موقع الكتابة الثقافي uncategorized 9
Facebook
Google+
Twitter
LinkedIn

د. مصطفى الضبع

تظل الرواية أفقا غير محدد، مطلقا للدرجة التى لا تعرف له حدودا فاصلة أو حاسمة، تظل مساحة توهمك أنك قادر على أن تسايرها ولكنك فى النهاية قد لا تجنى سوى الوهم، سوى بعض الدلالات غير العميقة إن أنت لم تحسن توظيف ما يضمه من عناصر جد فاعلة فى التعامل معه.

تتشابك هذه العناصر وتتقاطع لتخلق مسارات للتأويل، هى مسارات يطرحها النص غير مرتبة، وغير واضحة، قد يحتاج المتلقى للكشف عنها تحت طبقة أولية، أو طبقة شفافة من التراكمات، كما قد يحتاج لترتيبها بطريقة ما تشكل نوعا من إعادة تشكيل عالمه هو بفعل مناطق إضاءة النص للواقع أو قراءة النص للواقع.

تتأثر هذه المسارات بأشكال القراءة وأنماطها وبخاصة التقليدية منها مما يجعل المتلقى المخلص لعمله يكون مهيأ – أو على استعداد – لاستكشاف المسارات  وأنساقها وهو ما يستدعى قراءة مغايرة يعمل فيها على اكتشاف منطق النص لا منطقه هو فالمشكلة الحقيقية – من وجهة نظرى – التى تمثل عائقا للتلقى الفعال هى تلك التى يقع فيها المتلقى تحت ربقة منطقه هو وخاصة المنطق الأخلاقى مثلا مما يدفعه لتطبيق منطقه على النص منقصا النص حقه فى تطبيق منطقه ( [1]).

كما تتأثر بمساحة وعى المؤلف، ذلك السارد الضمنى ومدى متابعته مساحات العتمة فى العالم ليخلق منها مساحات من النور مما يجعل المتلقى فى حل من تغييب وعيه، ولا يجعل له ( المتلقى ) حجة لإبطال وعيه وتغييبه رؤيته الحاسمة لعالمه بشكل أفضل أو بشكل يحمله مسؤولية إصلاح ما أفسده الجهل، وما ضيعته فعاليات التخلف، نحن هنا إزار نص تتسع مساحات وعى صاحبته مما يجعل رؤيتها لعالمها قادرة على إنتاج دوال النص وطرح عدد من القضايا التى تنحو فيها نحو اكتشاف عالم معقد خلف هذه القشرة التى تبدو شفافة تماما، نحن إزاء  نص لم تكتب صاحبته عن الواقع وإنما كتبت بالواقع، أى إنها حولت الموضوع الواقعى إلى تقنية فنية، مما يسجل نجاحاتها الأولى المؤسسة على وعيها بعاملين أساسيين: عامل الموضوع، وعامل الفن، وعيها بقضيتها، ووعيها بفنها الذى يمثل الأداة أو الوسيلة الجمالية .

فى روايتها الثانية “بائع الفستق” تتجاوز ريم بسيونى ( [2])  تجربتها الأولى “رائحة البحر” وإن جاءت الثانية خطوة ممتدة بعض الشيء للرواية الأولى .

بداية يأتى العنوان سبيكة تتشكل من المضاف (بائع) والمضاف إليه (الفستق) اللذين يمثلان نوعا من أنواع التعبير الحقيقى بداية إذ إنهما لا يعتمدان صيغة توحى بمجازية ما إلى حين ويشكلان معا مبتدأ خبره النص/ المتن ([3] ) سعيا لخلق شكل من أشكال التشويق لدى المتلقى الطارح للأسئلة  الأساسية للتلقى: وماذا بعد؟، أو بائع الفستق من هو؟، وما له ؟ فإذا ما وسعنا دائرة التلقى للعتبة الثالثة ( لوحة الغلاف ) أمكننا رصد رؤية القارئ الأول وأثره فى التلقى من ناحية ( [4])، ومن ناحية أخرى رصد مجموعة العناصر المؤثرة فى التلقى أو المشاركة فى إنتاج الدلالة، ومنها صورة الشخصية التى يطابق المتلقى بينها وبين الذات الأولى المطروحة عبر العنوان  بكل ما فيها من تفاصيل يعتمدها التأويل لإنجاز الدلالة ( [5]) ولكن الغلاف فعل خيرا بتغييب الملامح الفاصلة للشخصية حتى لا تترك أثرها السلبى فى تشكيل الصورة المتخيلة للبطل الذى وإن حاولت الساردة أن ترسم ملامحه ولكنها ملامح تظل قادرة على أن تقدمه من حيث هو دال، رامز، منفتح الأفق يشير إلى الكثيرين ممن يكون هو رمزا لهم،  أكثر من كونه مجرد شخصية منغلقة تشير إلى ذات أحادية الدلالة، منغلقة الأفق، وحيث أشرف رمز لجيل أو لحضارة أو لإنسان فى رحلة وجود (كما سنرى لاحقا).

مستوى الشكل الدال

تأتى الرواية فى سبعة فصول تتصدرها مقولتان:

  • الأولى “يمكن هزيمة الواقع بكثير من الخيال” مقولة إنجليزية لكاتب مجهول ([6] ) وتحيل بصورة غيرمباشرة إلى الرواية متماسة مع موضوعها، ومعضدة طرحها لواحدة من قضاياها الأساسية، قضية محاولة الصعود الاقتصادى أو التنموى لمصر، وتمثل قضية العلاقة بين الواقع والخيال .
  • الثانية: “إن مصر الآن مستعدة للفستق“، وتمثل المقولة الأكثر التصاقا بالنص والمترددة ثلاث مرات فى مواضع دالة ( تتصدر النص أولا، وتتكرر فى الثلث الأخير من الرواية (ص 265 ثانيا ) ويختتم بها النص لتكون جملة الختام فى مقابل جملة البداية ثالثا، وتتأسس الدلالة المنتجة عبر المقولة على كونها مقولة تتردد على لسان وفاء فى المواضع الثلاثة لتؤكد من وعى القائلة أولا ولتعضد من قيمة وفاء بوصفها رمزا ثانيا ولتجعل من وفاء صورة للأنثى فى إنتظارها الإنسانى ثالثا (سنعود للنقطتين الأخيرتين بالتفصيل لاحقا ). 

والفصول  موزعة على  ثلاثة أبواب تتشكل على النحو التالى:

  • الرحلة: يضم أربعة فصول تتصدرها عبارة أينشتاين:” الخيال أكثر أهمية من المعرفة . فالمعرفة محدودة، أما الخيال، أما الخيال فيمتد ليحيط العالم” ( [7]) وتمتد مساحته على مدار 145 صفحة .
  • عبث: ويضم فصلين تتصدرهما عبارة ستيفن كران: ” « رجل قال للكون: “أنا موجود” فأجاب الكون: “وجودك لا يخلق عندي أيَّ شعور بالواجب” ([8] ) وتمتد مساحته على مدار قرابة 114 صفحة .
  • جواز سفر: ويأتى فى فصل واحد يتصدر بمقولة أشرف داوود بطل الرواية:” « لكل عصر جواز سفره، ولكل وطن شعور مختلف! »( [9]) ويمتد على مساحة قرابة 20 صفحة فقط .

