العملاق الضخم..سبيلبرج يعود إلى عالم الخيال

موقع الكتابة الثقافي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام
إذا تصدى مخرج كبير بحجم ستيفن سبيلبرج، لفيلم عائلى، سواء أكان دراما أو رسومًا متحركة، قطعًا لن يكون فيلمًا عاديًا مثل غيره.

بعد 5 سنوات، يعود سبيلبرج  لإخراج عمل للأطفال، وهذه المرة اختار “العملاق الضخم الودود – 2016 وسبق له أن قدم فيلمه الشهير “إى تى – 1982” والذى تحول إلى أيقونة وعلامة بارزة من علامات السينما خلال الخمسين عامًا الماضية، ثم عاد ليحول إحدى أشهر شخصيات قصص الأطفال المصوّرة وهى “تان تان” التى كتبها ورسمها البلجيكى “هيرجيه” فى أكثر من 20 مغامرة مختلفة، ليقدمها سبيلبرج فى فيلم مغامرات تان تان – 2011

فيلم “العملاق الضخم الودود” كتبت له السيناريو “مبلبسيا ماثيسون”، عن عمل أدبى للكاتب الإنجليزى “روالد دال”، والذى انتقلت عدة كتب له إلى شاشة السينما، ومنها فيلم “مصنع الشيكولاتة” والذى تم إنتاجه فى نسختين، إحداهما عام 1971 والثانية فى 2005، من بطولة جونى ديب، وكذلك فيلم الأنيميشن مستر فوكس الرائع – 2009″، والذى أدى الأصوات فيه كل من: جورج كلونى وميريل ستريب

وبما أن الرواية المأخوذ عنها الفيلم لكاتب إنجليزى، فقد اعتمد سبيلبرج على أبطال بريطانيين، حيث قام بأداء شخصية العملاق الطيب الممثل مارك ريلانس”، والذى حصل فى 2016 على جائزة أوسكار كأفضل ممثل مساعد، عن دوره المميز فى فيلم “فخ الجواسيس – 2015″، وأخرجه سبيلبرج أيضًا، كما أدت الممثلة الصغيرة ذات الاثنى عشر عامًا “روبى بارنهيل” دور صوفى، تلك الفتاة اليتيمة التى تعيش فى ملجأ للأيتام، وتهتم بالقراءة وحكايات السحرة

قصة الفيلم الذى أنتجته شركة والت ديزنى، وشارك خارج المسابقة الرسمية فى مهرجان كان الدولى بفرنسا فى دورته لعام 2016، تتشابه فكرتها مع الكثير من قصص الأطفال الشهيرة، والتى تتناول تناقض العلاقة بين المظهر الخارجى وروح الشخص، فربما يخفى المظهر الطيب الودود أو المتملق أحياناً، شرًا كامنًا ينتظر لحظة الخروج، والعكس صحيح، فالمظهر هنا عبارة عن قناع لا يتيح لنا التكهن بدواخل هذا الجسد

ومن أشهر القصص التى تناولت تلك التيمة، “الجميلة والوحش”، فرغم بشاعة شكل الوحش، إلا أنه يحمل قلبًا طيبًا، لا يمتلكه الأشخاص العاديون، أو أخوات سندريلا الجميلات واللاتى تحملن قلبًا مليئًا بالحقد والحسد، كما تناولت تلك التيمة الروايات الكلاسيكية كشخصية الأحدب فى “أحدب نوترداموالذى يعشق بكل جوانحه الفتاة الغجرية، والمحك هنا هو كيفية تناول تلك التيمة وتقديمها للجمهور بشكل مختلف عن السابق، وهو ما فعله ستيفن سبيلبرج صاحب الخبرة الطويلة فى تحقيق المعادلة الصعبة، وهى إخراج أفلام ذات قيمة فنية عالية وفى الوقت نفسه تثير المتعة والإبهار وتصل للجمهور العادى، وتجلب إيرادات مرتفعة

روبى بارنهيل” أدت دورًا مميزًا، وربما ساعدتها خبرتها السابقة فى بعض الأعمال الفنية على تجاوز الخوف من الوقوف أمام الكاميرا، وتذكرنا “روبىفى هذا الفيلم بالأطفال الذين قدموا أدوار البطولة فى بعض الأفلام ببراعة كبيرة، ولفتوا إليهم أنظار الجمهور والنقاد، مثل “ناتالى بورتمان” والتى كانت تبلغ من العمر 13 سنة عندما قامت ببطولة فيلم “ليون المحترف – 1994، أو “جودى فوستر”، وكان عمرها 14 سنة عندما مثلت أمام روبرت دى نيرو فى فيلم سائق التاكسى – 1976″، أو “ماكولى كولكين” والذى كان بعمر 10 سنوات فى الجزء الأول من فيلم “وحدى فى المنزل – 1990″، وبغض النظر عن استمرار هؤلاء الأطفال فى عالم التمثيل أو الابتعاد عنه، إلا أن ما قدموه يشى بموهبة فطرية وذكاء واستيعاب لتعليمات المخرج، كما يدل على قدرة المخرج فى التحكم وتوجيه الممثل لصنع أفضل مشهد يسعى لتحقيقه.

