حاتم عبد الله
لم أفاجأ حين وجدته يجلس بجواري على سورٍ في مواجهة شارعٍ ممتد ومتسع كأنه الدنيا، رغم مرور أكثر من عقدين على الفراق.
لا أدري هل تصافحنا أم لا؛ فقط وجدت حوارًا بصوتٍ أقرب إلى الخفوت يلفنا كعادتنا القديمة، لكننا بدون مواجهة؛ كلانا كان وجهه إلى مشهد المارة أمامنا.
لم يسأل عن حالتي ولا أحوالي، ولا عما جرى بعد غيابه، ولا عن أسرتي التي لم يرها، لكنه تعامل كأنه يعلم كل تفاصيل مشواري، ولم يكترث لحزني ولا لشكواي حين أخبرته بانكسار الأحلام وبمعارك لا نهائية في حياة بلا طعم.
لا أدري ما سر برودة اللقاء ولا الاعتياد الغريب لمقابلة غير متوقعة ولا منطقية، ولم أستوعب إشاحته بوجهه عني، خاصة كلما التفت إليه.
قلت له: الهزائم كتيرة ومؤلمة والانتصارات نادرة وبتتأخر، لأنها غالبًا بتكون انتصار على عدو جه دوره تحت ترس الزمن؛ يعني صار لا حول له ولا قوة؛ وبقى أولَى بالتعاطف مش الشماتة.
– هزائمك لأن ربنا مش عايزك تمسك في الدنيا ولا تعتبرها غايتك، نصرك فيها مجرد إيفاء بوعده وتثبيت للإيمان.
– طيب الظَلَمَة، اللي ورثوا الظلم مع الجاه والمال أبًا عن جِد؛ سلاسل مابتنتهيش، وأتباعهم اللي بيخططولهم ومقويينهم؛ أداة الدبح مقابل الفتات.. ليه ما بنشوفش انكسارهم وهُمَّ في عزهم، غرقهم زي فرعون؛ فينهم من نهايات تشفي صدور مظاليمهم؟!؛ نهايات عاد وثمود والنمرود.
– هاتشوف وشفت بس مش واخد بالك، ده غير انكسارات وتعاسة عرفوا يحجبوها عنك وعن غيرك، أما الأتباع دول لما بييجوا عندنا بيبقوا زي كلابكم؛ نركل مؤخراتهم بالأقدام، دول كمان مابيطولوش نعيم الكلاب؛ الكلاب الحقيقيين عندنا أصدقاء منعمين.
– ليه ربنا حط مصير العبد في إيد عبد زيه؟!
– قلت لك ماينفعش تقول على الدنيا مصير
– لكنها هي اللي بتحدد المصير الحقيقي بعدها
– «وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء…..» «نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ»؛ «وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ» فروق الرزق اختبار، والإنسان هو الكائن الوحيد اللي بيدعي الألوهية، وربنا بيدي بعض البشر المال أو السلطة او الاتنين وبيمنعهم أو يقللهم عند البعض، عايز يقولهم خدوا جزء صغير من ملكية وسلطة الإله ووروني هتعملوا ايه؟؛ هتعدلوا؟! هترحموا؟!
– دايما بأحسبها وبافكر مع كل خطوة، ولمّا حاولت أعيش بالبركة كنت هغرق
– التفكير واجب عليك؛ أُمال ربنا خلقلك عقلك ليه؟!.. لكن الأرزاق مقدرة سلفًا
– لو تشوف الهرم المقلوب اللي إحنا عايشين فيه!.. أثرياء التريند والتيكتوك وأغاني الحلمنتيشي ودراما البلطجة؛ الجهلة بقوا كِريمة المجتمع.
– وايه يعني؟.. المعرفة في حد ذاتها نعيم يكفي أصحابه، أما الجاهل فسعادته دايما عمرها قصير، والجاهل الأحمق بيفضل عندنا غرقان في الجهل إلا من معرفة مصيره الأسود.
– الرفاق طلعوا وهم، والوحدة خانقاني حتى وأنا وسط الناس.
– لأن الدنيا كلها وهم؛ الأصدقاء؛ الأقارب؛ حتى الأبناء.
– بس انت وأمي كنتوا دايما سند، عُمري ما حسيت إنكم وهم.