وواضح التفاوت التنازلى الدال فى إشارته إلى تراخى الزمن وضيق مساحة الانتظار، انتظار وفاء لأشرف بكل ما تعنيه فكرة الانتظار وانتظار مصر بوصفها رمزا للفستق وتوابعه (سنعود لفكرة الانتظار لاحقا ) .

تعتمد الرواية تيمة الحب ظاهريا وهو ما لا يمكن التعويل عليه تماما فى التوقف عند التيمات الأساسية فى الرواية، فالحب يقوم بدور الرابط ذى الطبيعة الإنسانية والفنية، فعلى الجانب الإنسانى كان للحب الدور الفاعل فى تشكيل وعى وفاء ومن ثم منحها القدرة على قيامها بدور الراوية للدرجة التى يمكن القول معها لولا الحب ماكانت الرواية، فلقد تأسس النص على وعى وفاء الذى لم يكن ليتشكل لو لم ترتبط بحب أشرف بوصفه مفجر الوعى لديها ومن ثم كان النص نفسه نتيجة منطقية لهذا الارتباط، وكان بث رسالة النص و الكشف عن الشخصيات وتشكيل وعى المتلقى عبرها نتيجة لهذا الوعى الجديد الذى ارتكز على منطقية الحدث، حدث التوافق والتواصل الروحى بين الرجل والمرأة بوصفهما عنصرى الحياة ونواة تشكيل العالم مهما اختلفت الرؤى وهو ما يصب فى تأكيد فكرة الرحلة الوجودية التى يعيشها أشرف ووفاء وغيرهما من الشخصيات التى شكلت بعناية لتقديم أدوار تبدأ من نطاق الفن وتنتهى عند إطار الواقع الذى قد يردها المتلقى إليه ليؤكد واقعيتها أو ليجد لها مساحة دالة فى الواقع المعيش أو اللحظة التاريخية الراهنة سعيا لمحاولة تفسير واقعه أو تشكيل وعيه بغية رؤية أعمق لعالمه  . 

وفاء وزاوية الاختلاف

تمثل وفاء الصوت المسيطر ولكنها ليست الصوت الوحيد، إنها تقدم صوتا يبدو بعيدا عن حكمتها التى تبدو متواضعة، الصوت الأول فى النص:” كيف تقع المرأة فى الحب ؟.

ليشير الصوت إلى متكلم يبدو خارج النص، يطرح نفسه عبر الاستهلال ليطرح عبر السؤال حدثا غير مؤطر بزمن أو مكان بصورة تقليدية، والسؤال تنتهى فاعليته بالجواب ليكون السؤال مجرد مثير يفضى إلى ركيزة أساسية تتبقى بعد السؤال والجواب أعنى الرؤية من زاوية مختلفة صانعا قانونا يمكن تطبيقه على الكثير من مواضعات الحياة ويصبح معيارا لرؤية النص ذاته من حيث هو يخلق علاقة مع قارئه، علاقة ليست بعيدة التشابه عن علاقة الذكر والأنثى تأسيسا على علاقة الحب (القائمة أو التى يؤسس النص لقيامها بين أشرف ووفاء ) مع تبديل طرفى المعادلة ليكون القارئ فى وضعية وفاء ويكون أشرف فى وضعية النص عندها يتبلور سؤال جوهرى: متى يقع المتلقى فى حب النص ؟ عندما يراه من زاوية مختلفة، وهى زاوية لا تتأسس على اختلاف النظرة أو الزاوية بقدر ما تتأسس على امتلاك المنظور إليه عوامل الاختلاف فالرؤية لا تثبت للشيئ ما ليس فيه ولا تسبغ عليه إلا ما تكتشفه هى فيه فعلامات الاختلاف كائنة هناك .

لقد أسبغت الرؤية المختلفة على أشرف بعض سماتها ليظهر فى صورة تقترب من البطل التقليدى ذى السمات الأسطورية ” كان طويلا .. نعم .. رأيت رجليه تكادان تمتدَّان إلى السماء. كان طويلاً وأسمر اللون، وجهه كان نحيفاً، وابتسامته كابتسامة إخناتون. تلك الابتسامة المُتعَبة الساخرة”( [10])

وأنثوية المتلقى تتيح من زاوية أخرى لوفاء أن تزرع فى خيال متلقيها ما لن يكون مستطاعا خارج عملية الالتقاء هذه فالمتلقى خارج هذا النص لا يكون مهيأ بدرجة ما لتقبل اختراق محدودية قدرات الراوى العليم بكل شيئ الذى يتجاوز ههنا قدراته المحدودة ليقص عن أشرف وهو فى بريطانيا وفى أمريكا، صحيح إنه يعتمد أحيانا على مايرويه أشرف ذاته ولكنها تظل زاوية مختلفة تتجاوز الطرائق التقليدية فى الحكى، إن مساحة من التأويل يمكنها حل المعضلة الفنية، مساحة تكمن فى تلك العلاقة الروحية التى تعتمدها وفاء أو تلك التى تتوافر لها (بفعل الحب) والتى تتيح لها ان تعيش حيوات أشرف وأن ترتبط به أو تربط نفسها بسياقه، أشرف هنا يعيش حياة الغرب المنفتحة، والمتسمة بالشفافية  مما يجعله رمزا لمجتمع يحقق الشفافية فى أكبر صورها فى مقابل حياة المجتمع الشرقى الذى لا يتمكن فيه الشخص من اكتشاف مساحة ما للشفافية مع الذات .

أفق الانتظار

كل نص سردى هو أفق للانتظار، منذ عتباته الأولى (لوحة الغلاف والعنوان واسم المؤلف) فالمتلقى معنى بالسؤال: ماذا بعد ؟ مما يجعل النص السردى مساحة واسعة للانتظار، مساحة فى انتظار نهاية الأحداث، لتبدأ لحظة التطهر، ونهاية ما تتمخض عنه أحداث الصراع بين الشخصيات .

ورغم أن العنوان بوصفه عتبة أولية يمثل فى حد ذاته مستهلا لأشكال الانتظار عبر الطاقة التشويقية التى  يؤسسها فإنه ليس العنصر الوحيد القائم بهذه الوظيفة فالاستهلال السردى فى الوقت نفسه يمثل عنصرا آخر ينضاف إلى العناصر القائمة بوظيفة الانتظار، متجسدا فى الاستهلال السردى:” كيف تقع المرأة فى الحب؟ 

عندما ترى الرجل من زاوية مختلفة ” ( [11]) .

