مي التلمساني: التخييل والازدواج في صنعة الرواية

 

وليد الخشاب

لم أكتب عن مي نقداً إلا مرة واحدة بعد ما يقرب من ثلاثين عاماً على ارتباطنا. أما في الشعر فكتبت عنها في كل دواويني. دائماً ما كنت أعتبر أن اجتناب مواطن الشبهات يحتم ألا أكتب عنها، لئلا يقول قائل إني أخلط بين إعجابي البالغ بفنية رواياتها وصنعة كتابتها وبين حبي لها. ولم أكتب عنها إلا في 2017، لأنني لم أجد أحداً من النقاد راغباً في إنصاف مي من السطو الذي تعرضت له روايتها “أكابيللا”. هذا إذاً ثاني مقال أفرده لمي، استجابة لدعوة تثلج الصدر من موقع “الكتابة”، الذي بادر بالاحتفاء بمجمل المنجز السردي لمي.

كتاب التسعينات يشتهر عنهم أنهم يحتفون بالتفاصيل اليومية أو الشخصية، وأنهم يكتبون بشكل شبه مباشر عن حياتهم وخبراتهم المعيشة. وهذا صحيح تماماً في حالة مي، مثلها مثل الكثيرين من كتاب التسعينات. لكن اليوم وقد شارفنا على العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أرى أن اقتصار التناول النقدي لجيل التسعينات على هذه السمة قد صار قريباً من الهاجس الأيديولوجي. في رواية مي الأولى “دنيازاد” ما يقرب من 90% من سرد شظايا تجربة ذاتية، إذ تحكي عن أم تفقد ابنتها لحظة الولادة؛ وفي “هيليوبوليس” (ومجموعة “عين سحرية” التي تمثل امتداداً لها) ما يقرب من 80% من سرد السيرة الذاتية عن ذكريات مي في منزل الأسرة بمصر الجديدة بين الستينات والثمانينات؛ ومقاطع كثيرة من رواية “أكابيللا” مبنية على خبرات شخصية، رغم أنها أكثر روايات مي اعتماداً على الحكي والخيال وتركيب الصنعة.

كتابة الجسد وتخييل الذات

كثيراً ما يصف النقد كتابة التسعينيين بأنها كتابة الجسد، وربما ركز المصطلح على الكتابة الحسية عند السيدات أو تلك المعناة بتفاصيل جسدية، سواء كانت إيروسية في المقام الأول أم لا. وقد نعدل التعبير النقدي إلى “كتابة الذات” باعتبار الكتابة السردية وسيلة لتقديم ذوات (حقيقية أو متخيلة) عبر الأدب، وإن كان المضمر في عبارة “كتابة الذات” هو ملمح السيرة الذاتية أو استلهام تفاصيل حياة الكاتب في كتابته.

لكني أقترح النظر في تقديم ذوات متخيلة في كتابة مي لأن الاهتمام بتقصي السيرة الذاتية -بالذات لدى من سمتهم الكاتبة الصحفية بركسام رمضان بصاحبات “كتابة البنات”- قد طغى على تحليل جانب التخييل والصنعة في تلك الكتابة، وكأن قيمة ومصداقية “البنت” أصبحت تكمن في مقدار التصاقها بذاتها وجسدها و”نقلهما” إلى صفحات كتاب، بينما لا نجد التركيز نفسه مستمراً مع كتاب التسعينات من “الأولاد”. فمثلما كتبت مي رواية “دنيا زاد” عن قصة فقدها لابنتنا أثناء الولادة، وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية في فرع السيرة الذاتية، كتب مثلاً مجايلها الصديق منتصر القفاش روايته “تصريح غياب” عن تجربته الشخصية في الجيش. لكن لم يشرع النقاد في تقصي جوانب السيرة الذاتية قي روايات ومجموعات قصصية تالية لمنتصر القفاش مثل “شخص غير مقصود”. وهذه علامة صحية، لأن الاقتصار على تتبع ملامح السيرة الذاتية في عمل ما لا يُفضي إلا إلى نظرة ضيقة للأدب. فالاكتفاء برصد التطابق بين التاريخ الشخصي والإنتاج الأدبي للكاتب كمؤشر على قيمة العمل هو في الواقع استمرار لبقاء الناقد أسيراً لمعيار الواقعية والشفافية في تعبير الأدب عن “الحقيقة”، كمعيار أعلى في فرز الأعمال الممتعة جماليا من غيرها. لكن السيدات من جيل التسعينات لم يحظين بنفس القدر من تخلي النقاد عن “الفوايورية” أو النزعة التلصصية، المهتمة بشكل يزيد عن المعقول بمكافأة الأدب بالسيرة الذاتية.

