“ليمبو بيروت”.. ما بعد الحرب.. ما بعد الكوميكس (1-2)

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

تصنع "ليمبو بيروت"، للروائى اللبنانى الشاب "هلال شومان"، مقاربتها الخاصة للعالم والواقع اللبنانى فى تغيراته القلقة. العالم المثقل بإرث الحرب الأهلية اللبنانية، وتداعياتها الحادة، وما تلاها من حروب صغيرة و"باهتة". عالم يقع تحت سطوة الصورة، ومحاولات هيمنة البصرى على اللغوى، عالم تتنازعه صراعات الهوية، وفى الوقت نفسه، تموج فى فضاءاته الثورة الرقمية، ثورة الاتصالات والتكنولوجيا.. وألعاب الفيديو. 

لا تسعى “ليمبو بيروت” إلى “التسوية”، سواء بمعناها السياسى، بين الأطراف المتنازعة فى لبنان، وصياغتها سرديا، أو “التسوية” على مستوى الفن، بين كتابة “الرواية” والتحديات الثقافية والتغيرات الاجتماعية التى تواجه هذه العملية فى حقبتنا المعاصرة. من أبرز تلك التحديات/المتغيرات: طغيان الثقافة البصرية، وملحقاتها الإلكترونية والرقمية. فالرواية فى شكلها النهائى بما يتخللها من رسومات مختلفة (كل فصل رسمه فنان مختلف،وتعمل ربما كمُعادل بصرى لفصولها) لا تطمح إلى ” تسوية ” الصراع مع الصورة، و تدجينه عبر شكلها الإخراجى النهائى كمنتج ثقافى، قدر ما يبلور هذا الشكل النهائى رؤية الرواية للواقع والعالم، ويمثل استجابة صادقة لمضمونها، والذى استدعى تجديدا للشكل الفنى ربما لايصل إلى تطويرات فى البنية الروائية نفسها، لكنه يبدو منسجما ومتناغما مع مع أجواء الرواية وعالمها، ومعبرا عن “الليمبو”( كما سنبين لاحقا)، فى سياق سردى يتضافر فيه اللغوى مع البصرى، خالقا بذلك ما يبدو مقاربا لفن “الكوميكس”، أو بالأدق: “الجرافيك نوفيل”.

                                                  ●●● 

تنقسم ليمبو بيروت إلى خمسة فصول: الأمير الصغير، الليمبو، شبكة سلوى، الأحداث، اللحظة الفارقة. لكل فصل شخصيته الرئيسية، وقصته الخاصة، لكن المصائر المتشابكة لشخوص الرواية تجعل من الحكاية شبكة من الأحجية.

تتقاطع مصائر الشخصيات، وتبدو جميعها  رازحة تحت وطأة المدينة وأحداث أيار 2008، رغم تباعدها وتنافرها الظاهرى واختلاف عوالمها. وليد الذى يرسم على جدران المدينة أنصاف الوجوه، يقيم فى شقة ألفرد. يسائل وليد هويته الجنسية. ينتهى الفصل الأول بمسلح يشهر سلاحه فى وجهه، أثناء قيامه بالرسم على الجدران، وكان يساعده فى ذلك شاب عابر يختفى عند ظهور المسلح. الفصل الثانى يحكى عن كاتب يبحث عن قصة، وتتركه زوجته اليابانية بعد وصولهما من لندن إلى بيروت، ومكوثهما بالمدينة التى تعرض شاشات التليفزيون فيها مشاهد القتل والاشتباكات، وينتهى الفصل باصطدام سيارة الكاتب بالمسلح الذى استوقف وليد، ثم سفره إلى زوجته فى بلدها، ناسيا اللاب توب الذى يحوى الفصول الأولى للرواية التى كان يجاهد لكى يتمها. الفصل الثالث: سلوى، المرأة الحامل، الشغوفة بحل شبكات التسلية، خاصة تلك التى كان أبوها يحضرها لها أيام الحرب الأهلية قبل مقتله خلالها. نرى علاقتها المتوترة بزوجها، والذى تنبئنا نهاية الفصل بهويته: ألفرد. تناجيه بعدما داهمها المخاض داخل المستشفى التى دخلتها إثر حادث سير، حين ترجلت من السيارة و عبرت الطريق لتتفقد محل يبيع مجلات التسلية. الفصل الرابع يتحدث فيه المسلح (حسن) عن تورطه فى تلك الاشتباكات، وعلاقته بأخيه المُقعد رامى، الذى يدرس فى هامبورج. وما أخفاه حسن عنه. تبدو هذه الحرب الصغيرة كقدر حتمى له، المسلح القادم من ماضى الحرب الأهلية ليستوقف وليد.. “هناك وجدت الشاب يرسم على الحائط، عرفته، رأيته فى شارعنا أكثر من مرة….. لن أؤذيه. سأتى بالشاب فقط إلى أبو أحمد، وسأثبت ولائى بهذه الحركة.أصلا أنا أحمى الشاب باخراجه من هنا. لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يحدث إن رآه أحد التافهين.”…” عرفت فقط أنى مت لما وجدتنى اكتسبت اللغة، تيقنت من موتى لما عثرت على صوتى الخاص” ﺻ170 . ثم يأتى الفصل الأخير: الطبيب الذى يكتب لحبيبته بعد انتهاء علاقتهما، ويسرد الفصل تأملاته حول المدينة والحياة والسعادة. الطبيب الذى يستقبل الجثث فى المستشفى، يعاينها قبل أن توضع فى البرادات،يصبح بمثابة شاهدا خفيا على حيوات الآخرين ومصائرهم: مساعدته لوليد أثناء رسمه، ثم هربه قبل ان يستوقفه حسن المسلح، ثم يشهد موت المسلح، وقدومه إلى الطوارئ، حيث سلوى التى سيشهد ولادة طفلها، ثم لقائها بزوجها ألفرد. يقابل  الطبيب وليد مصادفة فى محل الأحذية، ليتسائل إن كان ذلك معناه أن يتصل برقم التليفون المنقوش على ساعد المسلح، لكى يميت الجثة، ويتابع الحياة: ” ربما على ان أدفن الموت الذى شهدته، ربما على ان أساهم بجعل القصة التى كنت جزءا منها، تقترب قدر الإمكان من الكمال”.  ﺻ 232