وليس بمقدور إجابة الاستفهام أن تغلق أفق الانتظار وإنما هى تشعل  أسئلة من شأنها أن تحرك المتلقى للاستكشاف ومحاولة سبر الأغوار .

عبر صيغه المتعددة تمثل تقنية الانتظار واحدة من تقنيات إنتاج الدلالة فى ” بائع الفستق ” محددا بمساحات متعددة ودالة من أشكال الانتظار تتبلور عبر محاور متراتبة تبدأ من الفرد فى دائرة خصوصيته  صعودا إلى المجتمع مرورا بالمحيط الأسرى، يبدأ من كريم بوصفه فردا دالا على جيله ويمر بالأسرة( أسرته هو ) من حيث هى الشكل الوحيد المتحقق للأسرة فى الرواية (فى مقابل غياب الأشكال غير المتحققة للأسرة أو التى تفشل فى التحقق )   وينتهى بالمجتمع أو بمصر فى نطاق أوسع.

هنا  نحن إزاء أشكال مختلفة ومتنوعة من الانتظار التسلسلى – إن صح التعبير-يمكن رصدها بسهولة،متجلية  فى:

  • انتظار المتلقى لما تسفر عنه الأحداث .
  • انتظار وفاء: و ينبنى على أساسين، أولهما اعتبار وفاء شخصية إنسانية وهو هنا يؤكد فكرة الحب والأمل الإنسانى ويرسم صورة وفاء الاسم على مسمى أو التى تستمد من اسمها جوهره ومعناه مما يجعلها نموذجا إنسانيا يقوى من معنى واقعية النص ويرفع من قيمة الشخصية الإنسانية من حيث هى نموذج، وثانيهما كون وفاء شخصية رامزة يرتفع الرمز فيها لدرجة يكاد يتطابق فيها مع مصر عبر خطين متوازيين، وفاء تنتظر أشرف ومصر تنتظر الفستق ،وهى ( وفاء) بعد ثلاثة عشر عاما اكتسبت خبرة إنسانية جعلتها امرأة مهيأة لتقبل شخصية أشرف بكل ما يحمله من قيمة رمزية أو لنقل شخصية جديرة بشخصية أشرف، وفى الوقت نفسه فإن مصر فى المقابل فى انتظار أشرف من حيث هو قيمة اقتصادية تفضى إلى قيمة دافعة للتطور، ومنتجة لكل قيم الحضارة التى يسعى إليها بلد نام من مثل مصر فإذا ما كانت وفاء رمزا لمصر وأشرف رمزا للغرب المتحضر فالتطابق قائم بين كل من وفاء ومصر وأشرف بوصفه جسرا ناقلا لحضارة الغرب تلك المرموز إليها بالفستق من حيث هو دال على هذه الحضارة .
  • انتظار سالى ( شقيقة وفاء ) لفرصة حياة أفضل بعد موت زوجها الأول.
  • انتظار مسعد المتولى ( والد وفاء) لصفقة تجارية أفضل .
  • انتظار لبنى لتغيير أشرف لأفكاره من حيث هو ممتلك لقوة التغيير .
  • انتظار كريم لفرصة زواج من فتاة غنية وقد أشارت الراوية إلى ذلك فى سياق رسمها لصورة كريم، حتى تأتى الجملة الخيرة المروية عن كريم والتى يذكر فيها اسمه للمرة الأخيرة فى الرواية لتؤكد انتظار الحلم ” كان كريم يعشق المال ويكره الفقر . وكان كل أمله أن يتزوج من فتاة غنية تملك شقة ! ولم يتحقق أمله حتى الآن ” ( [12]) وتأتى الإشارة الزمنية ” الآن ” لتفتح  مساحة الزمن ولتجدد مساحات الانتظار مرتهنة  بزمن القراءة فكل قراءة للنص وكل تلفظ بالآنية معناه تمديد لمساحة الانتظار .

انتظار الأسرة لتغيير الصالون من حيث هو تغيير لشكل المكان أو تطوير الوضع القائم وهو ما يفتح المجال للانتقال إلى المدى الأوسع صعودا إلى انتظار الوطن، مصر فى انتظارها  للتغيير فالوعى الذى يبثه النص أو ذلك المتأصل فى نفس الساردة من حيث هى دارسة للتاريخ وهو فى الآن نفسه يمثل بنية متكررة، متجددة عبر تداولها بالتدريس مما يجعل التاريخ ليس مجرد مهنة أو مجرد مادة مدروسة:” وكنت أدرِّس تاريخاً ..تاريخ الوطن العربي ومصر الحديثة للثانوية العامة.  وكنت أعطي الكثير من الدروس الخصوصية، وأعيد على مسمع الطلبة الثلاثة “القضاء” والثلاثة “الإقامة” لثورة يوليو كل يوم خمساً وعشرين مرة!

القضاء على الاستعمار !

القضاء على الفساد وسيطرة رأس المال.

القضاء على الملك وأعوانه.

وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وإقامة عدالة اجتماعية.

وإقامة جيش وطني قوي” ( [13]) هنا لا يكون استدعاء مبادئ الثورة مجانيا (لاحظ أنها النص الوحيد المستدعى بلغته من خارج النص ليدرج فى سياقه) وإنما يكون الاستدعاء دالا عندما نعمق رؤيتنا للعنصرين الأساسيين: القضاء والإقامة لطرح سؤال من أخطر ما تطرحه الرواية من أسئلة: هل حدث تغيير فعلى يحمل تأكيدا على أن الثورة نجحت فى تحقيق أهدافها ؟ أو بعبارة أخرى: كم من الأهداف نجحت الثورة فى تحقيقها ؟، سيكون علينا هنا أن نتوقف عند التاريخين المحددين فى الرواية: 1980( تاريخ دخول أشرف الأول لمصر ) –  1993 ( تاريخ دخوله الثانى ) وبينهما ثلاثة عشر عاما يفصل بين الأول وثورة يوليو 1952 قرابة ثلاثين عاما، فى حين يكون الفاصل بين الثورة والثانى واحدا وأربعين عاما وهى مساحة زمنية تكون كافية لإحداث طفرة من التقدم أو التحضر أو على الأقل التغيير للأفضل بدرجة ما تبعد أى مجتمع عن التخلف بطريقة أو بأخرى . إن مراجعة لا بد واقعة من لدن المتلقى المتشكل وعيه بفعل النص فى إشارته من طرف خفى إلى غياب الوعى بالمراجعة للمنجز التاريخى وهو ما يؤكد رمزية انتظار مصر للتغيير، ونظرة بين قطبين تشى بذلك تماما، أعنى الداخل والخارج دون تجاوز ما بينهما أو الخاص والعام وما بينهما، فى الداخل على مستوى الأسرة يظل تغيير الصالون فكرة لا تتحقق وقد كشفت عنه الساردة من وجهة نظر أشرف أو بعيونه:” ما إن دخلنا بيتنا حتى بدأ يتفقد الصالون، فوجده كما هو لم يتغير، مع أن أمي كل عام تقول إنها ستعيد تنجيده، ولكنها لا تفعل” ([14] )، لاحظ المسافة الفاصلة بين قول الأم و فعلها المنفى ( لا تفعل ) وهو ما يتماهى إلى حد كبير (عبر ضمير الغائب ) مع الوضع فى الخارج ذلك المنسحب على الوطن ذاته، وليس البيت بكل ما يطرحه دلالات بعيدا عن المشهد ” حائط البيت لم يزل متسخاً والمفرش الدانتيلا لم يزل على المائدة، وكل شيء كما هو، وكما كان منذ ثلاث عشرة سنة.

