طارق إمام.. طائر لا يحب الاتفاق

موقع الكتابة الثقافي tariq imam
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

السيد إمام

كن رجلاً ولا تتبع خطواتى

                                             جوتة

البدايات

لاحت موهبة طارق إمام قى وقت مبكر جداً. لاحظتُ شغفه الشديد بالمعرفة حتى من قبل أن يبلغ الخامسة. كان يوجه إلىَّ – أو إلى أمه- الأسئلة وحين كنا نراوغ فى الإجابة أو نرجئها يبكى و يظل متعلقاً بأذيالنا مردداً السؤال مرة تلو المرة متوسلاً إلى أن يحصل على إجابة تقنعه حد أنى ظننته يحتاج إلى علاج نفسى ما. بعد ذلك انتقلنا إلى الكويت و كنت أصطحبه معى فى معظم جولاتى فى المدينة. كانت تجمعنى به رغم صغر سنه صداقة ما. هناك، قدمت له الألوان، و أبدى موهبة فريدة فى التعبير عن عالمه الباطنى من رؤى و أحلام من خلال رسوم سريالية مدهشة. ملأ جدران الشقة التى كنا تقيم بها برسوماته الفريدة التى تنبئ فى هذه السن المبكرة عن فنان قادم حد اننى بعد الانتهاء من فترة الإعارة أضطررت لدهان جدران الشقة من جديد قبل تسليمها إلى الجهات المختصة و تحملت فى سبيل ذلك مشقة بالغة.

و جاء سن الالتحاق بالمدرسة الابتدائية. و ما أن غدا قادراً على فك شفرة القراءة و الكتابة حتى بدا شغفه بالقراءة واضحاً. كنت حريصاً على أن أحضر له أسبوعياَ مجلتى ماجد -التى أصبح بعد ذلك أحد كتابها – و سعد، و فى مرحلة تالية العربى الصغير و سلسلة الأدب العالمى للناشئين، و ألف ليلة و ليلة الميسرة، كما أحضرت له فى تلك المرحلة أيضاً مجلد مجلة سندباد التى شكلت وعيى صغيراً. أيضاً فى تلك المرحلة، بدأت موهبة الكتابة تعلن عن نفسها شيئا فشيئاً بالموازاة مع رسومه السريالية الرائعة، من خلال عمل مجلة للأطفال يتولى تحربرها من الألف إلى الياء تحوى قصصاً مصورة مسلسلة من تأليفه و رسومة، و نوادر و مسابقات و حكايات و فوازير و حكم. كانت المجلة تصدر أسبوعياً يجرى تصويرها و توزيعها على أطفال الشارع (لا زلت أحتفظ ببعض أعدادها).

 فى المرحلة الإعدادية بدأت موهبته فى الكتابة تعلن عن نفسها شيئاً فشيئاً.  كنت حريصاً على اصطحابه معى إلى نادى الأدب بدمنهور، إلى أن فاجأنى ذات يوم بقصة للكبار إسمها “السندرة”. قرأ القصة فى نادى الأدب أمام جمع من الأصدقاء فاحتفوا بها و حاول كل منهم أن يوجهه إلى المنطقة التى يبدع فى إطارها. أما أنا، فكنت حريصاً على أن يكتب من المنطقة التى تخصه هو، أن يعبر عن أحلامه و رؤاه بالطريقة التى تعجبه، ألا يكون تكراراً لأحد. فى سن الرابعة عشر فاجأنى بقصة تالية مدهشة تحمل عنوان “محاولة لاحتواء الضوء” (التى تتصدر مجموعته الثانية “شارع آخر لكائن”)، أرسلها مع صديق لنا هو الشاعر ناصر دويدار إلى مجلة “أدب و نقد” التى كان الشاعر حلمى سالم مدير تحريرها، و فوجىء بها منشورة فى العدد التالى من المجلة مباشرة. و بطابع بريد، أرسل قصة أخرى إلى جريدة “الأهرام المسائى” و فوجىء بها أيضاً منشورة فى نفس الأسبوع على صفحاتها. ثم توالى نشر قصصه فى الصحف و الدوريات (الثقافة الجديدة، أدب و نقد، إبداع، الكتابة الأخرى، إلخ). كنت حريصاً على أن أصطحبه معى إلى القاهرة فى سن مبكرة، ما أتاح له التعرف على الوسط الثقافى عن كثب. تعرف على أغلب أصدقائى من الشعراء و الكتاب (حلمى سالم، رفعت سلام، فريد أبو سعدة، جمال القصاص، محمد عفيفى مطر، فتحى عبد الله، مهدى مصطفى، إلخ) كما تعرف على معظم كتاب التسعينيات خلال هذه المرحلة (أحمد يمانى، ياسر عبد اللطيف، إيمان مرسال، صادق شرشر، عماد فؤاد …)… كان استعارياً و كانوا كنائيين يحتفون بلغة الحياة اليومية و نثر الحياة، و من ثم لم يحسب على تيارهم.