إن السيرة الذاتية أو الخبرة الحياتية مكون هام في روايات مي، لكنَ للتخييل دوراً لا يستهان به في أعمالها. وأضرب مثالاً بسيطاً من “دنيا زاد”: فالحدث الرئيسي عن الأم التي تفقد طفلتها، وتفاصيل إخفاء الأسرة حقيقة الأمر عنها، ثم تفاصيل الدفن، وقصة استقالة هذه الأم من عملها وحديثها مع ابنها في مغامراته المدرسية، كل هذه تكاد تكون صياغة كتابية لأحداث وأقوال وقعت بالفعل. لكن الراوية تحكي أن الأسرة اشترت مقبرة وتصوغ تلك التفصيلة وكأنها نذير شؤم يمهد لوفاة الطفلة، وتسوقها كمعادل سيمتري لقيام الأسرة ببيع بيتها الذي بناه الجد والجدة. كأن شراء المقبرة تحسباً لموت الأب والأم بعد عدة عقود، قد استدعى حضور الموت في حياة الأسرة واختطف الابنة الوليدة، ساخراً بذلك سخرية القدر من الترتيبات التي يضعها الأب وكأنه يريد أن يسلب القدر ملكة المفاجأة والقدرة على تبديل الأحوال دون سابق تجهيز. فشراء المقبرة يمثل موتيفة تنتمي لتراجيديات العصور الكلاسيكية، حيث يمثل فعل ما نذير شؤم. وهذا الشراء يكرس بنية سيمترية: بيع بيت/شراء مقبرة، أي التخلي عن فضاء الحياة واستبدال فضاء الموت (المقبرة) بهذا الفضاء. وهو يفتح باب التأويل لمن يرى في هذا التوازي إدانة للرغبة البورجوازية في السيطرة على مقدرات الزمن والمستقبل.

كل هذه التداعيات القادمة من التوازي والتضاد بين البيت والمقبرة، تمنح الرواية إطاراً أرحب من مجرد مأساة جسد الأم إذ انفصل عنه جسد بنتها الميت، وتسجيل تأثير هذا الألم على أجساد المحيطين بها. لكن هذه البنية تدخل في إطار الصنعة، لا حكي الذات وسيرتها. فوقت كتابة الرواية لم نكن قد بعنا بيت الأسرة ولا اشترينا مقبرة، وإنما كنا قد تناقشنا في إمكانية البيع والشراء، يوماً ما في المستقبل.

الصنعة والازدواج

الصنعة عند الكثيرين من جيل التسعينات مرتبطة بالعمل الدقيق على اللغة وبنسج مواقف ومشاهد محبوكة في حد ذاتها، حتى وإن كانت الحبكة بالمفهوم التقليدي العام التي تشمل الرواية بأكملها -الحبكة المحفوظية مثلا- غير مطروحة بالنسبة للتسعينيين. بعض أبناء التسعينات لا يهتمون بالصنعة ويقدمون غليها الإخلاص في التعبير عن الذات وفي سرد التجارب الشخصية في إطار العمل الفني، حتى تبدو بعض صفحاتهم بوحاً مكتوباً أكثر منها كتابة فنية. لكن مي، مثلها مثل منتصر القفاش وأحمد غريب، من الفريق الذي بهتم بالصنعة -اللغوية بالذات- وبعني هذا السعي إلى التركيز والاختزال بحيث تبدو اللغة والمشاهد “معصورة” مصفاة.

لكن مي تتميز على مجايليها بتيمات وهموم بنيوية تلح عليها بشكل خاص وتمنح خصوصية لبناء الشخصيات والإطار العام للسرد في رواياتها. أحد هذه الهموم هو شغفها بالازدواج والثنائية، وهو أحد تجليات عناية مي بالصنعة والحرفية في كتابتها.

في روايات مي الثلاث، يلفت النظر أن تيمة الازدواج حاضرة بقوة في آليات السرد وفي رسم الشخصيات الرئيسية بل والفرعية، ويتجلى هذا الازدواج في استخدام مي لمستويين من السرد أو لصوتين راويين، أو في ظهور شخصيات وكأن أحدها قرين الآخر، أو مقلوب الآخر. في روايتها الأولى “دنيا زاد” لا يظهر الازدواج إلا على شكل بسيط ومألوف، وهو الثنائية، إذ تتولى الراوية/البطلة مسئولية السرد، ثم يظهر أحيانا صوت سارد ثان، مثل صوت الزوج/الأب، فيتنوع المنظور الذي يصدر عنه الحكي بين زاوية الأم التي تحكي آلامها العميقة وتجليها في جسدها بعد فقدها لمولودتها، وزاوية الأب الذي يضيف إلى تلك الالام وصف الصعوبات التي تضاعف الألم في العالم “الخارجي”، حيث التعامل مع بيروقراطية الموت من شهادة وفاة وإجراءات دفن، بالإضافة على المناورات لتمهيد الخبر قبل إعلانه للأم. ويؤكد تلك الثنائية صف طباعي يميز بين بنطين وخطين يخص كل منهما راوياً بعينه.

