بعد أن يخرج الأمير لصيد أسطورته الشخصية: هكذا تحدث المثقف عن نفسه

نائل الطوخي

“الواحد لا يتعرف ذاته إلا من خلال الآخر”. ينطق محمود بهذه الجملة في واحدة من قصص مجموعة “بعد أن يخرج الأمير للصيد” الصادرة عن دار ميريت للقاص محمد عبد النبي. تبدو الجملة وكأنها ملقاة في الفراغ، فالقائل لا يحاول التعرف على ذاته، ولا على الآخر. هو فقط يلوم على فؤاد مهارته في القفز من جسد إلى آخر، وعدم محاولته السكنى في جسد واحد “آخر” يرى منه نفسه. ولكن الجملة، التي جاءت على هيئة حكمة، تدفعنا لأن نتأمل المجموعة، ومحاولة البطل فيها، وهو فؤاد الأمير، رؤية نفسه، و عن طريق هذا، رؤية الآخرين، وشكل تعريفه لنفسه بوصفه مثقفا.

في أول قصة بعنوان “عيل تائه” يصف الراوي نفسه قائلا: “تظنون طبعا أنني عيل تائه، أبدا. هذا سوء تفاهم بسيط. أنا أحب التسكع وحسب. أمشي هكذا بلا هدف. لا تنظروا إلى هكذا فلن تخيفوني بالمرة. اسمعوا. تعالوا نتعارف أولا. اسمي فؤاد. فؤاد الأمير. لست أميرا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه مجرد لقب أمنحه لنفسي الآن فقط. ربما لأتميز به عن كل الأفئدة الأخرى. أنا أستحق هذا اللقب، ولست مضطرا لإثبات ذلك لكم على أي نحو. أعرف نفسي، ولو معرفة سطحية، أعرف مثلا أنني ماكر جدا وعفريت ولا تنفد ألاعيبي وحيلي ونكاتي. ولا أستسلم بسهولة. حفظت كتاب الله بسرعة ونسيته للأسف بنفس السرعة، والنسيان أيضا قدرة من قدراتي الخاصة، لن يعرف سرها إلا قلة منكم…. شاطر جدا في اللغة العربية وخطي واضح وأذني موسيقية أحيانا. موهوب في الرسم بشكل مخيف. راقص بارع وأموت في الحكايات اللطيفة. متحدث لبق وحاضر الذهن خصوصا إذا شربت شيئا لطيفا.”

يتصور الراوي هنا مجتمعا من الأعداء يتوجه إليهم بالخطاب، يؤكد لهم أنهم لن يخيفوه، ويحاول تعريفهم بنفسه، تعريفا يبدأ بنبرة استعلائية. يؤكد استحقاقه للقب الأمير وعدم اضطراره لأن يشرح لهم هذا الاستحقاق. ولكنه، وعلى النقيض من ادعائه الدرامي الأول، يتورط في الشرح على الفور. ليس في هذه الفقرة فحسب، بل على طول المتتالية القصصية ينشغل البطل، وهو شخصية واحدة في جميع القصص، بتعريفه نفسه، بشرح مظاهر اختلافه عن الآخرين، وبالتالي أفضليته، وبالنظر إلى من حوله لكي يتعرف على ذاته، وإلى عاديتهم المملة لصنع أسطورته المبهرة.

يخلق الكاتب هوية بطله باعتباره منجما هائلا للاختلاف عن الآخرين، ومن هنا تتولد فرديته. البطل، الذي يتم الحكي عنه باستخدام ضمير الغائب، كثيرا ما يتحدث، وكثيرا ما يتحدث عنه المؤلف، ليس فقط ليسرد شيئا مما وقع له وإنما ليؤكد على أنه ليس مثلهم. إنه المثقف في نشوئه. المثقف الشاب إذا جاز التعبير. والنظرة إلى المثقفين باعتبارهم كائنات متمايزة عمن حولهم، ومحاولة صياغة علاقتهم بمن حولهم فقط لإعادة التأكيد على تفرد ذواتهم، لا تنفصل عن هذه النظرة.

مثل الأنبياء والأبطال الشعبيين، فإن ولادة المثقف هي غالبا ما تشكل قصة هامة، لأنها تكون في الغالب إعجازية، ولأنها لا تنفصل عن حياته التالية. دعونا نرى فؤاد وهو يتحدث عن ولادته في قصة بعنوان “رقصة المحموم على أرض السوق”:

“ولدت بعد موت العندليب الأسمر. أيام معاهدات السلام والانفتاح وانتفاضة الجياع. وحسب كلام أمي فقد كان هذا صباح يوم جمعة وحسب كلامها أيضا لم تتعب في ولادة عيل من عيالها كما أتعبتها أنا، بل ومرضت بعد الوضع مباشرة فقالوا أنني شؤم لأنني نزلت ضعيفا ومرهقا كالعائد من سفر طويل،……… قالوا لها ابنك منظور، يعني محسود، أو ملموس، يعني من كائنات أرضية أو ما شابه.”