طارق و الغيطانى

ذات يوم اصطحبت طارق فى رحلة معى إلى القاهرة، تحديداً إلى “أخبار الأدب” حيث استقبلنا الغيطانى فى مكتبه. سلمه طارق ملفا كاملاً يضم بعض أعماله المنشورة فى المجلات و الصحف. طالع الغيطانى بعضها على عجل و أبدى دهشته. سلمه طارق قصة “إقامات الوردة فى سماء المنشدين”، فأمر الغيطانى بنشرها فى العدد التالى مباشرة. ثم سلمه مقالاً نقديا حول ديوان “ممر معتم” لإيمان مرسال (ربما كان من أوائل المقالات النقدية التى كتبت عنها) فأمر بنشره فى العدد الذى يليه. فى الندوة التى عقدت بالمجلس الأعلى للثقافة حول الرواية التاريخية بين الغيطانى و طلرق إمام (كفافيس والزينى بركات) و التى أدارتها باقتدار الدكتورة أمانى فؤاد، ذَكَّرْت الغيطانى بتلك الواقعة، و رد الغيطانى: لا زلت أتذكرها حتى هذه اللحظة كأنما حدثت بالأمس. كان رحمه الله شديد الاعتداد بطارق، مؤمناً بموهبته إلى أبعد حدود. من بعدها، أصبح طارق أحد كتاب “أخبار الأدب” الأثيرين، بل واحداً من أبنائها، و لا يزال.

طارق و أوَّل كتاب

إصطحبت طارق إلى دار شرقيات- أشهر دور النشر فى التسعينيات و المهتمة وقتها بنشر الأعمال الطليعية للكتاب من كل الأجيال- حيث تقابلنا مع حسنى سليمان صاحب الدار للتعاقد على نشر أول مجموعات طارق القصصية “طيور جديدة لم يفسدها الهواء”. و ما أن حلت لحظة التفاوض حتى طلب منى الناشر الاستئذان لأنه يفضل أن يكون الاتفاق بينه و بين الكاتب مباشراً دون وسيط. رحبت بالطبع و ذهبت للانتظار على زهرة البستان. لم يمض وقت طويل حتى أتانى طارق غاضباً. ما الخبر؟! حسنى لا يريد أن يسمى النصوص قصصاً. سوف يخلو الغلاف من أى إشارة لجنس النصوص التى يضمها الكتاب. كانت كتابة طارق فى تلك المرحلة شديدة الإزاحة و التكثيف حد أن بعض النقاد تعاملوا معها بوصفها نصوصاً شعرية بينما اعتبرها آخرون(محمد حبريل، مدحت الجيار) طريقة جديدة فى السرد العربى و كتب يسرى حسان عن المجموعة فى “حريتى”  بأنها  “كتابة على غير مثال”. هوَّنت كثيراً من غضب طارق، فَقَبِل بشرط حسنى و نُشِرَ الكتاب.

طارق و صبرى موسى و ما جرى فى دمياط   

عقدت الندوة القصصية على هامش مؤتمر أدباء الأقليم فى دمياط. ترأس الجلسة صبرى موسى و تولى تقديمها القدير حلمى يا سين. تعاقب القصاصون على المنصة و جاء دور الفتى الصغير. قرأ بعضاً من نصوصه و تأهب القاص الذى يليه للصعود، و لكن كان للكبير صبرى موسى رأى آخر. قال أنه لا يمكن الاستمرار فى الندوة و المرور على هذه الكتابة مرور الكرام. توقفت الندوة بالفعل و تشعب النقاش، و أثار هذا الاستثناء حفيظة بعض الكبار. و كان عليهم الانتظار حتى موعد انتهاء الجلسات. عايره أحدهم بأن لديه أكثر من عشرين كتاب، و عايره آخر بأنه كان يكتب حتى من قبل أن “تطلع” له أسنان. إلتزم طارق الصمت. كانوا جميعهم فى عمر الآباء. و من ثم اضطررت أنا للتدخل و فض الاشتباك.

