن قليلين فقط هم الذين يتوقفون لكتابته.

6 ـ أعلنت فى شهادة عن قصيدة النثر أن الذائقة العربية أطلقت رصاصة الرحمة على القصيدة العمودية وصمَّت الأذن العربية من صراخ شعراء التفعيلة وجعيرهم العالي ؟هل لا يزال ذلك صحيحاً؟

ـ قلت ذلك العام 2005 وأظن أنه سيظل صحيحاً إلى أن نموت، أنا أسألك أين يجلس شعراء التفعيلة الآن في القاهرة، باستثناءات قليلة ينتظرون جميعاً أمام المجلس الأعلى للثقافة كأنهم يعملون في خدمة أحمد عبدالمعطي حجازي، الذي يرعاهم بعناية فائقة لأنهم جمهوره الأخير، الناس القليلون الذين بقوا يقدرون موهبته على وجه الأرض، لكي يثبت لنفسه أنه مشهور، حين أفكر في هذا المشهد أشعر بالعطف عليه، أواخر الشهر الماضي منح شاباً يكتب شعراً عمودياً 25 ألف جنيه من أموال لجنة الشعر بالمجلس كجائزة على ديوان اعترف شاعره الغِر لإحدى الصحف أنه استكمل قصائده ليحصل به على الجائزة، بالذمة دا برضو اسمه كلام؟

7 ـ قلت فى (بيانك الشخصي) المنشور في ديوانك الثالث (ظل شجرة في المقابر) إن القصيدة العربية (أقل انسانية) من قصيدة النثر المسكونة بمشهد الأسي والوجع الإنساني؟ هل تعتقد أن القطيعة الكاملة مع التراث يمكن أن تنتج فنا “أصيلاً” قادراً على مخاطبة الملايين؟

ـ كلما قرأتُ هذا البيان كلما تراجع إيماني بما جاء فيه، لكن مَنْ تحدث عن قطيعة كاملة ؟ أنا قلت ملاحظات فقط وكان على الآخرين أن يكتبوا هم أيضاً ملاحظاتهم، لكن مَن قال إنها يجب عن تظل صحيحة للأبد، ساعتها هاجمت أنسي الحاج مثلاً وأنا الآن أحب شعره أكثر من أي وقت مضى، لكنني أردت التأكيد على ضرورة التجريب في القصيدة الجديدة أن تكون ابنة لحظتها الإنسانية الفريدة، لكن صدقني إذا قلت لك إن كثيراً من الشعراء الذين صاروا أصدقائي الآن قرأوا البيان واعتبروه بوصلة شعرية بالنسبة لهم، لأن البيان كان صريحاً ومتألماً هو الآخر، “وهذا يكفي جدا” مثلما قال لي أحدهم ذات مرة.

8 ـ بصراحة هل يحتمل الشعر الآن العودة للأيديولوجيا؟

ـ وهل يحتمل الشعر العربي أن يعيش أسيراً للأغراض والوقوف على الأطلال، أن يكون كفيفاً وعديم الرؤية، يا عزيزي الشعر يحتمل دائماً أن يكون إنسانياً وشبيهاً بعالمه، ميزة قصيدة النثر أنها لا تعترف بالشعراء المكفوفين، أكبر شعراء العالم يدعى امبرتو أكابال تعلم القراءة كبيراً بعدما عمل في مهن حقيرة، الآن قصيدته سفير رفيع المستوى لآلام أهله، لا أستطيع أن أعرف من الذي حكم على القصيدة العربية بالعبودية للماضي إلى هذا الحد، ربما دور النشر الحكومية التي تراقب قصيدة النثر ولا تصدرها أسهمت في هذه الضلالة، وربما ساعدتها دور النشر الخاصة التي تصمِّم على إصدار أدب “رغاوي الصابون” لاستبعاد القصيدة الجديدة وتنفيذ أجندات أجنبية غامضة، وهو التحالف الذي خلَّف المزيد من التشوهات في الأدب المصري الجديد، أم يكون بديل الأيديولوجيا ديوان الصفحات الفارغة، هل تتذكره؟؟ هل تتذكر الصحف الأدبية الأسبوعية التي اهتمت بشاعرة الفراغ الأبيض وتجاهلتنا شهوراً وسنوات ، فقط من أجل تتأمل البياض الأبيض للشعر الذي لم يكتب بعد.

9 ـ لكن لا يوجد صوت شعري في مصر الآن بحجم فؤاد حداد أو أمل دنقل .. هل هي لعبة الإعلام أم جدب التربة ؟

ـ أقول لك كانوا منفعلين بديوان صفحاته بيضاء ثم تسألني عن جدب التربة، لا يا سيدي قصيدة النثر تأتيها نيران من كل اتجاه، هل تصدق أن الشاعر محمود قرني جمع مختارات لشعراء النثر المصريين وشهادات لهم منذ عدة أعوام ولا يجد من ينشرها، لا الحكومة ولا القطاع الخاص ثم تسألني عن جدب التربة، أقول لك إننا ننشر قصائدنا خارج مصر الآن وفي مواقع ألكترونية أيضاً ولا نريد شيئا من مكتبة الأسرة التي قلتُ عنها ذات مرة سخرية  مكتبة “الأسرَّة” فصادروني في هيئة الكتاب إلى الأبد، لأنها صارت نسياً منسياً، أنت تعرف أن مؤتمر أدباء الأقاليم يهدر الأموال كل عام على عدد محدود جداً من الأدباء منذ ربع قرن، ثم تسألني بعد كل ذلك عن جدب التربة.

عودة إلى الملف

 

مقالات من نفس القسم