قصص قصيرة

فن تشكيلي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

بلال الدواس

انتظار

بلغَ الستين من العمر المفنيّ في تكديس نصف الثروة ببنوك أوربا، والنصف الآخر بنى به بضع عمارات، واشترى لأبنائه نصف المدينة، إلا أنه وقتما يدخل “الزاوية” ويضع السبحة بين يديه يشرع في تلاوة آيات الزهد، ويحدث البسطاء الذين إلى جانبه عن نعيم الجنة، وأنهار الخمر واللبن. رنّ هاتفه في جيبه بعد خروجه من جلسة الذكر مباشرة، قرر بعدها أن يعلٌق كل أشغال مصنعه، وأن يزرع بضع عساكر في الأبواب المؤدية إلى معمل الخيط ليمنع العمال من الوصول إلى مداخل الشركة، إنه يعلم أن غالبيتهم غير مسجل بصندوق الضمان الاجتماعي، وأنهم في الأشهر الأخيرة لم يضعوا في جيوبهم سوى بضعة دريهمات صندوق كوفيد. بلغ الستين من العمر وينتظر الستين الأخرى .

*

كأس

جلس “نعسان” رفقة رفيقيه في المقهى الشعبي يسترجعون ذكريات المونديالات السابقة، إنه يتذكر بكل فخر انتصار المغرب على البرتغال في نهائيات كأس العالم 1986، ويتذكر بوجع وحسرة شديدين هدف لوثر ماتيوس في شباك الزاكي، إلا أن رفاقه الذين يصغرونه ببضع سنوات لا يتذكرون إلا خيبات مونديال أمريكا وهدف يوسف أنور، وتواطؤ البرازيل والنورويج عام 1998، ينطق “أحدهما”: الفخر كل الفخر أيها الرفيقان أن تسمع نشيد بلادك يعزف، فتجتاحك تلك القشعريرة، ثم تغلي دماؤك، وتحس وقتها بعظمة الانتماء إلى الوطن. رد عليه “نعسان” ساخرا : لو طلب منا حينها أن نحمل السلاح ونمضي إلى الصحراء في مسيرة حمراء لحللنا القضية في حينها. قال “آخر”: دعونا من أحاديث ساس يسوس، وأخبراني: كيف تريان مشاركة المغرب في مونديال قطر الذي لم يبق على انطلاقته سوى أيام قليلة؟ “نعسان” فكر مليا ثم قال: يبدو أن اللاعبين مع الطاقم الجديد يصرون على أن يقدموا مستوى مختلفا عما رأيناه في روسيا؛ وقد يحققون المفاجأة!! “أحدهما”: مستوى مختلف!! لا أظن. فالمدارس الكروية التي سنواجهها أصعب من أن نحقق أمامها المفاجأة، كرواتيا بالعجوز مودريتش؛ وبلجيكا بالنفاثة دبروين والهداف لوكاكو، وكندا هذا المنتخب الذي لا يستهان به. قال “آخر”: هذا يعني أننا الفريق الأضعف بين فرق المجموعة؟ اتفق ثلاثتهم على أن الحضور المغربي في مونديال قطر لن يختلف عن سابقيه، لقاءات كبيرة، وخسائر متتالية، وعودة برأس مرفوعة. بعد ساعة من الحديث في الكرة، واسترجاع ذكرياتها، واستشراف مستقبلها، نهض “أحدهما” و “آخر” وبقي “نعسان” وحيدا يؤدي فاتورة المشاريب الثلاثة، مد للنادل عشرين درهما، لكن النادل فاجأه بطلب ثلاثة دراهم أخرى، مخبرا إياه أن الزيادة في المحروقات ألهبت الأسعار، والزيادات طالت كل شيء حتى كأس الشاي الذي شربه منذ قليل. خرج “نعسان” محدثا نفسه: لا شيء يبهج على هذه الأرض، لا كرة، ولا صحبة، ولا شاي بالنعناع.

*

ستة

استيقظ مع السادسة .. طالبه صاحب المنزل بما تراكم عليه من قيمة الكراء قدره ستة آلاف درهم، .. ركب سيارة أجرة طالبه عدادها ب6دراهم، وهو في طريقه إلى قاعة التصحيح استحضر ابنه المريض الذي يحتاج ستة ملايين من السنتيمات لإجراء العملية الجراحية، وصل  متأخرا بست دقائق إلى قاعة التصحيح، نال وظيفته بعد أن حصل على شهادة الماستر في الفلسفة وقد قضى ست سنوات من التحصيل الدراسي،  وضع أمامه أوراق المترشحين وأخذ  يضع رقم ستة على الأوراق دون قراءتها وبعد ست دقائق غادر القاعة.

*

أب

– تعليم عن بعد

 اشترى لأبنائه كل لوازم الدراسة، الكتب المختلفة الأحجام والأثمنة والألوان والألسن، بالإضافة إلى الدفاتر السلكيّة واللاسلكية، لم يكن قادرا على ألا يقتنيَ محفظات جديدة خاصة أن ابنتيه غالبا ما تتعاندان مع بنت الجارة في ذلك، كذلك البدلة المدرسية الجديدة بربطة عنق أنيقة، لم يبق له في جيبه سوى بضعة دريهمات لا تقتني فطور يوم واحدٍ، لكن رزمة الأحلام التي كانت تتهادى في مخيلة الأبناء و هم مشتاقون لموسم دراسي جديد بعد ابتعاد عن المدرسة لمدة ستة أشهر كانت كفيلة بأن تجعله يشعر بكثير من الهدوء والسكينة، يشعر الآن بأنه أب ناجح يفخر بأبنائه الذين يرضون عنه ويرضى عنهم. فتح حاسوبه قبل منتصف الليل بدقائق ليطلع على مستجدات اليوم عبر وسائل الإعلام الإلكترونية المختلفة، أخذ يقرأ أنباء مختلفة عن أرقام الوباء ومجهودات الدولة في التصدي لهذا الكابوس الذي ضيق على الناس تحركهم ونفسهم، وبعد حين أخذ يتثاءب شاعرا بجفنيه يرغبان بشدة في عناق بعضيهما، نظر إلى ساعة معلقة على الجدار أدرك أن الوقت منتصف الليل لم يبق له سوى أن يسمع نشرة الأخبار عبر الإذاعة الوطنية، فتح جهاز الراديو لتنفذ إلى سماعه إخبارية وزارة التربية الوطنية كون التعليم عن بعد سيعتمد طيلة الدورة الأولى وأن المؤسسات غير قادرة على اعتماد التعليم الحضوري. أغلق جهاز الراديو وأخذ ينظر بعمق لمحفظات أبنائه مستحضرا الدريهمات القليلة التي في جيبه.

 

مقالات من نفس القسم