برشام وحشيش

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 23
Share on facebook
فيسبوك
Share on twitter
تويتر
Share on whatsapp
واتس أب
Share on telegram
تيليجرام

د.مصطفى عطية جمعة

     على ناصية شارع “الشيخ سالم”، يجلس على كرسي خشبي، محشو بعفش الأرز، وقد أخفى كرشُه ما يعبث به في حِجر جلبابه المقلم بالأزرق، وأمامه طاولة مصنوعة من جريد النخل، عليها أجولة صغيرة من القمح والذرة الصفراء والشعير، أمّا دكانه الصغير فلا تزيد مساحته عن ستة أمتار، يُطرِق رأسه إلى حِجره، غير عابئ بجلبة الشارع، ولا بنهيق الحمير المتجمعة في موقف عربات الكارو القريب منه،  مما دفعني للتطلع لما بين كفيّه، ثمة قطع صغيرة بنية اللون، يلفّها في ورق سلوفان أحمر، لم ينتبه الرجل لجسدي الصغير الواقف أمامه، فعيناه غارقتان فيما يفعل، وبطنه يعلو ويهبط مع صدره وتنفّسه العالي. إنه ” أبو عارف “، تاجر الحشيش القاطن في حارتنا.

   يستوقفني أبو عارف في سيره، يمشي الهوينى، دائم السعال والبصق، يحمل كيسا ورقيا أو لفة بورق الجرائد، متخذا طريقه إلى دكانه ، حيث يبسط لفته كلما جاءه أحدهم، بثقة يأخذ منه النقود، ويعدّها ببطء، و الزبون يتلفت خوفا، ثم أأيعطيه أبو عارف المتفق عليه : قطعة كانت أو حبات أو برشاما.

    بيته قديم نوعا ما مؤلف من طابقين، نوافذه خشبية طولية، محمية بقضبان حديد، أما بابه فهو الباب الحديدي الوحيد في الحارة وسط أبواب خشبية سميكة، تدور حول مفصّلات يرتفع صريرها مع حركة الأبواب.

   أتأمل الصلب الأصم المكون للباب، وزخرفاته القليلة المتناثرة في جوانبه، البيت يكتنفه السكون، وبابه مغلق دائما.

                                     *******

     لمحته ذاهبا إليه، جارنا “أبو ناصر” الخيّاط، بعوده النحيف وعينيه الجاحظتين والاحمرار يكسو بياضهما، ووجهه ضامر الملامح، لا أراه نهارا إلا يوم الجمعة، حين يغدو إلى جامع الروبي حاملا سجادته، مفضلا الصلاة في الساحة الخارجية، يلتفت نحوي وهو يسبّح مادّا يده دون أن يقول “حرما”، فأصافحه وأقول “جمعًا”.

    يبدأ أبو ناصر يومه بعد العصر أو قبيل المغرب، ويظل في دكانه إلى ما بعد الفجر، وحين يأتي إلى بيته، أسمع عراكا مكرر الألفاظ مع زوجته، فعليها انتظاره  لتضع له العشاء لا الفطور.

    لم أتوقع أن يذهب ” أبو ناصر ” إلى ” أبي عارف “، لولا رؤيتي له يطرق نافذة البيت بطريقة معينة، حيث تفتح ضلفة، ويد بيضاء نسائية تأخذ المال، ثم تناوله المعلوم. هذه كف ” سنيّة ” زوجة ” أبي عارف “، امرأة ملفوفة القوام،  في المرات القليلة التي نراها سائرة في الحارة، نشاهد طرحتها منسدلة بجاذبية على وجهها الجميل، تختلف في مشيتها عن زوجها، حيث تسير بدلع ولا يجرؤ رجل أن يطيل النظر إليها أو يلقي كلمة ؛ لسلاطة لسانها المعروفة لأهل الحارة. تتهامس نسوة الحارة عن كونها الزوجة الثانية لأبي عارف، وقد أجبرته على تطليق زوجته الأولى، وأن أباها “عليّ برشامة ” هو الذي جرّ قدمي أبي عارف لدنيا الكيف، فقد كان الأخير مغرما بابنته، وتعلّق بحبال شرفتها يوما محاولا الحديث معها.

      بآلية، وضع أبو ناصر المعلوم في جيبه، متخذا طريقا معاكسا، سالكا طريق الصاغة، يبدو أنه يتعاطى في دكانه. يقول أبي : هذه عادة أهل الليل، لا تحلو سهرتهم إلا بنفسينِ أو حبّتين.  

*******

     اليوم الجمعة، ساعة المغربية، دكانه مغلق، فذهبوا إليه في البيت، عدد من الرجال، عمّال وأسطوات وفاكهانية، طرقوا الباب والشباك دون مجيب، فرموا زلطا وحجارة في شرفة الدور الثاني، فتحت اليد البيضاء ضلفة الشباك، اقتربتُ متسمعا، ثم أُغلِق الشباك وبرز أبو عارف من الباب الحديدي، تناثرت الكلمات معترضة عليه :

  • خربت علينا ليلة البارحة.
  • هذا ما وعدتنا به.
  • أول مرة تعملها معنا يا “بو عارف”.
  • حرام عليك، أرجع من السفر، الولية تعيّرني.

