الدخول في التجربة

الدخول في التجربة
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

قدمنا هنا من قبل قصيدة للشاعر الأمريكي "تشارلز سيميك" عنوانها اسمعوا، عن رجل يقول لحياته، أو لذاته "نحن أشبه باثنين يعملان في وردية الليل، في مصنع  للقنابل. "تعالي معي بهدوء" هكذا يقول لها وهو يأخذ بيدها إلى سطح يطل على المدينة" إلى آخر القصيدة التي يقفز في نهايتها طفل من شباك وقد شبت النار في ثيابه، وكأنما لم يعد مكان للبراءة في العالم، والبراءة هنا لا تغيب بغياب الطفل المحترق فقط، وإنما بحضور ذلك الصمت المطبق اللامبالي بعد احتراقه أيضا.

كنا في ذلك الموضع قد أشرنا إلى قصيدة للشاعر الأمريكي "روبرت بلاي"، عن رجل وامرأة يجلسان متجاورين. وقلنا إننا سوف نتناولها عما قريب، وقد يكون تناولنا لها من خلال قصيدة سيميك. وها نحن نفعل.

***

ولد الشاعر الأمريكي “روبرت بلاي” في غرب ولاية مينيسوتا الأمريكية عام 1926 لأبوين من أصول نرويجية. انضم إلى البحرية عام 1944 حيث قضى فيها سنتين ثم التحق بجامعة هارفرد لينضم إلى مجموعة من الطلبة الذين سيصبحون فيما بعد من ألمع الكتاب والشعراء الأمريكيين: “جون آشبري” مثلا و”دونالد هول” و”آدرين ريتش”، وغيرهم. تخرج عام 1950، والتحق بورشة الكتابة الإبداعية في جامعة أيوا حيث تزامل مع الشاعر “دونالد جاستس”، وفي عام 1956 حصل على منحة من مؤسسة فولبرايت للسفر إلى النرويج لترجمة الشعر النرويجي، وهناك تعرف على عدد من الشعراء غير المشهورين ـ آنذاك ـ في الولايات المتحدة مثل “بابلو نيرودا” و”جورج تراكل” و”سيزر باييخو”، فقرر إنشاء مجلة لترجمة الشعر، فكانت مجلةٌ اسمها “الخمسينيات” ثم تغير اسمها ليصبح “الستينيات” ثم تغير أخيرا ليصبح “السبعينيات” والتي قدم فيها إلى جانب هؤلاء الشعراء وغيرهم من شعراء العالم شعراءَ أمريكيين كثرا أيضا.

شارك “روبرت بلاي” في عام 1966 في تأسيس جبهة الكتَّاب الأمريكيين المناهضين لحرب فييتنام، وحينما حصل على الجائزة الوطنية للكِتاب عن ديوانه “نور حول الجسد” تبرع بقيمتها للمقاومة. أنتج في السبعينيات سبعة كتب بين الشعر والترجمة، وتوالت كتبه بعد ذلك وحتى اليوم، لتطول قائمتها كثيرا، وتطول معها قائمة الجوائز والتكريمات التي نالها عنها.

***

رجل وامرأة يجلسان متجاورين

 

رجل وامرأة يجلسان متجاورين.

لا يشتهيان أن يكونا أكبر، أو أصغر،

لا يتمنيان لو كانا وُلدا في أي بلد آخر

أو أي زمن آخر.

راضيان بوجودهما حيث هما، يتكلمان أو لا يتكلمان.

أنفاسهما معا تطعم شخصا نحن لا نعرفه.

يرى الرجل طريق إبهاميه نحو أصابعها

يرى أصابعها حول كتاب تناوله إياه.

كلاهما يطيعان شخصا ثالثا يشتركان فيه،

وبينهما عهد على محبته.

قد يرقّ الحال، قد يحلّ الفراق، أو الموت.

رجل وامرأة يجلسان متجاورين،

وأنفاسهما معا تطعم شخصا ما نحن لا نعرفه

فقط نعرف بأمره

غير أننا قط لم نره.

***

تختلف قصيدتا سيمك وروبرت بلاي اختلافا كبيرا. ففي حين تنشق ذات في قصيدة سيميك، لتصبح ذاتين، نجد هنا ذاتين يفعلان شيئا آخر لا نستطيع أن نعتبره ببساطة العكس. في قصيدة سيميك ثمة إشارة إلى أن هذين الاثنين الذين تنشق إليهما الذات، هما أشبه بعاملين في مصنع للقنابل، بما يشي به ذلك من إحساس بالخطر والحذر من العالم، وثمة أيضا رغبة في تجاهل هذا الخطر المحدق والاستمتاع. فنحن نرى هذين الاثنين يتجاهلان المصنع وقنابله ودواعي العمل فيه، ويصعدان كأنهما حبيب وحبيبته إلى سطح يطل على المدينة كلها. ثمة حضور للعالم طاغٍ في قصيدة سيميك. أما في قصيدة بلاي، فلا يكاد يوجد هذا العالم إلا من خلال ضمير المتكلم الدال على الجمع. منذ بداية القصيدة ثمة هذا الحضور، يقول الشاعر: أنفاسهما معا تطعم شخصا نحن لا نعرفه.

ولكن ما شأننا نحن بهما من الأساس؟ الشاعر هنا يتكلم عن اثنين في حالة (من الحب؟) تجعل منهما معا شخصا اعتباريا لو جاز القول. تجعل منهما معا كيانا ثالثا. لماذا يتشتت انتباه الشاعر  هنا ليتكلم عن “نحن” هذه، نحن التي تشير إلى فاعل حاضر فقط بعدم فعله أي شيء. تشير إلى حاضر ليس هناك من مبرر لوجوده إلا عدم معرفته بأمر ذلك الشخص الثالث.

لقد قال ذات يوم “بيلي كولينز” إنه لا يقرأ شعر “إميلي ديكنسن” لكي يعرف شيئا عنها، بل عن نفسه. هنا يبدو “روبرت بلاي” وكأنه يقول ما هو أكثر، يبدو كمن يقول إنه لا يكتب الشعر  لكي يعرف أن ثمة رجلا وامرأة يبلغ الحب بهما حد أن يكُونا أو يكَوِّنا معا شخصا ثالثا. بل ليعرف أنه لم ير قط ذلك الشخص الثالث. لم تسنح له قط تلك الفرصة ليكوِّن مع آخر كيانا مشتركا يكونان جزءا منه. وإنما سنحت له فرصة أن يعرف بالوجود المحتمل لذلك الشخص أو الكيان.

من الأدعية الأثيرة لدى المسيحيين دعاؤهم بألا يدخلهم الرب في التجربة. ألا يضعهم في الامتحان عرضة للخطأ والصواب. ولكن البعض يسعون سعيا إلى التجارب، إن لم يكن في الواقع، فبالخيال والتأمل، فينالون عناءها دون أن ينالوا متعتها. يعرفون جيدا إحساس رجل وامرأة يجلسان متجاورين، دون أن يجربا دفء المجاورة، أو حتى راحة الجلوس. لا نحب أن نقول إن هؤلاء هم الشعراء فقط، بل كل من نرى الفضاء حول رءوسهم، لا بين آذانهم.

 

 

مقالات من نفس القسم