عن الضباب الذي يتجول أمام عيني

هبة خميس
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

هبة خميس

تنزلق حبات المطر على رأسي بهدوء بينما تزورنا نوّة غسيل البلح التي يبدأ بها شتاء الإسكندرية. بداية حنون لنوّة لا ترتقي لأفعال باقي نوّات المدينة حيث الهواء العنيف والثلج الصلب الذي يوجعنا حينما يرتطم برؤوسنا.

كنت أفكر في سكون الجو الغريب مع السحابات الكثيفة في السماء باعثة على الكآبة، فتبدّل مشاعرنا في لحظات وتجعلنا نستسلم لحالة الحزن المخيمة على الجو مع مسحة من الإحباط. منذ سنوات قليلة كنت أحتفي بقدوم الشتاء، فأنطلق في جولات طويلة للمشي أسفل المطر الخفيف، أسترد روحي وأستمتع بالحياة التي خرّبتها حرارة ورطوبة الصيف.

وَقْع قطرات الشتاء على رأسي يذكرني بهزيمة كبيرة مضت، لكنَّ يد طفلي امتدَّت أمامي لتدعو الله بعيد ميلاد كل يوم ولعبة وقرد حقيقي يربّيه في البيت، لعله يستجيب ساعة المطر.

**

منذ  أكثر من عامين فقدت نصفي الآخر بين طرقات المستشفيات وأصوات أجهزة التنفس العالية، مازلت أذكر وَقْع خطواتي في تلك الطرقات الكئيبة، وكيف هاجمني البرد ولم أتخلص منه حتى الآن،حتى الآن لا أستطيع الحديث عما حدث لأنه مازال مؤلمًا ولن يُسكنه الحديث،لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أصبح مريضة اكتئاب.

يستقبل كل شخصٍ منا الصدمات بطرق مختلفة تمامًا، بيننا مَن يتلقى الصدمة ويتجمد بعدها ليصير عالمه بالكامل هو إعادة إنتاج لتلك الصدمة، فيدخل في طور مرض نفسي يُعرف باسم “اضطراب ما بعد الصدمة” ويرمز له اختصارًا PTSD وتعرِّفه منظمة الصحة العالمية بأنه نوع من أنواع المرض النفسي، يسبقه حادث واحد أو عدة حوادث أو تهديدات استثنائية، فتظهر الأعراض النفسية والجسدية لاضطراب ما بعد الصدمة عادة في غضون فترة بعد الحدث الصادم،وتؤدي إلى اهتزاز فهم الشخص لذاته والعالم من حوله وإلى تشكّل أحاسيس العجز لديه.

تعرِّف صديقة لي مصابة بذلك المرض شعورها بأنها ما زالت محبوسة داخل الحادث الذي تعرضت له منذ سنوات،وتهاجمها نوبات الأرق والخوف طوال الوقت.

**

في فيلم “cake” كانت البطلة “كلير” التي قامت بدورها “جنيفر أنيستون” لا تُظهر الكثير من المشاعر، فهي امرأة ثرية تسكن منزلًا واسعًا مع خادمتها المكسيكية التي تقوم بكل شيء لها، بدايةً من توصيلها لجلسات علاجها النفسي والطبيعي، لمساعدتها في شراء أدوية علاج الاكتئاب والمسكّنات.

 في البداية لا نعرف ماذا تُخفي “كلير” خلف ندوب وجهها وألم جسدها، لكنها تصطدم بانتحار الأم “نينا” التي تعرفها من جلسات العلاج النفسي الجماعية،مما يوقظ كل تلك الأفكار الانتحارية التي تخفيها “كلير” ببراعة؛ فيصاحبها شبح الأم التي ألقت جسدها من على الطريق السريع ليصطدم بالسيارات.

 تتجسس “كلير” على حياة الأم وتتعرف على أسرتها باعتبارها صديقة،وتبدأ حياتها بالتغير ليتقدم علاجها الطبيعي، وعبر لقطات خفية نتعرف على الحادث الذي أودى بحياة ابنها وحطّم جسدها وروحها.