هذا هو المثقف، متعِب ومتعَب، (بكسر العين وفتحها) مختلف عن الآخرين، الإخوة غير المتعبين، مكروه من المجتمع، ويعاني من سيطرة قوى سحرية عليه، المثقف هنا هو نبي، يتلقى وحيا من بعيد، وحيا بالمعنى الحرفي وليس مجرد إلهام. يصف الكاتب بطله في قصة بعنوان “نداء كأنه الموج” قائلا: “معهم يأكل ويبتسم متجنبا النظر ناحية المياه. كأنه – مثلهم جميعا- شخص طبيعي جدا، ليس ممسوسا ولا محكوما عليه بالإنصات لأكثر أصوات هذا العالم غرابة ونأيا.” هذه هي النظرة التقليدية للمثقف، أو الفنان، أو المختلف: لا يكون المختلف أبدا ابنا لمجتمعه، وإنما لمجتمع آخر. تملي عليه الملائكة أو شياطين الشعر أو الكواكب الأخرى ما يقوله. وبالتالي فكلامه ليس بشريا بالتأكيد.

حتى وهو يقف بين نوع ما من أفراد النخبة، يصيغ البطل اختلافه عنهم بقوة، يميز نفسه عن الكلاب “النابحة” من حوله. يُطلب منه في الجمعية الأهلية التي يعمل بها ترجمة بعض المعلومات حول أحداث الكشح “حاول فؤاد أن يتحمس مثلهم وأن يضع جانبا رواية أصلان الجميلة وأن يشم في الهواء من حوله رائحة احتراق الجلد البشري، مثلما يفعلون هم فيتهيجون. وينبحون بأعلى الأصوات: لابد أن نرسل أحدنا إلى هناك.”

ظاهريا، فؤاد الأمير هو ليس مختلفا، هو يحاول التحمس مثل الآخرين، ويأكل ويبتسم وكأنه غير ممسوس بالنداءات الغريبة، ولكنه في الداخل، يشعر باختلافه بقوة. ما الذي يؤدي به لهذا الشعور إذن؟ وإذا كان شبيها بالآخرين ظاهريا، فما مصدر اليقين بأنه يختلف عنهم باطنيا، طالما أنه لا أحد يستطيع معرفة ما يدور داخل زميله؟ ما يحدث هو أن الكاتب/ المثقف هو من يستطيع كتابة اختلافه على ورق، والآخرون لا يستطيعون. وهذا جزء من التعسف الذي يمارسه المثقف في نظرته لنفسه وللآخرين. استغلاله أداة تعبيرية يمتلكها للترويج لنظرته إلى نفسه، باعتباره متفردا وسط مجموع من المتشابهين.

تعريف فؤاد لذاته ينصب على ملكاته العقلية، كما رأينا، غير أنه يملك ما هو غير ذلك. يصادف فؤاد شابا في الشارع فيصفه بأنه “كانت له عينان بنيتان واسعتان برموش قليلة ولكن حادة مدببة مثل أشواك وردة، وشفتان نديتان لم يلسعهما التبغ اليومي، ولحية خفيفة جدا حلوة الرائحة والشارب محفوف على السنة.”

ويصف الكاتب علاقة البطل برسام كهل: “أين التقى به فؤاد قبل ثلاثة أعوام من موته؟ في معرض لشباب الفنانين؟ في ندوة من إياهم بالهناجر؟ لا يهم. يتبقى احتكاك كتف بكتف، نظرة موحية، أصابع تهمس بالشيء نفسه لأصابع أخرى عند المصافحة.” كما يلخص الكاتب حب بطله لكفافي لكونه “امتلك جرأة إعلان حبه بجمال الذكور في قصائده، بلا اعتزاز مبتذل أو أدنى شعور بالإثم.”

الميول الجنسية المختلفة هي ما تسم الراوي هنا، بعنف، وتميزه عن الآخرين، ولكن على خلاف الأنشطة الأخرى المتعلقة بالعقل “حفظ كتاب الله ونسيانه، موهبة الرسم، والمكر واللباقة”، فإن الميل إلى نفس الجسد هنا لا يعد تكأة لتعريف الذات، بل يتم وصفه بطبيعية تماما ودونما أدنى شعور بالاختلاف عن الآخرين في هذا. هل هي بقايا نظرة تنادي بأن ما للجسد هو للجسد وما للعقل هو لكل شيء (العقل هو أساس تعريف الهوية، أما متع الجسد فلا تؤدي إلا لذاتها)؟ ربما يكمن في هذا أثر من الاحتشام التقليدي الذي يجعلنا نبتسم لدى الحديث عن رغباتنا، كأنها ليست بالأمر الجاد أو كأنها لا تؤدي إلى شيء أبعد من كونها رغبات. دعونا لا ننسى أن الاعتزاز، وهو نوع من الإحساس بالهوية، مرفوض في المجموعة لدى الحديث عن الميول الجسدية المختلفة، وهذا واحد من الأسباب التي يحب البطل كفافي لأجلها. الميل الجسدي هنا هو دائرة مغلقة على نفسها، لا يمكن الحديث عنه، وإن أمكن، فبالوصف المجرد لا التحليل. ولا يمكن استخلاص منه ما هو أبعد من نفسه.

ـــــــــــــــــــــــ

*روائي مصري

عودة إلى الملف