ماعدا الناس. الأسى كان يسيطر على العيون، والعمر يتضح على الملامح” ([15]

ثم تأتى رؤية الخارج بعيون أشرف أيضا، وهنا نربط بين مشهدين تفصل بينهما أحداث الرواية لمكان واحد ويمثلان مجتمعين أيقونة على الواقع والمشهدان يكادان يتطابقان لدمنهور، الأول يمثل الدخول الأول لأشرف إلى دمنهور:” نظر حوله …هذه هي دمنهور..مزيج من المدنية والقروية….على يمين المحطة عشش صغيرة ممتلئة بالناس…سيدة تغسل الملابس في حلة كبيرة، أخري تصنع سندوتشات الجبن والكبدة التي لا يدري أحد من أين جاءت وإلى أين تذهب، ورجل يرتدي فانلة قطنية ويجلس خارج عشته، يصرخ في ثلاثة من أولاده وأطفال وجوههم ممتلئة بالذباب الذي يتجول من أعينهم لأفواههم وهو يشعر بالأمان التام.  نظر حوله من جديد…على يسار المحطة باعة الطعام منتشرون على الرصيف….الحاتي الشهير يضع الشواية خارج المحل ليغري المارة برائحة البقدونس والكفتة المجهولة الهوية والأبوين، مثل الكبدة تماماً، والفطاطري الذي يصنع كل أنواع الفطائر والبيتزا المصرية الغارقة في الزيت، وتعج بالسجق المصري والفلفل الرومي والطماطم التي تتأرجح ما بين العفن والكهولة.  نظر حوله من جديد إلى محل الخردوات الذي يبيع كل شيء…. حلل، أطقم صيني، روچ وكحل، بنس وتوك، والكثير من القلوب الحمراء التي تتخذ أشكالا عديدة من وسادات إلى دببة صغيرة…ابتسم في تهكم. يبدو أن الحب واللهب جزء من هذه البلدة” ([16]).

 ويأتى الثانى مفتتحا للدخول الثانى له بفاصل زمنى ثلاثة عشر عاما  ” توقف أشرف للحظات في محطة دمنهور، وكأنه يسترجع ذكريات قديمة.  العشش العشوائية لم تتغير.  الفطاطري مازال موجوداً ومحل بيع الكبدة تلاشى.  ولم يكن يدري أينمُّ هذا عن أن كل الحيوانات المجهولة الهوية قد تلاشت من مصر، أم أن المصريين قد قاطعوا الكبدة لسبب ما، ربما لأنها قادمة من المستعمرين الجدد!! ربما صاحب المحل مات إذن! أو فتح محلاً كبيراً في منطقة أخرى.  كان يحملق في سلالم المحطة الواسعة وكان يتذكر السيدة السمينة التي تجلس أمام عشتها أمام المحطة في فخر لتصرخ في أطفالها وتدعو عليهم وتسبهم،  ثم تتجه إلى العشة، وتبدأ في الكنس والمسح بلا أدنى مشاعر على وجهها ( [17]) ويمكن عبر تفكيك المشهدين السابقين – بوصفهما نموذجا ليس وحيدا – وإضافة بعض العناصر الأخرى الواردة فى سياق الرواية يمكن اكتشاف المساحة الفارقة بين  أهداف الثورة  والواقع المتحقق فى برهان مؤكد على غياب هذه الاستراتيجية على النحو التالى:

م ما قالته الثورة ما يطرحه الواقع
1 القضاء على الاستعمار المستعمرين الجدد – كلمات الحب – الفستق بوصفه علامة على مجتمع استهلاكى .
2 القضاء على الفساد وسيطرة رأس المال رجل الأمن فى علاقته بالأم – سيطرة أشرف وتصرفاته المسيطرة (راجع حياته فى مصر وعلاقته بلبنى ) .
3 إقامة عدالة إجتماعية مشهد وصف دمنهور الأول (وبخاصة ما شددنا عليه) – الأسى يسيطر على العيون – السيدة السمينة – سائق التاكسى- العشش العشوائية لم تتغير – وصف إمبابة ومسكن لبنى ص 104
4 إقامة حياة ديمقراطية سليمة لم يزل فى مصر قانون طوارئ ص 276- اعتقال لبنى الصحفية ومحاولة أشرف التدخل وحواره مع رجل الأمن .  
 

إن التاريخ لديها – من زاوية ما – مشهد أو مسرح لقراءة الحاضر ومن ثم تكون رؤيتها للتغيير مؤسسة على بنية منطقية تكون هى فيها شاهدا على الأحداث وقد استثمرت وفاء معرفتها التاريخية لتشكيل رؤاها المحددة سياسيا (كما يتجلى فى مقولاتها السياسية ومؤشرات وعيها باللحظة الراهنة على مستوى الوطن وعلى مستوى العالم، ودينيا أو علاقة الأشخاص بالدين كما يتجلى فى تلك العلاقة بين عمتها والدين وتفسير العمة للحياة عبر هذه الزاوية   ) لقد نجحت الكاتبة عبر هذه الزاوية فى إثراء نصها بالربط بين خطوط الماضى والراهن لا اقول الحاضر كيلا أربط عالمى النص على مستوى المكان: مصر والخارج بلحظة حضارية واحدة، فالراهن قد تتناسب تماما مع مفردة الحضارة من حيث هى فعل يمارسه المجتمع الغربى، فى مقابل اللحظة الراهنة لا الحاضرة التى يعيشها المجتمع العربى ممثلا فى مصر أو المجتمع المصرى دون ربطه بما يثرى رمزية مصر إذا ما توقفنا لديها فقط دون ربطها بالسياق العربى الذى أشارت الساردة إليه أكثر من مرة. 

لقد نجحت وفاء فى استثمار التاريخ بوصفه أداة للمعرفة، أو هو وسيلة لاستكشاف المشهد والإجابة عن أسئلة اللحظة:” من نحن يا أشرف؟  اليوم وأنا أدرِّس تاريخ مصر الحديث، شعرت بأنني عرفت أخيراً من نكون. لا تحتاج إلى دراسة كل القرون الوسطى، ما تحتاجه هو دراسة التاريخ الفرعوني والتاريخ الحديث! لتفهم من نحن! يا أشرف لماذا بنينا الأهرامات؟  لنمجد ونخلد ملوكنا؟  نعم، وأنفسنا…ماذا ترى عندما تنظر إلى الأهرامات وقتاً ومالاً ونفوساً بذلت في سبيل تشييد هذا الصَّرْح الكبير لتمجيدنا؛ لأننا نعشق الزهو والفخر والضحك ” ( [18]).