تبدو “كلير” مريضة اكتئاب نموذجية، بل من أفضل الشخصيات الاكتئابية التي طرحت في السينما؛ فهي لا تنتحب طوال الوقت،لكن تعبيرات وجهها الجامدة وأفكارها حول الانتحار وضَّحت تلك الحالة الصعبة التي وصلت لها.

*

قبل عام و نصف العام عانيت من نوبات أرق طويلة، أعقبها خمول جعلني أصحو من نومي بصعوبة بينما تتدفق الأفكارالانتحارية إلى رأسي بسرعة. أشرب شاي الصباح دون طعام،فشهيتي فقدتها منذ شهور طويلة.

 تبدو الحركة صعبة والخروج من المنزل مستحيلًا، أظن أنني أردت التلاشي دون أن أترك أي أثر. في لحظات تتصاعد حدة مشاعري وأمرُّ بنوبات غضب عنيفة تترك آثارًا على روحي ونوبات الخوف شبه يومية، فأنسى كيف أستطيع التنفس مع تصاعد حدة دقات قلبي.

في تلك الفترة مررت على عددٍ من الأطباء الذين نصح أحدهم بوصفة تتجاوز العشرة أدوية، ما بين المهدئات ومضادات الاكتئاب وأدوية الصرع لنوبات الصداع والفيتامينات. وضعتني الأدوية في حالة أسوأ، ودخلت في حالة خمول طويلة، فقررت تغيير الطبيب لطبيبة أخرى نصحتني بالاقتراب من الله حيث أن ما أمرُّ به طبيعي بعد وفاة شريك حياتي. لكن تلك الحالة تركت أثرها عليَّ، فأصبحت أمًا عصبية، تنفجر مشاعري في ثوانِ لأبدأ في وصلات تعنيف لفظي لطفلي على أسباب بسيطة.

 حبستُ نفسي داخل تلك الدائرة من لوم الذات والإهمال والشعور المستمر بالذنب على الحياة التي مازلت أعيشها،وعلى كل شيء، و لم أعرف كيف أخرج منها.

بعدها بشهور كنت أتحدث مع صديقة لي علمت بالصدفة بمرضها بسرطان الثدي وشفائها منه بعد فترة، لكنَّ المرض ترك أثره على روحها فأضحت مريضة اكتئاب. رشَّحت لي طبيبًا يساعدني في الشفاء وقررت الامتثال لتلك النصيحة.

في الطريق للطبيب بالقرب من القطار كنت أتحسس طريقي بجوار عربات الباعة الجائلين والزبائن الذين ينتقون الطعام المفروض. كل ما كان يسيطر عليَّ في تلك اللحظة كان هو الاستسلام للطريق!

تخيلت كيف تهشم السيارة عظامي،ويلتصق لحمي بالطريق،لكنني تراجعت وقررت استكمال طريقي للعيادة. أمام الطبيب قضيت نصف الساعة في الصمت. بكلمات مقتضبة عرَّفته على نفسي وامتثل كلانا للصمت.

في المرة الثانية وجدت نفسي مدفوعة للجلسة الأسبوعية التي ينحشر صوتي فيها فلا يخرج من حلقي. قلتُ كلماتٍ مقتضبة عن مشاعري وكيف أرى الدنيا، فكتب لي علاجًا مضادًا للاكتئاب. بعد أكثر من  ثلاث مرات انطلق لساني حينما كان يوجه لي الأسئلة المتعلقة في الأساس بطفولتي. ساعدتني الجلسات كثيرًا في تذكُّر مشاعر كثيرة مرت بي أثناء الطفولة.

ولدت في أسرة تشبه الكثير من أسر الطبقة المتوسطة حيث لا يوجد الكثير من الانحرافات، لكن توجد تفاصيل بسيطة تتراكم تتسبب لنا بأزمات سلوكية كبيرة، وتُدخلنا أحيانًا في دائرة الاكتئاب. تذكرت الكثير من المواقف التي وضعتني في وضع مقارنة دائم؛ شعرت أنني غير كافية طوال الوقت، لكنني حينما بدأت في النضج تغيرت مشاعري كثيرًا، غير أن جذور المشكلة ظل بداخلي، وفي أقرب فرصة حين فقدت شريكي وداعمي الأكبر بعد معاناة مع المرض، أصبت بالاكتئاب.

