شجن طفولى

شجن طفولى
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أسامة علام

يبدو أننى لن أتخلص من تلك المحاولات الودودة. فأجلس وحيدا فى المقهى فاتحا صندوق اللعب. محاولا تذكر تفاصيله. عابرا بالزمن أكثر من ثلاثين سنه مرت بدون ندم حقيقى على مرورها. ساردا تفاصيلا عن طفولة مازالت تشاغب الذاكرة. آه ياصندوق لعبى الحبيب. كم كنت عزيزا و كم كانت الحياة صعبة بدونك. ورغم كل الظروف القاسية فقد كنت محظوظا بامتلاكك. كنا عائدين للتو من أحد البلاد البعيدة كعادة أسرتى فى السفر. أنتظر ككلب صغير لطيف أن يضعوا له طعامه فى طبقه المعدنى. لتفتح أمى لى الصندوق المسحور. مؤكدة أنها ستستلم منى اللعب بلا أى تلفيات بعد ساعتين تماما. وأمى المعلمة المنضبطة بصرامة مثقفى الطبقة الوسطى. تجلس أمامى تراقب ألعابى كدليل عن تميزنا عن الآخرين. تسلمنى الدجاجة التى تبيض ست بيضات، لا يجب أن يعودوا خمسة الى الصندوق الذى لا يخرج الا ايام الخميس. وعندما يكون مزاجها رائقا و أكون قد التزمت بكل قواعد الأدب.

وفى الصندوق كانت الدجاجة ترافق عربة البوليس الصغيرة بسارينتها التى لاتزعجها أبدا. يصاحبهم ايضا قطارى الذى لف العالم على قضبان بلاستيكة فى دائرة قطرها خيال طفل مؤدب. و هناك على أرض حجرتى الصغيرة، هدمت العالم و بنيته ألاف المرات. محاولا التنبؤ بمستقبل مجنون عشت معظم تفاصيله. لأكتشف سريعا أنه لافرق بين الدقائق و الساعات. فكلها تمر سريعا جدا. ربما أسرع من سيارتى الصغيرة و قطارى الدائرى. لأجد أمى واقفة منتظرة العهدة. فأعيد كل اللعب بهدوء الى علبها التى سيتم وضعها بنفس الترتيب فى صندوق لعبى الحزين. و بالطبع كان على أن أعد بيضات الدجاجة الست.

ورغم أن كل لعب الصندوق تم تدميرها على صوت ضحكات أمى الرائقة بأيدى أطفالى و أطفال أخى. دون أن أحاول أن أدافع عن دموع طفل خيالى يشبهنى كثيرا فى طفولتى، يشاهد المذبحة و لا يراه سواى. فمازلت أصاحب هذا الطفل الودود الذى لا يفارقنى. أتعجب أحيانا من أصراره على متابعتى فى غربتى المجنونة ككلب حنون ووفى. نتشاجر أحيانا و نتصالح دائما. وهو لا يكف عن الابتسام و الخجل من لومى لأنه لم يحتفظ يوما ببيضة واحدة من البيضات الست. بيضة واحدة كان سيحملها كماسة من البلاستيك. يخرجها بفخر شديد أمام عيون أصدقائه الصغار فيندهشوا. ليهمس فى أذنى بأدبه المرضى. ربما لو كنت أستطعت أنت الدفاع عنى يوم كسروا لعبك لكنا مازلنا نحتفظ فى جيبك بكنزنا الصغير. فأشيح بوجهى الى نافذة المقهى الزجاجية، مشاهدا المارة يمشون فى شوارع مونتريال الجليدية. و أخرج هاتفى المحمول و أتصل بأمى فى المنصورة التى تبعد عنا آلاف الأميال. أطمئن على الأخبار و لا أجد فى نفسى الشجاعة للسؤال عن ماتبقى من لعبى الصغيرة.

مونتريال – 5 مارس 2015

…………………

*روائى مصرى مقيم بكندا

 

مقالات من نفس القسم