عن والدي واختراع العزلة وأشياء أخرى

أيوب الطالبي
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

أيوب الطالبي  

كيفما هناك أفلام عظيمة تشاهد أكثر من مرّة، هناك أيضا روايات تقرأ أكثر من مرّة. قرأت لبول أوستر اختراع العزلة مرّة واحدة، بعد ذلك قرأتها مرّات عديدة دون أن أشعر ولو لحظة أنّها تفقد لذّتها. تعرفت على بول أوستر صدفة، كان هذا الاسم مجهولا وغائبا عنّي ولأني ربما قارئ جيّد ومحظوظ صادفت اسمه مرّة ما، على الأنستاغرام، أعتقد. كان ذلك قبل عامين تقريبا. قرأت الرواية دفعة واحدة دون أن أتوقّف، بعد ذلك خصصت وقتا لأقرأ كافة أعماله. صرت مجبولا إلى هذا الكاتب إلى حياته وعائلته وأصدقائه، وأكثر إلى كتبه، مرّات كثيرة سألت نفسي لماذا تعجبنا رواية ما؟ اختراع العزلة وهي شبيهة للسيرة الذاتية وجدت فيها أنا الآخر والدي رحمه الله، الذي أشتاق إليه كلّ يوم أكثر من السابق بطريقة ما يخاطبني في هذا الكتاب ويحدثني عن غيابه وعن حياته التي لم أستطع أبدا أن أعثر وهو قيد الحياة على مفتاح لأفتح بابها الكبير، ظلّت دائما غامضة وسريّة ومجهولة وبيبانها مقفلة بإحكام. وجدتها ربّما في اختراع العزلة مكشوفة كليّا وعارية. حياته التي جرّبت معها مفاتيح كثيرة، وجدت أنّها كانت دون أقفال وأنّها ربّما كانت تحتاج كلمات سريّة، مثلا، كلمة: حبّ.
بعد مدّة طويلة وجدت نفسي أحفظ مقاطع من اختراع العزلة، أحفظها عن ظهر قلب كما أحفظ أشعارا أو مقاطع موسيقيّة أو نشيدا عالميّا للغياب والعزلة والنئيّ. أصبح هذا الكتاب يمثّل لي شكلا من أشكال الزيارة لوالدي، ,وأنّه بطريقة ما قبرٌ أخر له. أشتاق إلى والدي كثيرا، كلّ يوم يكبر هذا الاشتياق وهذا الحنين داخل روحي، يكبر كورم سرطاني، بينما أجد نفسي عاجزا كليّا على اختراقه أو فتحه. والدي الذي بكيته وهو حيّ وبكيته هو ميّت وبكيت معه، والدي الذي ظلّ يشغل مساحة كبيرة وهائلة داخل ذاكرتي وداخل روحي، أشتاق إليه كلّ يوم بقوّة وبحبّ، حبّ آخر بعد الغياب. أتذكّره وهو يقف أمام باب الجامعة وينتظر أن أخرج، أتذكر ضحكته، شهيقه وزفيره، حركاته، طريقة كلامه، وطريقة خروجه من البوابة الخلفيّة للحياة، وطريقة نطقه للغياب بأكثر الطرق قساوة/ بأن يموت. منذ سنوات صارت روحي هشّة أكثر أمام الفراق، أشخاص كثيرون أنهيتُ علاقتي بهم، حتى أنّني حين أعود إلى الخلف لا أجد أي سبب حقيقي قد يدفعني لذلك. صرت غير قادر على الارتباط بأي شخص، أصل معه إلى مرحلة ما وقبل أن نصل إلى المرحلة التي قد أصبح فيها مرتبطا به وبحياته وتصبح لي معه ذكريات ومواقف وأسفار وصور وضحكات، أنهي كلّ شيء وأفرّ. لم أعد أستطيع أبدا مواجهة هذه الذكريات الثقيلة التي تركها لي والدي، لم أعد أستطيع حتى مشاهدة صوره أو النظر بعيون مملوءة بالدموع لأشيائه الخاصّة. كلّما تحتمت عليّ الفرصة لأواجهها كنت أفرّ وفي أغلب الأحيان أنتهي بأن أبكي. وقد عانيت وتعبت كثيرا أمام هذا الغياب ومن حمل هذا الوزر الثقيل كلّ يوم وأنا أمارس حياتي من دونه. مع الوقت أصبح الفرار أمرا هامّا في حياتي، كلّما كنت في موضع خطر أو في وضعيّة قد أعاني لاحقا منها أفرّ وأنسلّ هاربا، حتى لو كان ذلك في ذاكرتي.