ومع انغلاق أفق الانتظار لدى الشخصيات من حيث هى نماذج بشرية يكون الانتظار بالنسبة لها متجددا، مرتبطا بحاجات الحياة، فإن أفق انتظار المتلقى لا ينغلق مطلقا من حيث هو جامع لكل أشكال التوقع، ومنتظر لإنتاج الدلالات النصية وهو ما يعنى أن التوقع بالنسبة له ليس منتهيا بانتهاء الرواية أو بانتهاء حكى الراوية  بعودة أشرف ينغلق أفق انتظار وفاء من حيث هى شخصية إنسانية ولكن أفق انتظار وفاء الرامزة، الحامل للرمز لا ينغلق فوفاء الشخصية قد تكتفى بأشرف ذلك الفارس الإنسانى ولكن وفاء الرمز لا تكتفى بشخصية واحدة فإذا ما افترضنا وفاء رمزا لمصر فإنها هنا أكثر امتدادا على مستوى الزمن مما يجعل منها مجالا للانتظار غير المحدد .

سميولوجيا الأسماء  و الأشياء والمقولات

أولا:  الأسماء

تضم الرواية عددا من الأسماء (أشرف داوود – وفاء – العمة – الأم – سالى أخت وفاء – أخوها – لبنى  )

يتميز أشرف ورد اسمه 429 مرة ( منها تسع مرات بالاسم الثنائى أشرف داوود ) متفردا بالمساحة وبالشكلين ( الاسم فى إفراده والاسم فى ثنائيته ) عدا ذلك فالأسماء كلها فى الرواية تتوقف عند العلامة الأولى،فإذا ما أضفنا اسم والده الوارد فى الصفحة السادسة والثمانين بعد المائة أمكننا تشكيل اسمين ثلاثيين يقفان فى المواجهة:

  • أشرف محمود داوود .
  • وفاء مسعد المتولى .

وثلاثية الأسمين هنا تحقق مستوى من التميز والتساوى، تميزهما معا فى مقابل بقية الشخصيات ورغم تعدد شخصيات الرواية وأهميتها فى سياق إنتاج الدلالة النصية تظل الشخصيتان ( وفاء وأشرف ) الشخصيتين صاحبتى  القدر الأكبر من التعاطف فمن يتعاطف مع وفاء فقط سيسبغ من تعاطفه عليها مساحة للتعاطف مع أشرف، وتمثل ثلاثية الاسم عمقا تاريخيا له وجاهته ودلالته، وتساويهما فى مساحة من مساحات التساوى أو التناسب التى تحاول وفاء إحداثه طوال الرواية، الأسماء هنا تمثل مرجعية أو مساحة للانتماء إلى ذات لها طبيعة خاصة ، ثم تأتى الأسماء فى دلالتها الرمزية تأسيسا على صيغة الاسم فالوفاء مصدر يليق بالشخصية ( اعتمادا على أن المصدر جامع لكل معانى  ما يشتق من المصدر من صيغ ) مما يجعل من شخصية وفاء جامعا لكثير من المعانى تنضاف إلى طبيعتها الأنثوية ذات الثراء الدلالى بطبعه، فالمرأة أكثر ثراء دلاليا فى مقابل الرجل والقرية أكثر ثراء فى مقابل المدينة والشخصية كلما كانت أقرب إلى الطبيعة منها إلى المغاير للطبيعة كانت أقوى دلالة وأكثر ثراء فإذا ما كانت المرأة بطبعها رمزا للحضن الأمومى والطبيعة وكانت أصلا من أصول الخلق الأولى كانت قادرة على أن تمنح النص مساحة متميزة من الرمز، من هنا كانت مساحة الرمز فى شخصية وفاء فى مقابل مساحته فى شخصية أشرف ( لاحظ أن أشرف اسم تفضيل أى مشتق من مشتقات المصدر ) إن مساحة الصراع أو المنافسة بين الشخصيتين تبدأ من صيغة الاسم وتنطلق إلى عمق التأويل فى اتجاهين، اتجاه للماضى وآخر للمستقبل أو اللحظة الراهنة الاتجاه  الأول يتمثل فى ثلاثية الاسمين وكيف تنتهى إلى أسماء ذات طبيعة شعبية لها مرجعيتها الشعبية سواء المرجعية الدينية فى اسم داوود والمرجعية الشعبية الدينية أيضا فى المتولى ( سيدى المتولى أحد المتصوفة المعروفين فى مصر له ضريح ويطلق اسمه على عدد من الشوارع فى كثير من المدن المصرية وخاصة فى الدلتا وفى القاهرة والإسكندرية والمنوفية و الإسكندرية وحدها تستأثر بإطلاق الاسم على عدد من الشوارع )، وأما الاتجاه الثانى فيتمثل فى رؤية كل منهما للمستقبل فوفاء أصبحت مستقبل أشرف بعدما توالت عليه الأحداث، وهما معا فى حالة بحث دائم عن فرصة لحياة أفضل قفز اشرف قفزة غير محسوبة تماما لمستقبله معتمدا على منجز والده فسقط وكان عليه أن يبدأ من جديد معتمدا على نفسه ( وفنيا كان مطلوب أن يموت الأب تحقيقا للمقولة الشهيرة: إذا فقدت أخاك فقدت ذراعك، وإذا فقدت أباك صرت رجلا )، ووفاء على ما هى عليه من الثبات النفسى كان عليها أن تبدأ من جديد مع اختلاف موت الماضى أو المرجعية حيث تموت الأم أخلاقيا عبر علاقتها بالضابط الكبير ( مدحت العويسى ) وهو ما يضعها فى مأزق أخلاقى:” انتفخ وجهي، شـعرت بوجنتي كجمرة النار… ما سمعته الآن لا يمكن أن يكون حقيقة…لابد أنه حلم من أحلامي…بالطبع حلم من أحلامي…وانهار صرح مبادئي بسرعة مذهلة فمعلمتي خائنة إذن!

من رسخت بداخلي مبادئ فارغة هي في الحقيقة منافقة ومخادعة!” ([19] )، والواقعتان (موت والد أشرف المادى، وموت والدة وفاء المعنوى ) يؤسسان لدلالة أخرى تشير إلى غياب الجيل السابق وفقدان جيل وفاء وأشرف القدوة (وهى واحدة من أهم القضايا الخفية فى النص والتى التقطتها الساردة بذكاء كبير ) يؤكد هذا سلبية الشخصيات الأخرى الممثلة للجيل السابق:

  • والد أشرف، خائن زوجته:” والدى كان متعدد العلاقات ولم يزل متعدد العلاقات ” ( [20]).
  • والدة أشرف السادرة فى كذبها، المزورة لتاريخه:” تزوير التاريخ هو الانتقام الأمثل… والدكتور محمود داوود ليس هنا للدفاع عن نفسه أو للإفصاح عن رغبته في الزواج بأخرى وتطليق أمي للأبد، وبما أن الحظ قد أعطى لأمي هدية لا تعوض، واستجاب لرغبتها الأخيرة، فهي سوف تعيش بقية عمرها تزوّر تاريخه وتصنعه وهو يتقلب في قبره، ويصرخ: أكرهك يا ليلي، وهي تقول من بين دموعها: كان يعشقنى، مات بين ذراعي.