– لأن الوالدين الحاجة الوحيدة في الدنيا اللي ربنا منحها شيء من صفاته؛ المشاركة في التخليق؛ الوالدين ربنا جعلهم السبب الظاهر أو المباشر لاستمرار الحياة.
قلت وأنا أستدر عطفه: تعبت.
رد ببرود: التعب كلمة كبيرة، ماتنفعش لوصف وضع مؤقت، عيشتكم مش أكتر من غفوة.
لحظتها أبصرت جزءًا من وجهه حين التفت لثوانٍ، كان وجه أبي الذي اعتدته، لكنه بلا دماء؛ أشبه بالثلج، وبعينين مختلفتين؛ لم أر مثلهما أبدًا.. وأكلمت شكواي: أنا تعبان بجد، عامل زي ما أكون بألعب دومينة والدور قفل.
تابع بحزم وبنفس الحياد: الحياة بالفعل مباراة، لكنها مابتقفلش إلا مع النهاية.
– لكنها مباراة صعبة؛ ومرارها بيزيد.
بازدراءٍ قال: مشكلة لاعبينكم إنهم مش واخدين بالهم إن الغاية من المباراة هو الفوز فقط، وإن كل تعبها بيتنسي مع النصر حتى لو اتأخر، عاملين زي اللي بيلعب عشان تصفيق الجمهور؛ فبيستعرض ويستمتع بالهتاف ومش في باله الأهداف، كأنها كدة كدة جاية، وده مش حقيقي.. بيستصعب الصبروبيستعجل النصر، وبيجري ورا متع وهمية وقصيرة.
– الصبر صعب بالفعل
– عشان كدة الصبر جواز المرور
– انت جاي عشان تصبرني؟
– لأ عشان آخدك معايا
– ليه؟!.
– خايف عليك من الهزيمة.. حاسس إن نَفَسك قصير ومش قادر.
– بس أنا لسه ما عملتش اللي عليَّ قدام ربنا.
– أيوة.. بس ربنا عارف الكويس مِن الوِحش وده أساس تقسيمة النعيم والعذاب، من قبل ما حد يتخلق، الأفعال مجرد دليل على أصحابها، وانت صبرت بما فيه الكفاية.
– آدينا عايشين وزي ما ترسي.
– شايف في كلامك يأس وده اللي مخوفني
– لا عادي.. أنا عايش عشان عيالي
– ماتخافش عليهم، بيك من غيرك عايشين؛ على نفس الخط اللي مقدره ربنا.. مش انت اللي بتحدد مصيرهم.
– مِن غيري يضيعوا.
زعق: كلام فاضي.
– أنا الفلوس؛ يعني أنا المَمْ والتعليم ودليلهم الأول في المشوار.
– انت نفسك ومشوارك بس، انت ممكن تتوه.
– أنا حياتهم وهُمَّ حياتي والمستقبل اللي ممكن ماشوفهوش
– حياتهم محددة من قبل كدة والله أعلم بيها، وحياتك ماعادتش هنا.
– يعني إيه؟
– يعني لازم تيجي معايا.
– ماينفعش.
– لازم أنقذك من ضعفك.
– مش هاروح معاك
– ماتعاندش
– مش عايز أخالفك يا بابا، ومبسوط إني قابلتك، باحبك وباحبهم، لكن انت ماضي وهُمَّ…….
– وأنا باحبك زي ما بتحبهم
– همَّ الحاضر والمستقبل؛ ومحتاجين لي
– أنا هاخدك للمستقبل الحقيقي، انت وكل اللي معاك هنا ماضي
– ماتشدنيش
– تعالى
– هتوقعني.. “قلتها وأنا أنظر إلى الأسفل فإذا بهوةٍ سحيقة؛ إذ كنا نجلس على سور سطحٍ لمبنىً شاهق كناطحة سحاب”
– ماتخفش، مش هتقع، هاخدك معايا.. هنطير
– قلت لك هاقع
– ثق فيَّ
– سيبني.. عايز أرجع لعيالي ومراتي
– تعالى معايا
– أوعى.. هاموتني
– ماتخافش
– حااااااسب
– تعالىىىىىىىىىىى
– عياااااااالييييييييي.. حرام عليييييييك





