سبع طبقات للوجود

تشكيل
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

سامح هواري

الأولى: تتميز الأشياء على كرتي عيني، بلا حد فاصل، تتزاحم وتنفض بلا قانون أو تمهيد، يهتز قلبي فتهتز معه الرؤية، ويتولد أول شعور أختبره، الاتساع، مجال من الأشياء اللانهائية تتبعها طبقات لا نهائية من الإدراك، منها ينبت داخلي إحساس بالضيق، بالعجز عن التمييز الداخلي، هكذا اتذكر الاتساع دائما، شعور خارجي، يطفو على السطح، ينعكس فوقه -في علاقة حتمية- الضيق الداخلي.  

الثانية: أعلم الآن طبيعة الموجات الساقطة على طبلة أذني، وهذه المعلومة عرضية، لا تهم في شيء، ما يهم هو هذا الصوت العالي بالخارج، أخبرني الطبيب أن الدم قريب من طبلة الأذن، لا مفر من صوت السريان، حاول تتعايش مع الأمر، اتخذته مقياس لحالتي النفسية، اليوم الصفير مستقر فاليوم أنا مستقر، اليوم صوت الصفير عال، أحتاج إلهاءات كافية، هكذا أميز الصوت الخارجي، صوت يركب على الصفير الداخلي للدم، وعلى حساسية طلمبة قلبي للعالم، لم يكن هذا أول عهدي بالصوت، علمتني القاهرة أول ما علمتني أن الصوت العالي طبيعة الأشياء، ولما سمعت عن بلاد الصمت، نما بداخلي حنين لها، كان الصمت يعني السلام، هذه الرابطة حتمية، وهذا شعوري الاول للصوت، حنين جارف لصمت مجهول، وصلت أخيرا لتلك البلاد فظهر صوتي الداخلي، عال وقبيح، ونما بقلبي حب جارف للقاهرة، ولصوت السيارات المزعج الجميل.  

الثالثة : الشم والتذوق، احساس خام غير قابل للوصف، أكثر علامات الوجود بساطة وأكثرها هربا من اللغة، بشكل ما يتولد بداخلي شعور بالخصوصية، اني انا ولا احد غيري، مسارات الاحساس في اللحم هذه، هذه بالذات، تستعصي على الفهم، مكثفة للغاية، مجرد التفكير فيها يبتذلها، ولكني أحاول، كطفل تائه يبحث عن امه في زحمة المشاعر وتناقضاتها، ان احدد وجودي، وهنا يستقر معظمه، يبعد عن ما تطوله يدي، وبشكل أخر يتولد لدي اني جزء من التاريخ الطبيعي لهذا العالم، تتفجر ينابيع الغريزة بداخلي بشكلها الخام والفج، وصوت متخفي، غامض ومثير للشك، يخبرني بحكايا عن أرض الدنس.  

الرابعة: كان الانسان وحيدًا، لا يفرق بين الرؤية والاحلام، ولا بين الصوت الداخلي والصوت الخارجي، واذا به يمد يده للأشياء حوله فيتولد السحر على انامله، كان هذا اول شعور، محاولة التأكد من حقيقة العالم ومحاولة الاتصال معه، الخروج من القفص الداخلي لاتساع العالم، كان اللمس التجلي الاول للغة، الصورة الاكثر نقاء منها، مرور كف على الظهر يقول ما لا يمكن قوله بالكلمات، الآن، استكين، متأملًا حساسات اللمس على ظهري، ولكنها على عكسي، لا تقدر على السكينة، تتحفز دومًا، تتخذ وضع الدفاع، وضع الخطر الدائم، تتفاعل مع اي محاولة للاتصال كإعلان للحرب، تدفعني للانتفاضة، للركض بعيدًا، هكذا علمني العالم، تلك آثاره علي.  

الخامسة: أجلس حبيس الذاكرة، في ركني من العالم، تنهمر علي المعلومات من اتجاهات شتى، تضيء الوحدات الخلوية في دماغي فتنفتح مسارات عشوائية، تدفعني للتصرف في اتجاهات معينة، استجيب لها بدون التوقف عندها، كحيوان لا سبيل له سوى التشبث بالبقاء، تحدد لي الذاكرة من أنا، انواع الرغبة والألم المسموحة لي، فأتساءل من أنا، بكل جدية، ولا اجد جواب، سوى في اصرار الذاكرة، كل مرة احاول الهروب من شيء تصر عليه، بعناد المراهقين الذي لا ينضب، ومن حيث لا اتوقع أجده عالقًا بأسفل قدمي، مغروس في اللحم، ينمو بداخل العظام، يخرج صديده من أذني، كسرطان، تدفعني الذاكرة للتطهير الذاتي، التخلي عن اجزاء مني، كسرطان، تحاصرني الذاكرة في كل النواحي.  

السادسة: لا أستطيع فهم العالم، أفتح عيني لأرى الأشياء فلا أرى سوى جهلي، أجذب أطراف الأشياء بعضها لبعض، بعيني، بأناملي، متتبعًا روائحهم، أبحث عن نقطة يصب بها الجميع، شبه نقطة، أي شيء يظهر أنا راض به، أوصل الخيوط بعناية، ليس كصياد يدبر فخ للفريسة، ولا حتى كقاتل يخفي أثار جريمته، ولكن كلص مسكين، يبحث عن خبز لإطعام أطفاله، في غابة أشجارها جفت من قلة المياه، يطفو الحزن على حافة إدراكي، ويلاحقني إحساس بالخزي، أعيد تكرار الجمل مرارا، كل مرة بشكل أكثر ابتذالًا، حتى هذه الجملة مكررة، كفأر في متاهة أدور في نفس الحلقات، أسلك طرق مختلفة ليتبين لي بعد حين أنها نفس الطرق القديمة، أحاول الغوص في العالم فلا أستطيع، لأني لا أفهمه، أعود فلا أجد سوى طريق مظلم، لم تكن محاولة فهم العالم سوى هروب منه، أعاود المحاولة هربا من الغرق. 

السابعة: ماذا بعد؟ أين ينتهي الحفر؟ لا وجود لخط مستقيم، مسارات دائرية من الزجاج تتوه بينها الحقيقة، يتم ابتذالها في الانعكاسات اللانهائية، هنا، لا مجال للرؤية، لا مجال للشم ولا للمس، فقط صوت صفير داخلي مستمر، بسيط وغامض ويتحمل ملايين التأويلات، وأشياء أخرى لا يمكن الإشارة لها، تتجمع حين في كلمة ذات، وحين آخر في كلمة شفقة، وفي المعظم يجتمع الكلمتين بشكل منفر، في مراسم جنائزية ترثي فيها الأشياء نفسها، وفي قوة جبارة تختزل العالم في نقطة، يندفع منها شعور عظيم، يشبه الحزن ولكنه أكبر، لا رادع له، سوى الموت، ربما… 

 

مقالات من نفس القسم