أزمة النقد/ أزمة الوطن (15)

موقع الكتابة الثقافي uncategorized
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

  د. مصطفى الضبع

الإعلان التلفزيوني مادة مفروضة على الوسيط والمتلقي، الأول بوصفه يفتقر إلى التمويل والثاني بوصفه يفتقر القدرة على الهروب من المادة الإعلانية وقد فرضتها كل القنوات بوصفها مادة تجتهد في مطاردته.

منطقيا الأطفال أكثر الفئات استخداما للتلفزيون , وجماهيريا كل فئات البشر أكثر استهلاكا للمادة الدرامية وهي المنفذ الأوسع الذي تتسلل منه المادة الإعلانية حتى أصبح المشاهد يتابع إعلانات تتخللها مشاهد درامية وأصبح بإمكانك أن تشاهد بداية الفيلم وتذهب لقضاء مشاويرك اليومية وتعود لتجد الفيلم لم ينته بعد بفعل تكرار النوبات الإعلانية المتوالية، فنيا ليس هناك حجر على الإعلان تحديدا فكرته وطريقة تقديمه فهو شكل من أشكال الإبداع في الإشهار اعتمادا على كونه يعتمد على عدد من الشروط في مقدمتها الجدة والطرافة، غير أنه تربويا يجب في الإعلان مراعاة الذوق العام وأن يكون منتجه مدركا حقيقة فنية وموضوعية مؤداها : جاذبية الإعلان جزء من جاذبية المنتج المصدر في الإعلان، وإنه  كلما كان الإعلان جديدا جذابا كان لذلك الدور المؤثر في استكشاف المنتج، كل ذلك يجعل من الإعلان – بفعل انتشاره – مادة تنمي الذائقة وتعمل على تدعيمها.

واقعيا تقدم القنوات المصرية إعلانات قليلها تنطبق عليه الشروط، وكثيرها يتسم فيما يتسم به باستفزاز المتلقي ومن ثم لا يحقق أغراضه التي يأتي في حدها الأدنى تشكيل الذائقة فالإعلان يتحرك بين نقطتين :

  • نقطة عليا حيث يكون عامل جذب للمشتري (المقتدر ماديا ) محققا غرضه المادي.
  • نقطة أدنى حيث يكون الإعلان مادة تجمع بين المتعة والترفيه والتثقيف للمتلقي غير المقتدر أو الذي يكتفي بالمتعة.

الإعلان المصري يتدنى لأقل من ذلك حين يكون مزيجا جامعا بين هبوط المستوى الفني والإسفاف بكل أشكاله، والفشل في تحقيق الغرض منه،  وهناك أشكال محددة للإعلان منها على سبيل المثال حين يكون  :

  • معتمدا على أغنية سابقة وهو ما يدلل على فقر فكري بعيد المدى ويكون مستوى الأغنية أعلى من مستوى الإعلان مما يجعل الإعلان في مرتبة أقل بكثير من مستوى الأغنية (راجع إعلان الملابس الداخلية الذي اعتمد على  أغنية “سواح” لعبد الحليم حافظ) و الكارثة غير المقبولة أن يحول الإعلان أغنية وطنية إلى نص مهلهل شديد الهبوط.
  • معتمدا موضوعا أعلى من مستوى المنتج كالإعلان الذي يقوم على ترقيص عدد من الشباب والشابات للإعلان عن كريم شعر مما يجعل الإعلان بعيدا تماما عن المنتج المعلن عنه حيث الجسم الراقص لا يعلن عن كريم الشعر الذي من المفترض أن العنصر الأساسي للإعلان هو الشعر وليس الجسم.
  • قائما على فكرة هابطة بالأساس كالإعلان الذي يقوم على مشهد تمثيلي بين أب وابنه وهما يرتديان ملابس داخلية لا تخدم الإعلان فنيا ولا المنتج دعائيا حيث التركيز على هذه الملابس يعني اختصاص الإعلان بالملابس دون غيرها مما يجعل الإعلان فاشلا تمام الفشل في تحقيق أغراض المنتج.

