حاوره: د. مارك كاسترو*
– في قصة “راوتر” من مجموعة “أول فيصل”، تتبدى السخرية من واقع اجتماعي أصبحت تتحكم فيه أسلاك الإنترنت والواي فاي والعالم الافتراضي.. كيف ترى ما آلت إليه حالة الاغتراب داخل النسيج الأسرى؟ وهل هي ظاهرة عربية أم أنها طالت أيضاً بلداناً أوروبية؟
– هذه ظاهرة إنسانية عامة كواحدة من نتائج التقدم العلمي التقني من جهة، وغياب الإجراءات الطبيعية للتغلب عليها من جهة أخرى. فمن الضروري أن يدفع الإنسان ثمن التقدم التكنولوجي، لأنه لا يوجد شيء في الحياة مجانيا. كما أن غياب الوعي الاجتماعي والمعرفي أو ضعفه، وبالذات في التعامل مع الواقع الافتراضي، يلعب دورا مفصليا في ترتيب الأولويات. وإذا ترجمنا ذلك بشكل واقعي، فإن غياب الآليات الترفيهية وضعف القدرات المادية يساهمان في عزلة الإنسان ولجوئه إلى العالم الافتراضي الذي يستحضر الكون والعلاقات الإنسانية والتواصل مع الآخرين عبر الأسلاك والأقمار الصناعية أمامه على شاشة الكمبيوتر أو التليفون.
ومن جهة أخرى، لا يمكن أن نلقي باللوم على التقدم العلمي التقني الذي يعد منجزا إنسانيا حقيقيا يستهدف راحة الإنسان في المقام الأول. بل يجب ابتكار الطرق والأساليب وتوفير القدرات المادية للأفراد والمجتمعات من أجل تنظيم الوقت وتنويع وسائل الراحة والترفيه، مثل النوادي وممارسة الرياضة والفاعليات الاجتماعية والمعرفية العامة. أي يجب الانتباه لصياغة معادلة من أجل اتزان الأمور وبالذات في المجتمعات غير المتقدة التي تعاني من مشاكل في التعليم والصحة وأسواق العمل. وكلها بطبيعة الحال ستكون مجرد محاولات متواصلة ومستمرة في مواجهة التداعيات السلبية لسطوة التكنولوجيا التي لا غنى عنها، سواء في المجتمعات المتقدمة أو غير المتقدمة.
– في قصة “دنيا” من ذات المجموعة نَلحَظ نَفَسَاً روائياً يظهر جليّاً في القدرة على الحكي السلس والشيّق.. هل تعتبر- وقد كتبتَ كلا اللونين- أن القصة القصيرة تمريناً على الرواية أو إحدى المحطات/ العتبات التي يجب أن تسبقها، أم تراها فناً يختلف كلياً عنها؟
– القصة القصيرة هي جنس فني سردي بصرف النظر عن الحجم أو طريقة السرد أو شكل السرد. ولا علاقة لها لا بطول نفس الكاتب أو قصره أو تفوقه في السرد أو عجزه عن مواصلة السرد. ومن جهة أخرى، هي في واقع لأمر رداء لفكرة ما، ينتهي بنهاية تقديم الفكرة عبر محاولات سردية وجمالية. ولا يمكن هنا استثناء أن تكون القصة القصيرة سطرين أو عشرين سطرا أو خمسين صفحة. قد يتجلى الطابع “الروائي” في قصة قصيرة ما. ولكن هذا الأمر يعتمد على فهم القارئ أو الناقد لمفهوم القصة القصيرة والرواية. وفي العموم، قد تتداخل وتتقارب الأجناس السردية ولا يفصل بينها هنا إلا تقنيات السرد وتحديد آفاق وتداعيات الفكرة أو الأفكار، واتساع حركة الشخصيات واللجوء إلى بعض الصنعة. وأعتقد أن وجود النَفَس الروائي في أي قصة قصيرة يكسبها أبعادا جمالية وفنية إضافية، ويمنحها القدرة على الحياة والتوغل في روح القارئ.