روبى” كانت تلقائية فى أدائها لشخصية “صوفى”، وتميزت بعينيها المتقدتين بالذكاء وشعرها القصير كالأولاد، وكانت الشخصية مرسومة بشكل جيد، تلك البنت المحبة للمعرفة والقراءة والإقدام على خوض المغامرات، وهو ما ظهر منذ المشاهد الأولى لها فى ملجأ الأيتام، وتصديها بحزم وقوة لبعض السكارى الذين أثاروا ضجة فى الشارع، وهو ما يبرر فيما بعد، عدم رعبها أو فزعهاالذى ربما سيبدو فى أفلام أخرى مبالغ فيه بشكل كبير- من قيام العملاق بخطفها إلى منزله، فجاءت المشاهد الأولى لتعارفهما خالية من الانفعال غير المبرر، وكأن كل ما تشاهده أمامها مجرد حلم سرعان ما ستصحو منه

مارك ريلانس” كان هو الآخر مميزًا فى دور العملاق، وأضفت طريقة نطقه للكلمات وتعثره كثيرًا فيها، جوًا من الكوميديا على المشهد، حيث كان يقوم – دون قصد – بقلب بعض حروف الكلمات لتعطى معنى مغايرًا تمامًا لما كان يقصده، كما جاء تصميم الشخصية من الناحية التقنية لطيفًا، فعلى الرغم من حجمه الضخم فإنه وبمجرد أن يتكلم تبدو شخصيته الطيبة، ورضاه بنمط حياته الذى يخالف فيه باقى أفراد قبيلته من العماليق، ليتلاشى أى انطباع تم تكوينه سلفًا حول قسوته وعنفه

ربما كان الفيلم سيبدو عاديًا لو أخرجه شخص آخر غير ستيفن سبيلبرج، فلمساته واضحة فى جماليات مشاهد العمل، إضافة إلى سلاسة حركة الكاميرا وتلاعبه بالظل والنور، خصوصاً فى مشاهد نزول العملاق للمدينة، أو فى رحلته اليومية لصيد الأحلام والكوابيس، ولم ينسق صناع العمل فى البحث عن أكبر قدر ممكن من الخدع لوضعها فى الفيلم، مكتفين بتصميم شخصية العملاق ورفاقه أكلة لحوم البشر والذين يفوقونه حجمًا وطولا، وتم التركيز أكثر على العلاقة الإنسانية التى تربط بين صوفى والعملاق الطيب، الخجول فى بعض الأحيان

الخيال” هو القيمة التى يركز عليها الفيلم، طارحًا عدم محدودية هذا الخيال، والذى من الممكن أن يأخذنا إلى أرض وعوالم مثيرة للدهشة على الدوام، وفكرة الخيال الخصب الموجودة فى الفيلم، هى ما يعيشه الأطفال مع رفاقهم أو مع ذواتهم فى تلك السن، حيث يصنعون عالمًا خاصًا بهم لا تتحكم به قوانين الطبيعة المعروفة لنا، عالم يتخلى عن كل قيم ومبادئ الكبار وتعليماتهم الصارمة وأوامرهم التى لا تنتهى، ليبدأ الأطفال حينها وبواسطة الخيال فى ابتكار هذا العالم السرى، والذى لا يعرف طريقه أحد سواهم، وما فعلته “صوفى” لتهرب من تعليمات مديرة الدار القاسية وعقابها بالحبس فى غرفة الفئران، هو صنع عالم يخلو من كل ما تعانيه فى حياتها الواقعية، لا يوجد به ملجأ للأيتام كالذى تقطن به أو مشرفة قاسية، عالم توجد به الأحلام السعيدة وصوت النجوم وموسيقى السماء فقط، إنه عالم العملاق الطيب الكائن فى مكان ما فوق قمم الجبال التى تعلو السحاب

وجد كل من “صوفى والعملاق” نفسيهما فى العالم الخطأ من وجهة نظرهما، فصوفى تعيش فى ملجأ يخلو من الحنان ودفء العائلة، والعملاق النباتى يعيش وسط مجموع من العماليق الذين يشتهون لحم البشر، كلاهما يبحث عن عالم يخلو من المنغصات والآلام التى يواجهها فى حياته، لذا التقيا فى محاولة للعثور عليه أو خلقه، وهو ما يحدث فى النهاية، عندما تستعين صوفى بملكة إنجلترا لإبعاد العماليق إلى مكان بعيد، والمفارقة المضحكة أن هذا المكان لا يوجد به سوى الطعام النباتى فقط، وهو ما يعد أقسى وسيلة للتعذيب يمكن أن تلحق بهم، فالخيال هو الذى قاد صوفى إلى العملاق الطيب، وهو أيضا الذى قاد ستيفن سبيلبيرج لإخراج أعمال مثل “تان تان، إى تى، والعملاق الضخم”، كما قاد من قبل مخرجين كبارًا لإخراج مثل تلك النوعية من الأفلام مثل مارتن سكورسيزى الذى قدم فيلم “هوجو – 2011

 

 

مقالات من نفس القسم