والخلاصة موجة عاتية من الإعلانات الهابطة التي أسهمت بشكل مباشر في إفساد الذائقة ويمكنك التدقيق فيما تشاهد من إعلانات لتجد ثلاثة أنواع أساسية منها:

  1. إعلانات تدعو للعنف: إعلان يريد الترغيب في منتج غذائي فيصور الطفل بتناوله المنتج يكون قادرا على ضرب زملائه رغم أن هناك عشرات الأفكار التي تجعل الإعلان أكثر إنسانية كأن يجعل التنافس قائما على التفوق في العمل مثلا أو التفوق في مسابقة لحمل الأثقال أو بلوغ نقطة معينة جريا أو سيرا مثلا.
  2. إعلانات تهدم قيما: التربوية تحديدا، قيمة العمل مثلا التي تضربها إعلانات المسابقات القائمة على الترغيب في الاتصال بأرقام معينة لكسب آلاف الجنيهات وهو ما يغري الناس بالوهم، وهم المكسب القائم على مجرد التوهم بالفوز تكريسا لفكرة الخمول والتواكل وضربا لقيمة العمل والطموح القائم على الكفاح والإنجاز.
  3. إعلانات التضليل: والتضليل أنواع:
  • تضليل غذائي: تستهدف إغراء متلقيها بأنواع من الأغذية الضارة بالأساس (يمكن مراجعة التقارير الطبية الصادرة عن مؤسسات عالمية بشأن الوجبات السريعة والأغذية المتضمنة مواد حافظة أو مكسبات الألوان والطعوم وغيرها من مواد كيميائية إن لم تكن ضارة فهي غير مفيدة )
  • تضليل روحاني: وهو ما تجده في إعلانات تحيل متلقيها إلى أشخاص قادرين على حل كل المشكلات الروحية والنفسية وكسب المسابقات ورد المطلقة وجلب الحبيب وشفاء كل الأمراض المستعصية وجميعها إعلانات تبيع الوهم وتتنافس على ذلك، وتحقق مكاسبها من دماء معدومي التفكير المنطقي وأرباع المتعلمين.

طرحت اقتراحا منذ عامين تقريبا : ماذا لو أن مؤسسة أو شركة أقامت مسابقة بين جمهور المتلقين لتقديم فكرة إعلانية أو نص إعلاني ( قصيدة أو مقطوعة شعرية أو نثرية عن منتج معين ) حيث يتاح للجميع المشاركة لتقديم كلمات إعلانية تليق بالمنتج والمستهلك عل الإعلان المصري يرقى لدرجة تجعله نصا يتذوقه المتلقي فيقبل عليه ويمكن العودة لإعلان إحدى شركات الاتصالات التي لجأت إلى تقديم إعلان في صورة أغنية راقية المستوى واللحن فلاقت رواجا كبيرا ( هل نتذكر فيلم نهارك سعيد من إنتاج 1955، وشركة شاكر شاكر المنتجة للصابون وقد طرحت على الجمهور مسابقة لأفضل اسم للصابون،  أليست تجربة جديرة بالتطوير لتناسب عصرا لا يمكنك تقبل معظم مادته الإعلانية ؟ ).

إذا كان الإعلان حق السلعة، والعائد حق المعلن والتمويل حق التلفزيون فإن حقا للمجتمع يتشارك الجميع في إهداره والتفريط فيه دون أن يراجع طرف من الأطراف نفسه ليعود إلى الصواب.

مقالات من نفس القسم

موقع الكتابة الثقافي uncategorized
ترقينات نقدية
د. مصطفى الضبع

تناغم (23)

موقع الكتابة الثقافي uncategorized
ترقينات نقدية
د. مصطفى الضبع

تناغم (22)