– تبدو مولعاً بالأمكنة، بذكر تفاصيلها، وأسمائها وجغرافيتها، هل هو الحنين لمواطن الطفولة والصبا، أم هو الخوف من فقدانها من الذاكرة؟
– الأمران معا: الحنين لمواطن الطفولة والصبا، والخوف من فقدانها من الذاكرة. إضافة إلى إعادة صياغة الواقع عبر عملية معقدة تنطوي على عدة مسارات، على رأسها الروائح والأشكال والمعمار والحركة والميثيولوجيا. فالأماكن في الأعمال الأدبية لا يمكن أن تقتصر على الموقع الجغرافي أو الشكل. فهي مرتبطة ارتباطا عضويا بالزمن وبالإنسان. وهذه هي الجغرافيا الحقيقية لأي مكان في أي عمل أدبي. وإذا سقط أحد عناصر هذه الصيغة الثلاثية فإننا نجد صعوبة في معالجة بعض الأفكار والقضايا التي تواجهنا، سواء كانت قضايا إنسانية عامة أو سياسية أو اقتصادية أو حتى علمية وتقنية.
نحن في مصر تحديدا نواجه واحدة من أكبر المحن في تاريخنا المليء بالمحن. وهذه المحنة ربما تكون الأكبر بعد فقدان بعض المسارات المميزة لهويتنا المتحركة والمتطورة التي تجمع العديد من الثقافات والحضارات. الآن تجري عملية تدمير للذاكرة البصرية، وتدمير للمكان، وتبديل للأماكن، ووصلت الأمور إلى عملية هدم شبه شاملة، وخلع الأبواب والنوافذ وبيعها داخل مصر وخارجها. قد تبدو عملية طبيعية مع التطور ومع تقدم الأساليب المعمارية. ولكن عادة ما يتم التعامل بمنهجية مع الأماكن التي يجري هدمها أو تغيير هويتها، وصياغة برامج تعليمية وهندسية للحفاظ إما عليها بطريقة ما أو الحفاظ على وجودها في الذاكرة. والذاكرة هنا لا تقتصر على الذاكرة البشرية، وإنما تنسحب على مناهج التعليم وخرائط المدن والقرى والأحياء، وعلى خطط التوسع العمراني وربطها بسلاسة مع الجغرافيا العامة للبلاد بهدف الاستمرارية والتواصل، ومن ثم التراكم التاريخي والجغرافي.
إننا نواجه واحدة من أسوأ عمليات هدم الذاكرة المصرية المرتبطة بالأماكن وبتاريخها وبعلاقتها بتاريخ الإنسان المصري. وبالتالي، فاهتمامي بالمكان هو أحد المسارات الثلاثة التي تصيغ رؤيتي للعالم من جهة، ورؤيتي لعملي الأدبي الخاص بي من جهة أخرى، كعمل يتعامل مباشرة مع تفاصيل مصرية تتضمن أماكن مصرية وزمن مصري وإنسان مصري. وهذا لا علاقة له بالتقوقع أو الشوفينية، وإنما هو جزء من المشهد الإنساني المتنوع والمصير البشري العام.
هنا يكون السرد بديلا للواقع، ومنقذا للذاكرة، وسلاحا لمواجهة القبح والتسلط والاستهتار والعدمية وإعلاء قيمة الرثاثة والغباء والفساد وغياب العقل.
– يتضح من كتاباتك، وبالأخص في مجموعة “أول فيصل” الميل نحو السخرية بشكلٍ عام داخل الفضاء السردي.. هل تعتبرها نوعاً من المراوغة الفنية؟ وهل تراهن في ذلك على ذكاء قارئك؟
– في الحقيقة، أنا لا أراهن إطلاقا على ذكاء القارئ ولا على القارئ نفسه، لأنني أنا نفسي أعتبر نفسي قارئا متوسط الذكاء.. والقارئ عموما لديه الكثير من المشاكل والأزمات. وعادة ما يهرب إلى أشياء كثيرة قد يكون من بينها القراءة. وإذا قرأ لي أو لغيري في ظل ظروفه المعطوبة، فإننا هنا أمام إنجاز جبار من الطرفين، من الكاتب والقارئ. إذًا، لندعه يقرأ كيفما يشاء ويفهم ما يشاء. كل طرف يقوم بمهمته، والواقع والممارسة يصححان الأخطاء والسقطات، ويفرضان بعض الضرورات. وبالتالي، فنحن لسنا أمام قضية “المراوغة الفنية” التي كانت ضرورية في عصور وأزمنة ما. الآن، كل شيء يقال صراحة وبشكل مباشر على السوشيال ميديا، وفي وسائل الإعلام، وعلى المقاهي وفي المواصلات العامة وفي غرف النوم. كل ما هنالك، هو تقديم الفكرة في ردائها المناسب، وشكلها الجمالي، ووفق تقاليد الكتابة لدى الكاتب نفسه.
