صيّاد الملائكة

صيّاد الملائكة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أخيراً أخذ حنا دميان إجازة، خريج الفلسفة، والبارمان على باخرة سياحية في صعيد مصر. سينام كثيراً، كما يحب، ويصحو ليجد الريح والغبار يغطيان نهار بلدته، ربما إيذاناً بانقلاب عالمه المطمئن ولو في الظاهر، وانتهائه إلى نموذج شائع لمجذوب الشارع، أو صيّاد للملائكة، حسب العنوان الجميل لرواية هدرا جرجس، التي صدرت طبعة جديدة منها مؤخراً خلال عن دار الربيع العربي. 

من عملٍ إلى آخر، يضيف هدرا خطوات موزونة وأنيقة إلى مشواره الأدبي بعد انطلاقة قوية برواية مواقيت التعري، التي نالت الاستحسان والجوائز على بساطة رؤيتها وطموحها، ثم متتالية قصصية، بالضبط كان يشبه الصورة، التي أكّدت خصوصيته وحرصه على الحفر العميق في عالمه الخاص، من ناحية، وشدّ بنيته السردية بتوليف الخطوط المتقاطعة في إحكام. لا يقتحم هدرا عوالم لا يعرفها متوسلاً بالخيال أو البحث أو التلصص، بقدر ما يكتب عمّا يعرف جيداً، فهو مرتاح في كتابته كأنه في غرفته الشخصية الأليفة، يحكي وكأنه يتنفس بعمق وهدوء. وتعكس حرارة سرده وتوتره انشغاله وهمّه بما يكتب عنه، فهو لا يعرف برودة الحياد وابتسامة المبدع المتعالي.

ورغم ما يبدو من مسافة بين روائينا الشاب وبين بطله حنّا دميان، فكأن خيطاً خفياً يصل بينهما، لعلّه الكتابة، فحنّا أيضاً يود لو يكتب حكاية عن ثعبان جاثم على صدر إنسان، ولعلّه الفزع أمام الكابوس اليومي لواقع يشوّه الجميع، وخصوصاً إذا اعتبروا أقلية من السهل محاصرتها وتمزيقها، تماماً مثل مشهد الأسد الذي يبتلع إنساناً في مطلع الرواية، لمجرد أن تنتشي الغالبية بخمر النصر والتحقق ولو لبضع ساعات، قبل أن يعودوا إلى مضغ عشب الهزيمة وخواء الضجر من جديد.

في محاولته الأولى للاقتراب من أنثى، وبعد أن يقنعه صديقه باستقبالهما في شقته الخالية، يفتضح أمر حنّا، هو وبائعة الهوى الفقيرة التي تختبئ وراء النقاب، فيقع فريسة جنون الحشد المتعطش. ومن بين أنياب الحشد إلى لا مبالاة الكنيسة ووحشية أجهزة الشرطة، يعود حنّا من جديد طفلاً يطارد الملائكة، في زنزانته الصغيرة أولاً ثم على طول شارع الكورنيش على مدى سنوات.

الرواية الصغيرة محبوكة بحيث لا تتعدى مشاهدها ذلك اليوم الطويل المغبر، مع وقفات لاسترجاع ماضي حنّا القريب والبعيد، في لحظات جيدة التوقيت بحيث لا تضيّع خيط الحكاية. ومثل متتاليته القصصية السابقة، أحكم هدرا خيوط حكايته من مشهد إلى آخر في سلاسة ولغة بسيطة، لم يجرحها إلا استغراقه في تأملات بطله الدينية والوجودية في مواضع قليلة. ورغم الموضوع الشائك، اجتماعياً ودينياً، فلم تعمد الرواية إلى إطلاق أحكام سهلة أو الخطاب الاجتماعي المباشر الرث، فكانت أبعد ما يكون عن بحث اجتماعي حول التمييز على أساس الدين أو الاحتقان الطائفي في صعيد مصر. يظل حنا حالة شخصية للغاية، بملامح خاصة وهموم يصعب تعميمها.

هذه رواية صغيرة، سهلة القراءة، أفلتت من فخاخ الموضوع الصادم بمخاطبة الإنساني واتساع عدسة الرؤية، لولا جنوح الخاتمة إلى منطقة مفرطة في الشفافية والنعومة، في إعادة إنتاج واضحة لصلب المسيح، فكأنّ السردية الدينية مهيمنة على الواقع وعلى الخيال بالقدر ذاته، ولا مهرب منها إلّا إليها.

مقالات من نفس القسم