في روايتها الثانية “هليوبوليس” تظهر الازدواجية بوضوح، على مستويات عدة. فالراوية تزدوج بين صوت عروس الماريونيت وصوت آدمي (أو حوائي) يبادلها السرد والحديث. ثم يزدوج الصوت البشري إلى تجليين لذات الراوية/البطلة: شخصية “ماهي” (العاقلة الرزينة) وشخصية “ميكي” (المغامرة الطائشة)، هما نفس الجسد، لكن تتصرفان مرة تحت قناع ماهي، ومرة تحت قناع ميكي. هذا الازدواج يوازيه ازدواج آخر: فشخصية أم الراوية لها صوات وقناعان. هي تارة “سعاد” الأم القوية التي ترعى أبناءها وتدير شئون المنزل، وهي تارة “زوزو” التي دائما ما تمثل وتظهر غير ما تبطن وأحيانا ما تسرف في الشكوى لاستدرار العطف، لا لوجود مشكلة حقيقية تضايقها.

لوهلة، تبدو الازدواجية هنا وكأنها ميراث الأجيال. فللأم شخصيتان: سعاد وزوزو، ولابنتها أيضاً شخصيتان: ماهي وميكي، وكأن الذات النسائية العربية محكوم عليها – في عصر لم تكتمل حداثته ورحابة صدره تجاه رغبة المرأة – بأن تكون دوماً مزدوجة. يزيد من تلك القدرية البيولوجية /الاجتماعية في رواية هليوبوليس أن ماهي/ميكي كراوية “بشرية” تدخل في مفتتح الحكي وهي في حوار وجدل مع عروس ماريونيت تلومها أو تنصحها، توافقها أو تعارضها، كأن الماريونيت ضمير أو مقلوب الضمير، كأنها “الهو” الفرويدي الذي يمثل صوت الرغبة الكامنة في الأعماق والمتحررة من القيود الاجتماعية.

ترتبط الازدواجية بحوار وعي الذات الاجتماعي والأخلاقي مع “الهو” المنفلت الساعي إلى رغبته، ولو على حساب القيود المجتمعية. ويظهر هذا بجلاء في الثنائية المؤسسة للخطاب الروائي في “آكابيللا” رواية مي الثالثة. الخط الأساسي في الرواية ومحرك السرد فيها هو موت “عايدة” واستيلاء صديقتها الراوية/البطلة على خطاباتها ومذكراتها، ثم قيامها بإعادة كتابة هذه الأوراق ونسبتها لنفسها من ناحية، وتقمصها أو “استيلاءها” على صوت عايدة المتوفاة. فعايدة المغامرة الطائشة، التي لا تتورع عن كذب أو احتيال أو سرقة، متبعةً غريزتها أو رغبتها أو لذتها، تدور في مسارات الهو، بينما صديقتها المحافظة “العاقلة” تنصاع للقيود الأخلاقية والاجتماعية، إلى أن تأتي لحظة فارقة، فتبدأ الراوية في أن تحل محل عايدة، بل وأن تحتل مكانها وتغتصب شخصيتها وتغوي عشاقها، وتفصيل هذا هو جسد الرواية نفسها.

تستحق مسألتا التخييل والازدواجية في أعمال مي دراسة مطولة، لاسيما أن الدراسات النقدية لم تتعرض لهما بالتفصيل. فالتخييل يجرنا إلى تأمل جانب الصنعة الفنية التي تتجاوز رصد تاريخ الجسد وتأملاته. والازدواجية تكشف بنية عميقة حاكمة لكتابة مي، لعلها كشفت عنها نصف كشف عندما صرحت قي حديث لها مع موقع الجزيرة عام 2001 بأنها امرأة ذات ألف وجه. ولعل الدكتور شاكر عبد الحميد قد وضع يده على مسألة الازدواجية في روايات مي حين ذكر في دراسته الشاملة لروايات مي الثلاث، والمنشورة بجريدة القاهرة، أن لشخصيات رواياتها ميلاً إلى الانحراف. ما يسميه الدكتور شاكر انحرافاً، أسميه أنا سباحة في تيار الرغبة حتى لو كان يجري ضد سدود الأخلاق.

 

عودة إلى الملف