السخرية سلاح غامض ومباشر، تنحو نحو العبث أحيانا للتعبير عن واقع مرهق وغير عقلاني. وهي أيضا وسيلة ترفيه موجعة وجارحة للقارئ وللكاتب معا، ولمن تجري السخرية منه. كما أنها أداة مبهجة تنطوي على “الشماتة الفنية”، وعلى أي قدر من السباب يريد الكاتب أن يوجهه للقارئ وللواقع ولمن هم وراء محن الإنسان، وللصوص والفاسدين، ولأصحاب الضمائر والعقول الغائبة. وفي الواقع، فالعالم الآن لا يستحق إلا أن ننظر إليه ونتعامل معه بسخرية. هناك توحش ما، وسلطة ما، يحاول الجميع فلسفتهما من أجل فهمهما والتعامل معهما.. وهناك قدر ما من الازدواجية والمناورة في التعامل مع وحشية العالم وسطوة الفوارق الطبقية اللا عقلانية. وأنا لا أرى وسيلة أخرى لمواجهة الوحشية والمتوحشين إلا السخرية منهم والتقليل من قيمتهم وتحويلهم إلى فراغ.
– في مجموعة “أبواب مادلين” تنتقد الحرب، وينسحب رفضُك نحو كل أعمال العنف التي تهدم المبادئ الإنسانية، أخبرني كيف طوّعت لغتك لتكتب في هذا الشأن بكل هذه الرهافة؟ وعلى ذكر الحرب، كيف ألقت الحرب الروسية- الأوكرانية بظلالها على ما تكتب؟
– الحرب هي واحدة من الابتكارات المخزية للإنسان مهما كانت المبررات، لأنه من الممكن تحديد كل شيء، بما في ذلك موعد شن الحرب، ونوعية الأسلحة، ونجاعة الخطط الحربية، وتوفير الموارد المادية، والتعبئة والاستدعاء. ولكن لا يمكن تحديد نهايتها، ولا تحديد مساراتها ومآلاتها ونتائجها. هنا تتحول الحرب إلى واحدة من الممارسات البربرية التي يعتاش ويتكسب منها مئات الآلاف من تجار الحرب. هنا يتم تهميش الإنسان ورفع الحصانة الأخلاقية عن حياته وحريته، وهنا يتم تقليص الإنسان إلى الصفر واستخدامه وقودا لجملة من رغبات الأفاقين والمغامرين الذين يستخدمون كل الأدوات والمثل العليا لتلبية رغباتهم الوحشية.
“أبواب مادلين” هي أحد أوجه جغرافيا الروح المصرية التي تعيش وكأنها خارجة للتو من حرب ما: من حروب قديمة وهزائم وانتصارات، ومن فقر وفساد، ومن فقدان للذاكرة وللضمير، ومن حتى تلك الحرب الخفية التي تستيقظ بعدها فلا تجد أبواب بيتك أو نوافذه.. إنه العراء الكامل من الذاكرة والعقل والضمير.
أما الحرب الروسية- الأوكرانية، فهي واحدة من الحروب الأكثر عبثية بعد غزو أفغانستان من قبل الاتحاد السوفيتي عام 1979، ومن قبل الولايات المتحدة عام 2001. وقبلها كانت هناك حروب كثيرة، على رأسها الحربان العالميتان، الأولى والثانية، وغزو فيتنام وغزو المجر وتشيكوسلوفاكيا، إضافة إلى الحروب العبثية في أفريقيا على سبيل المثال. ومثل هذه الحروب تحتاج إلى وقت للإلمام بكل جوانبها ومحاولة استخلاص الجوانب الإنسانية والروحية من أجل تفادي كل هذه المغامرات الوحشية.
– “يبعثون بنا إلى الحرب فنضيء كالشمس في ملكوت أبينا”.. قصة مغايرة على كافة الأصعدة بدءً من العنوان، كذلك الإيقاع السردي واللغة، فبها شاعرية خاصة كأنها خرجت من رحم قصيدة… هل قصدتَ بها أن تبرز مأساة الحرب، والتي يعود منها الإنسان وقد فقد كل شيء، حتى نفسه؟
– الحرب ليست نزهة وبندقية وبعض الطلقات، وليست صورة أمام الكاميرا للبطل المغوار المنتصر.. الحرب دم وموت ودمار وهجرة ولجوء وتشريد ونزوح.. الحرب تبديد موارد وعجز في الميزانيات وديون… الحرب جرحى ومصابون وعاجزون، وفقر وحاجة وعوز وبطالة وجريمة.. الحرب تجعل مصيرك في يد غيرك. ومن الممكن أن تدخل الحرب بقرارك، ولكنك لن تستطيع الخروج منها أو إنهاءها بقرارك.