أحياناً ينسينا الحب ضرورة حب أنفسنا، كنت أفكر أنه في ظل وجود من يحبني و يقدرني لا داعي لأن أحب نفسي.

*

ظلام مرئيفي كتابه “ظلام مرئي.. مذكرات الجنون” يحكي الكاتب وليام ستايرون تجربته مع مرض الاكتئاب، ويبدأ ذلك الحكي من ليلة باردة في باريس في أواخر أكتوبر عام 1985؛ حين علم أنه يعاني اضطربًا اكتئابيًا خطيرًا، وأنه يتخبط عاجزًا عن التعامل مع اكتئابه، وتزامن ذلك مع شعوره بكراهية لذاته أو انعدام تقدير للذات، ومن الغريب أن اعترافه جاء في رحلته لتسلم جائزة “تشينو ديل دوكا” الأدبية العالمية في فرنسا.

حكى “ستايرون” عن شعوره أثناء نوبات اكتئابه: “كان الألم يشبه غالبًا الشعور بالغرق أو الاختناق، ولكن حتى هذه التشبيهات لا تفي بالمعنى، كأني ذلك الميت-الحي الذي أصبحته، والتفكير في الموت قد أصبح أمرًا معتادًا منذ مدة خلال نوبات المرض، يعصف بذهني وكأنه دفقات رياح جليدية.”

عرض الكاتب حالات لاكتئاب بعض المشاهير، وكيف انتهى بهم الأمر للانتحار، وكان يخمن كيف ستكون نهايته مع ذلك المرض الذي جمد الحياة بداخله، وكل ذلك بدأ حينما قرر الامتناع عن شرب الكحول.قرر “ستايرون” في نهاية الأمر الدخول إلى المستشفى للعلاج، وتماثل للشفاء بعد أسابيع ثم حكي تجربته المرعبة مع ذلك المرض لتصير كتابًا من أهم أعماله.

**

من أشهر العلاجات المستخدمة حاليًا مع مرضى الاكتئاب: العلاج المعرفي السلوكي، وهو طريقة علاجية تعتمد على الحديث بين المريض والمعالِج، وذلك بهدف التغلب على المشاكل عن طريق تغيير طريقة التفكير والتصرف. ويستخدم العلاج السلوكي المعرفي في حالات الاكتئاب وحالات نفسية أخرى. مؤسس ذلك النوع من العلاج هو الطبيب النفسي الأمريكي “دونالد هربرت “.

*

مع الوقت ومتابعة الطبيب تعلمت من العلاج ملاحظة طريقة تفكيري، وربط مشاعري بمواقف محددة أحيانًا. تعلمت عن طريق العلاج كيف أخلص نفسي من الشعور بالذنب واحتقار الذات، وكيف أتخلص من مشاعر الغضب، وحينما تهاجمني نوبات الخوف تعلمت كيف أضع صورة طفلي أمام عيني كي أستعيد إيقاع تنفسي وأنجو من تلك النوبات.

لم يعد أمام عيني ذلك الضباب الذي يحبسني في الداخل ويعوقني عن الاستمتاع بالحياة، علمت أن كل ذلك كان بداخلي لأنني وضعت الكثير من المعايير العالية أمامي، وتعلمت كيف أقيِّم نفسي بصورة سيئة. الشفاء من الاكتئاب كان عملية طويلة ومرهقة لكنها رحلة مستمرة مادمت حية، فأحيانًا يتمكَّن مني ذلك الشعور المقبض، فأدخل في نوبات اكتئابية، لكني أتمسك بما لديَّ لمواجهته.

طفل وورقة وقلم، يعيدونني إلى الواقع كآلية دفاعية لأواجه تلك النوبات مواجهة عادلة.

مقالات من نفس القسم