أنا و خيرى شلبى و طارق                                 

لم تكن علاقتى بخيرى شلبى قد توثقت بعد حين أهديته مجموعة طارق الأولى “طيور جديدة لم يفسدها الهواء” بعد انتهاء الجلسات الصباحية للمؤتمر الذى عقدته الهيئة العامة لقصور الثقافة بمدينة السويس بعد صدور المجموعة مباشرة عن دار شرقيات. كان طارق وقتها فتى غضاً لم يتجاوز السابعة عشر. وضع خيرى المجموعة فى جيبه وسط مجموعة من الكتب التى أهداها أصحابها إليه، و انصرف خيرى، وانصرفنا. بعد الغذاء، و قبيل انعقاد الجلسات المسائية، إلتقينا مرة أخرى على المقهى . نادانى خيرى الذى كان قد قرأ المجموعة كاملة. بادرنى وهو يدعونى للجلوس معه : “اِبنك دا عبقرى يا سيد “. ما أثار دهشتى ساعتها  أن يعجب كاتب واقعى “كنائى” من جيل مختلف وحساسية مغايرة بكاتب “استعارى” عجائبى تنتمى عوالمه لدنيا الأسطورة و الأحلام. خيرى أقرب ما يكون اِلى ديكنز و بوكاشيو  وسرفانتيس، بينما ينتمى طارق إلى شجرة ضخمة من السرد العجائبى تضم فروعها كُتَّاباً كثيرين مثل أوفيد و بورخس و ماركيز و مؤلف ألف “ليلة و ليلة” الجمعى المجهول . ما أثار دهشتى أيضا أن يبدى كاتب كبير اعجابه البالغ بكاتب صاعد دون تحفظ أو مواربة (كما يفعل الكثير من كتابنا الكبار عادة مع الصاعدين ربما لعجزهم عن استيعاب الجديد ومجاراة روح المغامرة والمغايرة التى يتسم بها جيل مغامرٌ جديد – هنا يبرز الكاتب القديم بوصفه سلطة تنحو اِلى تأكيد هيمنتها عبر التمسك بالقديم و الاكتفاء باِعادة اِنتاج الجاهز و المتواطَأ عليه. هنا أيضاً، يبرز الكاتب بوصفه الوجه الآخرً للسلطة السياسية القمعية التى تكرس هيمنتها عبر اِعادة اِنتاج العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة التى كرستها عصور الظلم و الاستبداد.                    

         *****

أذكر أننى دعوت خيرى شلبي بعدها لمناقشة مجموعة طارق فى دمنهور، وأذكر عدد المكائد التى دُبِّرت وقتها للحيلولة دون إقامة الندوة. و مع ذلك حضر خيرى بالفعل اِلى دمنهور. حضر، دون أن يستقبله أحد، و كان البعض قد تطوع لإخباره أن الندوة قد ألغيت. و تماماً فى اللحظة التى كان يتأهب فيها للمغادرة، أدرَكْتُه فى المقهى المجاور لموقف السيارات قبل أن يستقل سيارةً الأجرة – التى كان قد اتفق مع صاحبها – عائداً إلى القاهرة بلحظات.

         *****          

عُقِدَت الندوة بعد موعدها المقرر بنصف ساعة وحضرها حشدٌ كبير من المعارف والأصدقاء وزملاء طارق فى الجامعة الذين أتوا للاحتفال بصديقهم ، وانبرى خيرى للمناقشة. لم يكتف بالاحتفاء بموهبة طارق، ولكنه حفر عميقاً فى أنواع الكتابة و أساليب التعبير و أمور التقنية ، و رد نصوص طارق إلى جذورها فى التراث العربى و العالمى على حد سواء، و خلع عليه وقتها لقب “الكاتب العجوز” فى إشارة إلى تمكنه و استيعابه لأصول حرفته . أذكر يومها أيضاً كيف انبرى كاتب صديق من دمنهور ينتمى إلى تيار مغاير فى الكتابة ليهدم الليلة من أساسها، حيث استدار إلى الجمهور فى رشاقة راقصة الباليه و بيده الميكروفون ليواجهه بالسؤال: حد فهم حاجة؟! و كانت الإجابة عكس ما كان ينتظر الصديق بالضبط، إذ أجاب زملاء طارق الجامعيين فى نفس واحد: أيوا فهمنا. وأنا أسأل بدورى، هل توجد طريقة واحدة قياسية متفق عليها لفهم و تلقى النصوص؟! كتالوج مثلاً يشبه ذلك الذى نستعين به فى تشغيل ماكينات الحلاقة الكهريائية أو فك شفرة الحاسوب؟!

