سيرة الاختباء (25)

IMG-20201208-WA0003
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ممدوح رزق

ذات ظهيرة عادت “ملك” من الحضانة إلى البيت، وقبل أن تبدّل ملابسها توجهت إلى الشرفة وحدها، وراحت ترتجل أغنية تحكي فيها جميع تفاصيل يومها بالترتيب منذ الاستيقاظ في الصباح الباكر مرورًا بما سيحدث بعد رجوعها من الحضانة وحتى ذهابها إلى الفراش في نهاية المساء.. تضمنت الأغنية بالطبع اللحظة الأشد قسوة حينما تتركها أمها في الحضانة لتمضي عدة ساعات بعيدة عنا قبل أن تعود لاصطحابها إلى البيت.

كان عمرها حينئذ أربعة أعوام، ومن وقتها لم تتوقف عن ارتجال الأغنيات، الرسم، كتابة القصص، تقمص الشخصيات المختلفة بواسطة الملابس والمكياج والإكسسوارات، النحت، الأداءات الاستعراضية على النغمات والإيقاعات، تأليف الحكايات وتمثيلها برفقة عرائسها.. لا تفعل كل هذا كتسلية وإنما كاحتياج وجودي.. كحياة جوهرية لذاتها.. وبالنسبة لي كان دعمها بكل السُبل ضرورة أساسية أيضًا.

لن أتحدث الآن عن الدلائل والمصادفات الدامغة لروحي الحاضرة في جسد ابنتي، وإنما سأتساءل: هل يعني هذا الدعم أنني إنسان مختلف عن ذلك الرجل في روايتي “خلق الموتى” الذي مزّق الخطاب المرسل إلى ابنه، طالب المرحلة الإعدادية، من نادي القصة بالقاهرة، وكان يحمل مظروفه اللقب الذي أسعد ذلك الولد كثيرًا (السيد القاص/…) ثم ألقى بقصاصاته من البلكونة بينما كان الابن يتابع تناثرها بين أقدام العابرين من الشباك المجاور؟.

نعم، قد أكون مختلفًا عن أبي بل ومناقضًا له، ولكن القهر الأبوي أو عدمه في تلك المسألة لا يوفر الحماية المطلقة للكاتب أو الفنان أمام قارئ، متلق، جمهور.. أتحدث كثيرًا مع “ملك” بشأن اهتمامها ـ الطبيعي ـ برأي الناس: عدد الإعجابات، التعليقات، المشاركات.. أذكّرها دائمًا بأن القيام بما تحب أن تفعله والاستمتاع به هما أكثر الأشياء أهمية، وأن البشر يحتاجون أحيانًا ـ لم أقل لها دائمًا حتى الآن ـ لمحاولة تعويض إخفاقاتهم بتوزيع اعتداءات طائشة على مباهج الآخرين.. صحيح أن مواجهة “ملك” لما يُسمى بـ “الاعتراف” في أي وقت من عمرها ستكون مجرّدة من عنف الأبوة، أي تحالفها مع الوضعية الإلهية للواقع وسياقاته “الثقافية”، بل وعلى العكس ستكون المواجهة مستندة إلى انتصار تلك الأبوة إلى أحلامها؛ إلا أنه ليس هناك ضمان أبدًا لتلك الحاجة الذاتية المتواطئة مع الإصرار المنيع للمجتمع “الإبداعي” لأن يكون الكاتب أو الفنان مقبولًا، ناجحًا بمقاييس سلطة قيمية ما.

لن تراني “ملك” أبدًا ألقى بقصاصات لوحة أو قصة لها من البلكونة، ولكن مع ذلك ثمة ما قد يجبرها على أن تظل واقفة في شباكها المجاور.

 

مقالات من نفس القسم