وتبتسم وتبكي وتشكر القدر وتكذب على الزمن، وما أجمل الكذب! عذب ومريح ومقرمش كالفستق تماماً!” ( [21]) .

  • والد وفاء وسلبيته و خيباته المتعددة وغياب إحساسه بما يدور وراء ظهره .

لقد كانت وفاء وأشرف شاهدتين على هذا الضياع للقدوة أو سقوط الجيل الأقرب وأن ما تبادله الاثنان من معلومات السقوط كان كافيا لإدراك حجم المأساة الإنسانية (يكفى الإشارة إلى اكتشاف وفاء لعلاقة الأم بالضابط، و معاينة أشرف للمشهد الأكثر إثارة بين والده ووالدته فى مفتتح الفصل السادس ص 179)، وهو ما يجعل من الاثنين شاهدى إثبات على عمق القضية وما كان له أثره فى نفسية كل منهما، وقد جعل ذلك من وفاء شخصية ذات بعد نفسى أعمق تجلى فى جانب البوح الذى كان له أثره الفنى النص نفسه ويلاحظ:

  • الاعتماد على ضمير المتكلم .
  • الاعتماد على ضمير المخاطب ولجوء وفاء فى كثير من المواضع إلى الاحتماء بأشخاص خارج النص / متلقين تحاول استمالتهم إليها، تتكئ عليهم إنسانيا: ” ولكنكم تعرفون أن الدنيا غادرة! لماذا تُتهم بالغدر؟ لابد أن هناك سبباً ” ( [22])، ” هل تفهمون قصدى ” ( [23]). 

لقد تآلف أشرف ووفاء لأن كل منهما وجد فى الآخر عالمه المفتقد وأحلامه التى راحت تتهاوى أو كادت، وفاء رفضت علاقة الأم وقبلت علاقة أشرف بلبنى لأن الأولى كانت فى الخفاء وادعت الأم فى   العلن خلاف ذلك، فى حين كانت علاقة أشرف واضحة لها ما يبررها .

ثانيا: الأشياء

تتعدد الأشياء ذات الوظيفة فى الرواية  يأتى الفستق فى مقدمتها وتتلوه مجموعة من العناصر الأكثر دلالة، من أهمها: كراسى الصالون – الرسائل – ألعاب أشرف – لمبات الصالة المحترقة ومعها الكبس الأساسى المحترق أيضا .

بداية تسجل الأشياء فاعليتها الأولى عبر الظهور فى العتبة الاستهلالية ( العنوان ) بصيغة المضاف إليه للعنصر الأول المضاف ( بائع ) حيث تأتى مفردة الفستق عنصرا يفرض سيطرته الدلالية منذ البداية ويطرح نفسه بوصفه شريكا فعالا فى إنتاج النص، وهو ما يتأكد عبر مقاربة عدد من أشياء النص التى تجعلنا لا نتوقف عند أشياء النص بقدر ما نرى نص الأشياء . 

لمبات الصالة المحترقة  كان لها أثرها فى الكشف عن لحظة فارقة، يتخلص فيها العالم من ثباته ومن أشيائه القديمة التى لم تعد تحتمل تيارا قويا، أشياء أساسية لها تأثيرها ( لا حظ احتراق أحد الأكباس الأساسية للشقة ) وعجز أهل البيت عن التصرف ليجئ أشرف بوصفه مخلصا:” وظهرت الحيرة على أمى، وعلى أخى، وحتى على أبى، حتى قام أشرف وتطوع بإصلاح الأكباس وتغيير اللمبات ” ( [24]) وهى اللحظة نفسها التى حدث فيها فعل التغيير فى حياة وفاء نفسها وربما لم يكن للنص وجود لولا هذه اللحظة ولتأكيد ذلك نطرح التساؤل: ماذا كان يحدث لو لم ينقطع التيار ؟ .

الرسائل لعبت دور وسيلة التواصل بين أشرف ووفاء ولكنها خلقت مجالا فنيا آخر تمثل فى أنها لم تكن موجهة لأشرف بالضرورة بقدر ما هى موجهة للمتلقى للآخر خارج النص مما يجعل منها وسيلة من وسائل وفاء لتنبيهنا نحن أكثر من تنبيه أشرف، يكفى التوقف عند واحدة منها:” لاحظت الاهتمام المضني بالتفاصيل الذي يبتلع عقل كل مصري.  كلنا نعشق التفاصيل..حتى في الكلمات، كلنا نقرأ ما بين الحروف” ([25] )   .

 الألعاب لدى أشرف كانت تمثل نوعا من التعويض للواقع المعيش، وسيلة هى للتخلص من الواقع، واقعه الخاص لتكشف عن حالة من التخلص من العالم وتفسر جانبا كبيرا من طبيعة البعد النفسى لديه، لقد فقد أشرف الكثير أو عانى الكثير من غربته ووحدته، وعندما لم يستطع السيطرة على حياته لجأ إلى الريموت كنترول ليحقق ذلك وهو ما يفسر لجوءه إلى الألعاب:” فقد اعتاد الوحدة وأدمن اللعب.  اعتاد الوحدة منذ كان طفلاً منطوياً خجولاً وأدمن اللعب منذ كان مراهقاً وتعلم أن حب المرأة ليس فنّاً بل علماً.  وبما أنه كان طفلاً مختلفاً، مصريّاً في المدارس البريطانية، فلم ينجح في اكتساب الصداقات، ولكنه نجح في اكتساب الصديقات.  وكانت متعته أن يلعب بالسيارات والنساء.  ولكنه كان قليل الصبر يسأم النساء سريعاً، ولا يسأم أبداً السيارات واللعب.

عندما كان يسمع صوت أمه تصرخ وتبكي كان ينكمش في حجرته بدلاً من أن يعانقها، ويبدأ في اللعب بسياراته ودباباته وطائراته، ويشنها حرباً على كل البشر، ودائماً يكسبها! ” ( [26]) .