بعد الندوة ، اتجهنا أنا وطارق اِلى مدينة فوة .أراد خيرى أن يزور المنزل الذى ولد فيه . إتجهنا إلى السوق الكبير ثم إلى “المسمس”. عبرنا حوارى وأزقة كثيرة رثة متشعبة حتى وصلنا اِلى رأسِ حارةٍ بعينها . لاح لنا على البعد منزل قديم مهدم تجلس على عتبته امرأة ضامرة عجوز. وما أن لاح خيرى على البعد بهيئته المعروفة المميزة ، حتى فوجئنا بالمرأة العجوز تترك مجلسها أمام البيت و تركض نحونا فى خطوات متلهفة ثم تلقى  بنفسها بين أحضان خيرى و هى تهتف: إبن خالى..إبن خالى. كيف تعرفت هذه السيدة عليه بعد انقضاء ما يربو على أربعين عاماً لم يزر فيها خيرى فوة و لو لمرة واحدة؟!.للدمِ لغةٌ لا نعرفها بالطبع… بكى خيرى، و بكت السيدة العجوز، و بكى طارق، و بكيت…

***** 

راهن خيرى على طارق، ولم يخب رهانه قط (فاز طارق بعدها بالمركز الأول مرتين متتاليتين فى المسابقة المركزية التى تجريها الهيئة العامة لقصور الثقافة ، وفى مسابقة سعاد الصباح، و حصل على جائزة ساويرس مرتين ، وجائزة الدولة التشجيعية عام 2010، و جائزة متحف الكلمة بأسبانيا، و أبدع تسعة كتب : خمس روايات ، وثلاث مجموعات قصصية، و كتاب قصصى (مدينة الحوائط اللانهائية) بالاِضافة اِلى مجموعة قصص للأطفال، وعشرات المقالات والمراجعت النقدية المكرسة للكتابات الجديدة التى يبدعها  مبدعون شبان .

         *****

لقد تعرض خيرى بسبب فوز طارق بالتشجيعية اِلى الكثير من المهاترات –وصلت فى بعض الأحيان حد السب والطعن فى نزاهة الرجل (أخبرتنى زوجته السيدة فوزية السنهورى أن روائية معروفة (ر.ع) اتصلت به تليفونباً عقب فوز طارق بالجائزة و انهالت عليه بوابل من السباب لولا تدخل ابنته ريم فى اللحظة المناسبة وتكفلها بها). الذى حدث أن خيرى استخدم حقه كرئيس للجنة و رجح كفة طارق عندما تساوت الأصوات بعد أن اختفى عضوان من أعضاء اللجنة عند التصويت الأخير فى ظروف غامضة (نكاية فى خيرى على ما أظن)–.وأنا أسأل بدورى ، ماذا لو حدث العكس ورجَّح خيرى الرواية المنافسة؟!…

كانت شروط الجائزة تقضى بألا يكون الكاتب قد “فاز” عن العمل – المقدم بجائزة من قبل. و لم تكن رواية طارق قد فازت حتى وقت التقدم  بأى جائزة من أى نوع. و مع ذلك حصلت مى التلمسانى على التشجيعية عن رواية “دنيا زاد” عام 2002 رغم فوزها عن نفس الرواية بجائزة “آرت مار”عن أفضل عمل أول فى البحر المتوسط عام 2001!! و لم يعترض أحد!! بل و اعترفت الفائزة بجائزة العلوم الهندسية فى لقاء معها بجريدة الأهرام بفوزها عن نفس البحث بجائزة الجامعة الأمريكية فى نفس العام (210) الذى حصل فيه طارق و حصلت فيه على الجائزة. و لم يفتح أحدٌ فمه!! و عندما سئل المسئول الجامعى وقتها أجاب: و إيه يعنى؟! فلمن توجه الاتهامات إذاً؟! لخيرى، أم للائحة، أم لمبدأ الكيل بمكياليين؟! (أبناء البطة البيضة و أبناء البطة السوداء!!)

ذهبت مهاترات البعض على مواقع التواصل الاجتماعى حد اتهامى بتعيين اللجنة التى أشرفت على الجائزة. أىُّ عبث؟!! بل و وصلت حد اتهام جابر عصفور  نفسه بالتواطؤ معنا نظراً لأنه بلدياتى.. و الله العظيم حصل!!!

        

 

عودة إلى الملف

                                                                       

                                                                      

مقالات من نفس القسم