سعل أبو عارف، وبصق، وهو يقول :

  • أنا معطيكم برشامة “مية مية”، كل واحد يشوف ماذا أكل، تعرفون بضاعتي منذ سنين، والصنف عندي ممتاز.

هدأوا، فواصل حديثه وكالعادة غير عابئ بأهل الحارة ولا المارة :

  • العشاء الدسم مع شرب العرقي والبيرة يخربان مفعولها.. عموما نعوضها لكم مرة ثانية..، والتجار كثيرون لمن لا يعجبه.

انصرفوا يضربون كفوفهم، وعدّل أبو عارف طاقيته ضاحكا، محرّكا أصابعه، قائلا :    – الرجل منّا حِمله ثقيل.

ناداه المعلم ” هاشم ” الجزار، من شرفة عمارته وهو يقول :

  • يا ضلالي، تخدعهم وتشرّبهم المقلب.

رفع أبو عارف رأسه إليه مستنكرا :  

  • أنا ضلالي يا ناقص، خدعتك من قبل؟

ابتسم ” هاشم ” وسأله :

  • ما الحكاية؟

 – أبدا، الطلب كثير ليلة الخميس، فكمّلت ببرشام عمولة.

*******

     في عرس ابن المعلم هاشم، تصاعدت سحب الدخان الأزرق، ورقص الرجال على المسرح الخشبي المقام، وأزعجوا الراقصات وعازف الأكورديون، صعد أبو عارف للسلام على العريس، فوجده منتشيا، ضحك وهمس للمعلم هاشم :

  • ابنك داخ من نَفَسينِ !

ضحك هاشم، وقال : هو جديد في الكيف.

تطلع أبو عارف للحاضرين، تبينوا وجهه وهم يزفرون دخانهم، فأمسك مكبر الصوت بجرأة ومزاج عال :

  • ما أخبار الصنف معاكم؟

حيوه برفع أيديهم، وكثيرون وقفوا مهللين، فلا عجب ؛ فكلهم زبائنه.

*******

     ارتفع صدره ولم يهبط، هكذا قال الناس وهم يصفون مشهد وفاته، تكرر سعاله وبصقه، ولم يكف عن سباب من حوله، ثم جمدت أنفاسه. مشى أهل الحارة في جنازته، وأبَت زوجته أن تتبع النعش في مؤخرة الجنازة، فبقيت في البيت متقبلة العزاء، ومعها ابنتاها، أما عارف ابنه من زوجته الأولى فحار الناس في أمره، وهم يرون ملامحه جامدة، ومآقيه صافية.

     ******

         بدا قلقا مضطربا، رجل يقترب من الأربعين، أخفى وجهه بكوفيته، وهو متردد في مشيته، ناداه المعلم هاشم، ودون أن يسأله من هو:

  • البقاء لله يا عم.
  • فيمن؟
  • أبو عارف، الله يرحمه إن جازت عليه الرحمة.
  • لا أعرفه..
  • وأنا لا أعرفك، ولكن نصيحتي أن تبعد عن بيته فهو مراقب.

كشف الرجل عن وجهه، فنظر إليه هاشم، وقال :

  • من أنت؟
  • محسوبك ” أبو سلطان ” تاجر موبيليا بسوق النافع..، وارتحت لك يا معلم، بصراحة أنا جديد في المزاج، ومدحوا لي صنف ” أبو عارف “..
  • قلت لك إنه مات..
  • قالوا لي إن أهل بيته مستمرون.

أشار هاشم إلى بيت أبي عارف وقال :

  • انقر الشباك مرة ثم مرتين ثم مرة..

                                 ******

   السنون تنقضي سريعا على من كانت حياتهم متشابهة الأيام، وتكون متباطئة  على العشاق وطالبي السعادة، وهذا ما فعلته سنية مع أبو سلطان الرجل ” العايق النزهي “، الذي فُتِن بيدها البضة، وقوامها المكتمل، وغنجها، وضحكتها التي سمعها مرات، وهي تخفي وجهها بطرحتها المنسدلة، فهام بها.

   وها هم أهل الحارة يتندرون على ” أبو سلطان “، الذي بات يمشي الهوينى، حاملا الكيس الورقي، متجها إلى معرض الموبيليا التابع له، يجلس على كرسيه الجلدي، يضحك متذكرا ليلة البارحة، لم يعرف السعال بعد،وإن بدا غشيما في بيعه للصنف، محتميا بصلات زوجته ” سنية ” مع الضباط والمعلمين الكبار.

 

 

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized 12
تراب الحكايات
عبد الرحمن أقريش

الفقدان