 ترتكز تلك الحبكة على رؤية لا تعزل العالم المتصدع، والمدينة شديدة الوطأة، عن حيوات الأفراد، فيهما، حيث المصائر جميعها تتشابك فى مدينة الحرب الصغيرة، ويتكرر الحدث مع زوايا مختلفة للرؤية. ويمكن أن نرى نظائر لتلك الحبكة فى العديد من الأعمال الفنية، أشهرها فيلم “بابل” للمخرج المكسيكى “أليخاندرو جونزاليس انريتو”، حيث تتوحد مصائر أناس مختلفة، فى بقاع مختلفة من العالم، الصاخب، والقاسى.

 وتستخدم الرواية المصادفة كأداة من أدوات الحبكة بدون أن تتحول إلى أداة بنائية مفرطة فى الوضوح، حتى لا يؤدى هذا الاعتماد المفرط عليها إلى عدم قبولها، والبعد عن المصادفة التى تفاجئنا فى عشوائية الحياة بتساوق غير متوقع. وتسمح المصادفة بتعقد العلاقات بين شخصيات، لم يكونوا عادة ليتقاربوا، لولا الحرب “الصغيرة”.

                                                   ●●●                        

 فى لعبة فيديو تحمل اسم “ليمبوLimbo “، أو “عالم النسيان” بالإنجليزية، تستيقظ الشخصية الرئيسية فى غابة “حافة الجحيم”، ويحاول الصبى البحث عن أخته الضائعة، بحث محكوم عليه سلفا بالفشل، فالسيناريو الموضوع لللعبة يقضى بفشل اللاعب المحتوم كل مرة، لذلك اشتهرت اللعبة بشعار”التجربة والموت”. تعتمد اللعبة على الألغاز، والمشاهد العنيفة، وتعتبر أحادية اللون: الأبيض والأسود ودرجاتهما، تشبه “أفلام النوار” و “الأفلام الإيمائية الألمانية”.

 تتعامل شخصيات ليمبو بيروت مع الحرب بنوع من اللامبالاة أو اللااهتمام، ربما تلك اللامبالاة ناتجة عن الإعادة، كما يقول وليد: ” عم تحلم! حرب؟حتكون باهتة. بتزهق. كل اللى بدو يصير، صار بهالبلد، كل اللى حينعمل معمول قبل” ﺻ 28 .. أو كما يتسائل الطبيب: متى تبدأ الإعادة؟ وماذا يحصل عندها؟ هل يستولى علينا الملل؟ ﺻ 201

 لكنهم رغم الملل من الإعادة، يعاودون التجربة مرة أخرى، حتى بعد معرفتهم بمصير التجربة، الموت، والذى يتكرر فى كل مرة، تماما كما فى “ليمبو” لعبة الفيديو، حيث الرغبة أو الأمل فى اكتشاف الجديد.

 لا يكمن التناص بين ليمبو بيروت واللعبة فى نسق الإعادة فقط، بل فى الشكل أيضا، فرسومات الرواية هى بالأبيض والأسود، ودرجاتهما، وتبدو قريبة الشبه إلى حد كبير من اللعبة، خاصة رسومات ” براق ريما” فى الفصل الثانى “الليمبو”.

يتبع…

 

مقالات من نفس القسم