في الحقيقة، الحرب دائما بعيدة. نسمع أخبارها ونراها على الشاشات، ونقرأ الأرقام وأعداد الضحايا التي يتم التلاعب بها وبأهدافها. ودائما هناك كائنات تتحدث بحماسة عن الحرب وفضائلها، وتُسقِط كل خيباتها تارة على السلام وتارة على الحرب، وتنسى فشلها وجوعها ومرضها وجهلها.. لكن لا أحد يعرف معنى الحرب وأوجاعها، والنار التي تتركها في القلوب، وحِرْمَان الروح عندما يصبح من المستحيل عودة الأب أو الابن أو الزوج.
ولكن عندما تقترب الحرب يصبح الوضع مختلفا تماما وتظهر البثور على وجوه تجار الحرب وتجار السلاح وتجار الكلام وتجار السياسة فيرتدون ثيابا غريبة وألسنة غريبة ووجوها غريبة ويرفعون اسم “الوطن”، ولا يموت إلا من لا يملكون قُوت يومهم، ولا يملكون حريتهم ولا يملكون قرارهم ولا يملكون حتى لسانهم.
وبعد الحرب يحصون الضحايا ويقلدون الأوسمة لأراملهم وأولادهم اليتامى ولأمهاتهم الثكالى. ويتفاخر تجار الكلام والسياسة وتظهر مجددا أنياب تجار الحرب والسلاح والأغذية المسمومة وجامعو الضرائب ومحصلو الكهرباء والغاز وطوابير الفقراء أمام المجمعات الاستهلاكية وأطفال الشوارع تحت الكباري وفي الخرابات.. ومن باب الاحتياط يضعون الفقراء ومن لا يملكون قوت يومهم ولا إرادتهم ولا ألسنتهم في معسكرات يسمونها “قوات الاحتياط” من أجل الدفاع عن “الوطن”.
برتولد بريخت يقول: “عندما تطلب الدولة من شخص أن يموت، فإنها تسمي نفسها الوطن”. في عام 1916، بينما كان لا يزال برتولد بريخت مراهقًا، طلبوا منه في المدرسة كتابة موضوع تعبير بعنوان مأخوذ من هوراس: “Dulce et decorum est pro patri mori” (“كم هو حلو ومشرف أن أموت من أجل الوطن”)، فكتب بريخت: “إن تأكيد أن الموت من أجل الوطن من المفترض أن يكون حلوًا ومشرفًا، لا يمكن اعتباره إلا شكل من أشكال البروباجندا المباشرة. إن الموت صعب، سواء في الفراش أو في ساحة المعركة، وبالذات طبعا، بالنسبة للشباب في زهرة شبابهم. فقط البلهاء فارغو الرؤوس هم الذين يمكنهم أن يكونوا مغرورين لدرجة الحديث عن أنه كم من السهل القفز عبر هذه البوابات المظلمة، وهذا فقط عندما يكونوا متأكدين من أن ساعتهم الأخيرة لا تزال بعيدة”.
ووفق ما كتبته الفيلسوفة والكاتبة الروسية “أوكسانا تيموفييفا” حول هذا الموضوع، كان جوهر رفض بريخت لآلة البروباجندا الوطنية وأيديولوجية العسكرة، اللتين كانتا تكتسبان زخماً سريعًا في ألمانيا في ذلك الوقت، ليس في أن الوطن لم يكن أكثر من أسطورة اخترعها الدعائيون الجشعون حتى النخاع. بل لأن الوطن ببساطة لا يتوافق ولا يتماشى مع الدولة، بل ولا مع حتى الأراضي التي وضع عليها الممثلون الرسميون لهذه الدولة (القامعون- بلغة بريخت) أيديهم ونشبوا فيها مخالبهم.