التجديف في اليابسة أفضل مائات المرّات من التجديف خارج اليابسة. إنّه يعطي دائماً صورة واضحة في الكفاح والصمود والرّغبة العارمة باطن الرّوح، في المغادرة والابتعاد والهجرة حتّى لو كان ذلك بمتر واحد داخل المحيط. الهجرة ليست بمعناها السّائد، بل قد تكون هذه الهجرة أحياناً إلى العالم الأخر بصمت غامض وسريّ كما فعل الوالد. ظلّ أبي يجدّف طوال حياته مرّات كثيرة جدّف صوبنا وصوب حياتنا المريضة، صوّب نحو أحلامه الصغيرة التي يراها يوماً بعد يوم تكبر داخلي مثل ورم سرطانيّ، وأحياناً صوّب داخل حيوات أخرى مجهولة. لكنّه ظلّ دائماً بصبر وقوّة وحماس وضمير يقظ وحسرة يجدّف قاصداً الصلح والصداقة والاقتراب خاصّة من المحيط. كانت رغباته وأحلامه صغيرة جداً، لا تتعدى فقط أمنيته بأن يراني رجلاً قادراً على تحمّل المسؤولية، وأن يرى أخواتي في بيوت أزواجهن. كان قاسياً غالبية الأحيان، لكنّه تربى في القسوة ونبت كالصبار، لم يتحمّل العطش فقط، ولا الأجواء العائلية الشبيهة بالصحاري، بل تحمّل أكثر من ذلك، تحمّل موت والدته وهو إبن التسع سنوات، وتحمّل بعد ذلك كلّ شيء وذخيرته الوحيدة هي: اليُتم. كانت لهُ معي علاقة حبّ غامضة وسريّة ومغلوقة بالكامل، ولم يفتح هذه العلاقة سوى موته. أرى هذه العلاقة الآن دون أن أنتظر منها أن تكبر مجدّداً، ولا أن تتوّقف على إشعال النيران مع الماضي، خاصّة بيني وبينه. هذه النيران التي لا تطفئها دموعي بل فقط تُخمدها إلى حين أخر.
قرأت الفلسفة العبثية والعدمية وأحببتهما تحديداً لموقفهم الواضح من العالم، مرّات أكثر في حياتي كنت عبثياً، ومرّات وجدتُ نفسي عدميّا، أحببت عبثية ميرسولت وعدميّة راسكولينكوف وعذاب غريغور سامسا، لكنّ أمام فراق الوالد لم تصمد لا الفلسفة العبثية ولا العدميّة، بل ظلّ الواقع صارماً وقاسياً وواضحاً حتّى حين تواجهه على هيئة ذبابة، سيواجهك دائماً بقسوة وصرامة وصلابة. الفراق ولأوّل مرّة أشعرُ به كما لو أنّه ضربة سيف، لن يستطيع لا الطبّ ولا الفلسفة ولا الفيزياء ولا باقي العلوم، في إعادة قطعة كبيرة من لحمك إلى جسدك. ستدفنُ هذه القطعة وحيدة، ما عليك أنت سوى أن تواجه باقي عمرك بجسد مشوّه. أن تعتاد على قطعة ناقصة من جسدك، وأكثر من ذلك أن لا تمرّر يدك على مكانها.

مقالات من نفس القسم