وترى تيموفييفا أن الوطن ليس دولة أو فوهرر. وليس من حق السلطة أو الحكومة قانونيا منح نفسهما اسم الوطن. إنهما عندما تصفان نفسهما بالوطن، تحولان الأرض إلى ملكية خاصة لهما، والناس إلى رعايا. إن آلة القمع والعنف تؤثر من خلال خطاب تضليلي رفيع يخدع الناس ويحولهم إلى هَتِّيفة وطنيين ونازيين. فإذا كنت تحب وطنك، على الرغم من هذه الآلة، عليك أن تخاطر بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية.
– ثمة تدرج في متتالية “باب الوصول” كأنها مسيرة من أعلى السماء إلى قاع الحضيض، من العوالم الصوفية والروحانية إلى الحانات والملاهي! هل تشغلك تلك المتناقضات التي تنطوي عليها النفس البشرية؟
– تناقضات النفس البشرية هي إحدى أهم مصادر السرد، إن لم تكن المادة الخام الأساسية له. ولعل الكتابة العظيمة عادة ما تدور حول فكرة واحدة تكاد تسيطر على إنتاج الكاتب الذي يتعدد ويتنوع وفق تداعيات وتموجات هذه الفكرة. وعندما نتحدث عن النفس البشرية وتناقضات الإنسان، نجد أنفسنا في مواجهة فكرة “وحدة المصير الإنساني” التي تمنح التناقضات الإنسانية قيمة واقعية ومادية وقدرا من التفاهم والتفهم المتبادلين، وقدرا من الصبر والاحتمال أيضا. هكذا يتأرجح الإنسان بين المبتافيزيقي وبين المادي، بين الإلهي والدنيوي، بين ما يرغب وما يستطيع.. تأسره المتناقضات والخفايا والأسرار، ويعميه الجهل والجوع، ويثير غرائزه الثراء والنفوذ. وفي نهاية المطاف يقف عاجزا أمام ظواهر الطبيعة، وأمام الموت، فلا يجد إلا أفكاره المثالية وتصوراته عن الجنة والنعيم والآلهة ليلجأ إليها. وعندما نترجم كل ذلك إلى لغتنا العادية، نجد أن الإيمان هو أحد أهم الأدوات التي تساعد الإنسان على الحياة، وتجعله يحتمل قسوة وعبث كل الظواهر غير المفهومة. هنا أيضا يختلف الناس وتتعدد رؤاهم ومفاهيمهم ودرجات إيمانهم وطبيعته. وفي الحقيقة، عندما نجر “العلوي” إلى الأرض، تتجلى الصفات الأرقى والأرفع من دخل الإنسان، فنجده يعود إلى نفسه وإلى طبيعته، وتظهر الجوانب المضيئة في روحه. وإذا شئنا الدقة، فإننا نتحدث عادة عن “وحدة المصير الإنساني” ونقصرها فقط على الروحي والمعنوي والنفسي، ونحلق بها إلى الفضاءات اللانهائية. ولكنها في الحقيقة تمتلك بعدا ماديا يتمحور حول وحدة المكان رغم تنوعه ورغم تنوع الحركة على مسارات متعددة. وهنا يمكن أن نعثر على تلك الوشائج بين دور العبادة والحانات، وبين المؤسسات الخيرية والبارات، وبين المؤسسات الحكومية والخرائب. وفي نهاية المطاف بين الشوارع والحواري وبين المسارات النفسية والروحية.
– في رواية “كائنات الليل والنهار” قدمتَ عالماً كثيفاً من الشخوص والأماكن والحكايات بل والخطايا المستترة، ورأيتَ في القاهرة مسرحاً لأحداث مرويتك.. كيف ترى القاهرة الآن بعد مضي ما يزيد عن العقد منذ ثورتي يناير و30 يونيو.. كيف تبدّل شكل الحياة بها في رأيك؟
– “كائنات الليل والنهار” هي معزوفتي الحزينة، ومحاولتي للعثور على ذاكرتي في مواجهة القبح والهدم وغياب العقل. و”القاهرة” هي ذلك المكان الكوني الذي يشبه سفينة نوح التي تضم بدورها كل المتناقضات. “القاهرة” هي عدوة نفسها، وعدوة سكانها. وهي أيضا الهدف الذي يطلقون عليه الرصاص وكأنها السبب في كل المشاكل والأزمات، ويعلقون عليها كل فشلهم وخيباتهم. وهي أيضا أحد أوجه جغرافيا الروح المصرية بكل سوءاتها ونقاطها المظلمة والمضيئة والمغرية والمنفرة. هي البقرة الحلوب التي تدر للبعض اللبن والعسل والأموال، وللبعض الآخر القهر والفقر والذل وقلة الحيلة.
في كل مرة تأتي سلطة جديدة، لا تجد أمامها دمية للضرب إلا القاهرة. وفي نهاية المطاف، تأتي إليك حفنة من الناس لتعلن إنهاء “العصر القاهري” ودفنه إلى الأبد. كلهم يريدون دفن العصور القاهرية التي سبقتهم، والقضاء على سلطتها وتحكمها في قرار مصر ومصيرها، وتسلطها على تاريخ البلاد، واستئثارها بالموارد والاستثمارات، وتطفلها على جسد الوطن الهزيل وامتصاصها عصارته المادية والثقافية، وجشعها. هكذا يتعللون ويعددون الأسباب وهم يمزقون جسد هذه المدينة. إنهم يعتقدون أيضا أن إعمار هذه المدينة هو الذي سبب الخراب لمصر وانتهك مواردها وثرواتها وبراءتها، وأنها وصلت إلى ذلك الحد من التوحش والهمجية ودمرت العشرين مليونا من سكانها وأضرت بالثمانين مليونا الآخرين وحولتهم إلى عبيد لديها ولخدمتها.. إنهم يحاولون جمع كل الأدلة والمسوغات لإثبات أن “القاهرة” هي الخطيئة الكبرى التي يجب القضاء عليها مرة واحدة وإلى الأبد، ويبنون بدلا منها مبان كريهة وقبيحة تشبه الثكنات العسكرية، ويشيدون مدنا أخرى وعواصم جديدة مجيدة، متصورين أنهم يسيرون على خطى أجدادنا القدماء. وفي نهاية المطاف، لا نحصل إلا على الأوهام والخرائب والخطايا والأخطاء.
“القاهرة” تخرج لسانها للجميع. تقول لهم: “أنا لست جغرافيا وشوارع وحواري فقط.. أنا جغرافيا وتاريخ وبشر في وحدة واحدة لا تنفصل.. أنا مرآتكم التي تكشف أفكاركم الدميمة وعوراتكم.. أنا المشرط الذي يشق بطونكم ليعلن عن جهلكم وغبائكم وقبحكم ودمامتكم.. أنا كل أخطائكم وخطاياكم.. أنا ذاكرتكم التي ستظل تقلقكم وتقض مضاجعكم وتوجع ضمائركم”. هذه هي القاهرة في كل عصورها، وفي كل ثيابها، وفي كل صورها وتجلياتها.
– استوقفني ما أسميته في ذات الرواية: نعمة البوح.. هل تعتبر رواياتك/ أعمالك السردية بشكلٍ عام فرصة لهذا البوح؟ أخبرني أيضاً كيف تأثرتَ بالأدب الروسي في هذا الشأن وأنت مقيم في موطن تشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي؟
– لا شك أن أي شكل من أشكال السرد، هو صورة من صور البوح. وعموما هذه مسألة فلسفية وعلمية معقدة للغاية. ولكن إذا نظرنا إلى أي عمل أدبي من زاوية قدرته على البوح، فسنجد أنفسنا أمام عملية متعددة المستويات والراقات تخضع لمعايير الكتابة وحرفيتها. أما البوح بمفهومة الإنساني العام، فهو إحدى أهم الهدايا التي أنعمت بها الطبيعة على الإنسان، وهو ترمومتر العلاقات الإنسانية، وأداة اختيار الأصدقاء والأحبة. وأعتقد أنه لا يوجد أقرب وأعز من القارئ لكي يشاركه الكاتب نعمة “البوح”. في هذا السياق من الممكن أن نعتبر ليف تولستوي وأنطون تشيخوف وفيودور دوستويفسكي من رواد البوح بدرجة ما. ولا يمكن إنكار أهمية أعمال مثل هؤلاء الكتاب لأجيال كثيرة في كل دول العالم. أما مسألة التأثر والتأثير فهي خاضعة للعديد من المعايير، وعلى رأسها الذائقة والقبول وأهمية الموضوع. ولا شك أن هناك قامات فرنسية وإنجليزية وأمريكية ولاتينية وعربية أثرت فينا وساهمت بدرجات معتبرة في تشكيل ذائقتنا ووعينا وإدراكنا وإحساسنا بالجمال.
……………….
*كاتب وروائي وقاص مصري