  الصالون المذهب يمثل سيطرة القديم الذى يكاد يبتلع كل شيئ:” الصالون المُذهَّب والمقاعد العملاقة التى يشعر الإنسان بأنها تكاد تبتلعه في أي لحظة ” ( [27]) تتكرر مفردة الصالون فى النص ( 21 مرة، 7 مرات منها موصوف بالمذهب ) وفى المواضع التى لا ترد فيها الصفة فالمتلقى مدفوع بأثر الصيغة الأولى أو الصفات الأولى ( نعنى الصفات الأولى التى  تتصدر مرات ظهور الشيئ فى النص والتى تؤثر على المتلقى طوال تعامله معها حيث يحملها الخيال وتعيها الذاكرة ) ومواضع التكرار كلها تحيل إلى الصالون المذهب هذا سواء ذكر الصالون أو ذكرت حجرة الصالون فإنها فى كل مرة تأخذنا إلى الشيئ نفسه ويمكن إسباغ الصفة عليه ما عدا مرة واحدة تغيب فيها هذه الصفات ( المرة التى يوصف فيها صالون شقة أشرف حيث توصف الحجرة بحجرة الصالون الحديثة – ص 84 من الرواية – ليتخلى المتلقى فيها عن الصفة الراسخة قبل أن يعود إليها ثانية ، ويمكن للمتلقى رصد الطاقة الرمزية للصالون المذهب تلك التى تعدد وظائفه الدلالية، إضافة إلى حالة التزييف الراسخة فى الصالون وامتداده الدلالى ( [28] ) ويكفى الإشارة إلى الاستعارتين  عميقتى  الدلالة اللتين  ابتكرتهما وفاء: الأولى للتعبير عن حالة الزيف التى أجبرتها على الثورة على عمتها أولا :” وشعرت برغبة شديدة في الضحك في جفاء، فبينما الكل يتكلم عن أصول الصلاة وشكليات المراسم كنت أرى القشرة الرقيقة المزينة والتي يكمن تحتها العفن القديم قدم التاريخ والآثار. كنت أرى صالونًا مذهَّباً، ذهب قشرة،  وعمتي كانت سيدة مفترية على أولادها وأزواجهم، أما أمي..فلا أريد أن أتكلم عنها.  وللحظة أصابتني نوبة من الغضب العارم واليأس المدمر، ولا يوجد شيء يدمر أكثر من اليأس، فقلت في ازدراء: اسكتي يا عمتي! ( [29])، والثانية تربط فيها بين ثلاثة عناصر لها أهميتها:الصالون المذهب و العمة ومصر، وهى عناصر تمتد الدلالة فيها منتقلة من الصالون بكل ما يدل عليه إلى مصر مرورا بالعمة بكل ما تطرحه شخصيتها من دلالات:” وأصبحت مصر في خيالي هي عمتي علية تجلس على الأريكة المُذهَّبة وسط حجرة الصالون المُذهَّب، وفي يدها الكثير من المفارش، وكنت أشم رائحة البخور الممتزجة بالنفتالين والطبخ القديم.  وكانت هذه هي مصر.” ( [30]) .

ثالثا: مقولات النص وأسئلته

يتحرك النص فعليا عبر ثلاثة أمكنة أساسية، ورغم أن الساردة لا تغادر مصر، فإن مصر لا تتصدر وإن تصدرت المشهد فإنها ضلع فى مثلث منفرج الزاوية ( مصر وبريطانيا وأمريكا ) ولكن هذه الحركة محكومة بخصوبة خيال الساردة ( وفاء ) انفتاح المكان يوازى انفتاح النص ومن ثم المراهنة على انفتاح الوعى، وانفتاح الوعى لا يتحقق إلا بقدرة النص على تفعيل وعى متلقيه، وهو ( النص ) يعتمد طرائق متعددة للقيام بهذا التفعيل، تبدأ بالأسئلة وتنتهى بها، فقد يكون السؤال شكلا نت أشكال التفعيل ولكنه فى النهاية يدفع المتلقى للسؤال، لإنتاج أسئلته الخاصة بفعل النص ” إن حاجتنا لمن يثيرون الأسئلة أكبر وأهم بكثير من الذين يقدمون أجوبة لا تشفي غليل السؤال، هكذا يمكن القول: إن إثارة الأسئلة تمثل عملا لا يقل خطورة عن معطيات قد تضلل من يحاول الإجابة، فالمضلل لا يسأل، الباحث عن الحقائق هو الذي يتسلح بالأسئلة سعيا للمعرفة ” ( [31]) عند هذه النقطة يكون المتلقى قد أقام حواره الخاص مع النص ذلك الحوار الذى يؤسس بالضرورة لحوار المتلقى مع واقعه ومع لحظته وقد كان للنص الفضل فى إكساب متلقيه خبرة الحوار عبر ممارسة فعل الحوار مع النص الذى يكون عندها قد قام بدور تربوى تجاه متلقيه إذ منحه فرصة التحاور ومد له خيوط الحوار ووضع فى يده أدواته  .

المقولات ههنا ليست مجموعة من الحكم والمواعظ وإن اقتربت لغة من هذين الشكلين أو أخذت صيغة أى منهما، وإنما هى مقولات لا تعبر عن حاجات الإنسان اليومية، وهى أسئلة أكبر من أن تطرح لصالح الإنسان من حيث هو فرد وإنما من حيث هو جماعة، مجتمع، وجود ينشغل بأسئلة تتجاوز الواقع وترتفع بالإنسان ليتجاوز اللحظة طارحا أسئلة المستقبل ومن هنا لا نعول على الأسئلة المعبرة عن أسئلة الحاجات اليومية ولا نعنى بالأسئلة تلك الصيغ المباشرة المحددة المذيلة بعلامة استفهام ( وإن اعتمدنا هذه الصيغة فإنها تكون أكبر من مجرد طرح سؤال بهذا الشكل المباشر ) إنها مقولات وإن بدت خلاصة تجربة فإنها لا تحيل إلى الماضى وليست مقصودة فى ذاتها وإنما هى مقصودة لغيرها تمثل فى صورة من صورها إشارات حمراء للتوقف لا من أجل أن يعبر الآخرون ولكن من أجل قراءة اللحظة لاستكمال المسيرة على نحو أكثر فائدة وأدعى لرؤية الطريق بوعى مغاير، ثم هى تكشف عن وعى صاحبها أولا ووعى الكاتب من قبله لذا تتعدد وظائفها بما يدل على ثرائها فى ذاتها وثراء النص بها وثراء الرؤية بالضرورة، ويمكننا رصد مجموعة من المقولات:

  1. المشاعر لا تخلق حضارة، بل تقتل الحضارات ([32] ) .
  2. الديمقراطية هى الحل . نحتاج أن نمنح الشعب الثقة التى انتزعت منه من آلاف السنين …..نحتاج إلى أن نرفع الوصاية عن الشعب ([33] ) .
  3. حربنا مع أنفسنا نحتاج إلى العدالة (ص 36).
  4. الرخاء كالمخدرات يسيطر على خلايا عقلك ولا تستطيع التخلص منه ” (ص 152).
  5. هناك حورات صامتة تهز جدار البيت كل يوم ” (ص 163).
  6. تزوير التاريخ هو الانتقام الأمثل ” ( ص 184).
  7. كل عصر وله جواز سفره ” (ص 204). وهى جملة قافزة تقفز من موضعها فى المتن لتتصدر الفصل .
  8. – أحارب من أجل الحرية حتى إذا كان النظام هنا لا يعجبني فسأستغله لأصل إلى مرادي.. الحرية! أتمنى يوماً أن أصرخ بما أريد دون أن أنتهي في معتقل ما في بلد ما لمجرد أنني أفكر! ( ص 242) .
  9. “سألتني من قبل كيف حال مصر! بخير. نستعمل البريد الإلكتروني الآن، وكل مدارسنا بها كمبيوتر واحد على الأقل، وكل الناس تشتري الكمبيوتر، بعض الناس لا يستعمله، ولكن الكمبيوتر أصبح يدخل البيوت المصرية، وعندنا أسواق تجارية كبيرة الآن، هل تعرف هذا؟  كل الماركات العالمية! “بالي” للأحذية و”شانيل” و”كريستيان ديور” للملابس والمكياچ. أصبحنا نقضي أمسياتنا نستمتع بكل الأسواق التجارية. أصبحنا بلداً حديثاً ومتقدماً.
  • آه..نسيت أن أخبرك..أصبح عندنا مطاعم صينية أيضا! هل ترى كيف أصبحنا بلدًا متسامحًا ومتقدمًا ويؤمن بالمساواة.
  • أصبحنا نحترم الثقافات الأخرى، ونقدرها حق التقدير، ونجرب كل أنواع الطعام حتى “السوشي” الياباني!
  • سألتني كيف حال مصر؟

مصر تفتح الباب على مصراعيه، وترحب بكل من يساهم في خطة التطوير والتقدم.  وحقًّا هناك تطور كبير في الإنتاج، وخاصة إنتاج الشيكولاتة السويسرية.

  • سألتني كيف حال مصر؟

نحن الآن في منتصف التسعينيات، وأنا أتوقع طفرة كبيرة في السنوات العشر القادمة، وأتوقع أن يمسك كل طفل مصري مصاصة مصنوعة في أمريكا، وبدلا من أن يحمل الأب المصري بطيخة إلى بيته أو كيس جوافة! سوف يحمل وجبة أمريكية من الهامبورجر، مع لعبة مصنوعة في الصين.  وسوف نتنازل عن كل العادات المتخلفة، كعروس المولد وكعك العيد..إلخ، وسوف نستبدل بكل هذه الأشياء التافهة بالآيس كريم الإيطالي، والجاتوه الفرنسي، والحلوى الهولندية.

نحن الآن، في منتصف التسعينيات، وياليتك كنت هنا يا أشرف.  ليتك ترى التغير الذي طرأ على بلدنا، وعلينا وعلى الجمعيات التعاونية التي أصبحت كلمة يستعملها الأجداد وهم يهذون.

مصر تقف على بوابة عصر جديد..وتذكر هذه الكلمات بعد عقد من الزمن.. عندما يسود الأمن والسلام العالم..

عندما يتحرر العراق، وتشتهر عمتي علية، وتصبح أفكارها عن عذاب القبر مدونة على كل حائط وجدار، عندما يأكل المصريون الأكل الصيني وينادون بمبادئ الثورة من جديد..

تذكر هذه الكلمات، وحاول أن تفهم أن مصر الآن مستعدة للفستق! ( ص 26-27)

أسئلة النص

  • ماذا تحتاج مصر الآن؟ …..ألا تعرف شيئا يسمى الكرامة … مصر كانت لديها كرامة وكبرياء، أما الآن ….. ([34] ) يأتى السؤال على لسان أشرف محددا المال احتياجا لمصر ولكن لبنى تطرح الجواب محددة الكرامة احتياجا، والحوار فى حد ذاته يطرح قضية أهمية مراجعة الدور المصرى، وقد طرح الواقع السؤال فى توقيت مواز لنشر النص نفسه ( [35] ) مما يعنى سبق النص لطرح السؤال أو على الأقل قدرته على استشفاف الراهن، وقد كان الدور المصرى مراجعة واستشراف عنوانا لمؤتمر أدباء مصر المنعقد فى سوهاج فى الفترة من 12- 15 ديسمبر 2006 متوقفا عند الدور المصرى فى كل المجالات السياسية، والعسكرية والثقافية والإعلامية والأدبية والنقدية ([36] ) .
  • هل الاستمرار فى الحياة ضرورة أم واجب ؟([37]).
  • لم يزل في مصر قوانين طوارئ؟ ( [38]).

يتحتم علينا ألا نتوقف عند السؤال فحسب، فالسؤال هنا تعبير عن موقف، أو نهاية إختزالية لموقف، وإنما علينا أن نستدرك أسباب الطرح، رابطين الأسئلة بمسبباتها فكما أنها ليست مجانية فإنها لا تطرح منفلتة عن سياق الرواية .

القراءة ذات الطابع الحضارى

تفضى بنا العناصر السابقة إلى قراءة حضارية للنص، قراءة ربما تستدعى  مصطلح صراع الحضارات فى الرواية أو التقاء الشرق والغرب عبر مجموعة من الروايات التى أخذت هذا الطابع، محققة سياقا روائيا كان له شهرته فى سياق الرواية العربية ([39] )، القراءة الحضارية هنا تتأسس على عدد من العناصر، من بينها:

  • الجدال الحضارى بين الثقافات، وهى الفكرة الأقرب لفكرة الصراع بين الحضارات أو الصراع الحضارى المحدد بين الشرق والغرب بوصفه الفكرة الأكثر تداولا، فالرواية من جهتها لم تقدم هذا الصراع بصورة تقليدية بأن تجعل الحركة السردية دائرة بين أبطال غربيين وآخرين عرب، لقد جعل الصراع قائما بين أبناء القومية الواحدة ممثلا فى أشرف من ناحية وأبناء عائلته ومعهم لبنى بوصفها النموذج الطليعى أو النموذج الأقرب لطبيعة عقلية ذلك الرجل القادم من ثقافة أخرى .
  • فكرة الطبقات أو الطرح الاجتماعى: إذا كان أشرف نموذجا لطبقة رجال الأعمال الأغنياء، فإن لبنى تمثل النموذج المضاد فإذا أضفنا إليهما وفاء وأسرتها أصبح لدينا مستويان: أولهما:مستوى التغير المضاد ممثلا فى أشرف الذى يقف فى أعلى الطبقة الاجتماعية ويسعى لامتلاك الطبقة الأقل، وهو ما يترجم فى تعلقه بلبنى متجاوزا طبقته وتقابله لبنى المتطلعة إلى أشرف وإلى طبقته مخفية ذلك التطلع فى أفكارها التقدمية ولكنها تنتهى بزواج عولمى تعترف به أو تبوح به فى أمريكا عند لقائها الثانى بأشرف: ” همست من جديد وهى تدخن سيجارتها: اعتراف … تزوجت زميلى … أتتذكره … الصحفى العراقى … أول رجل فى حياتى ” ( [40] ) وهو زواج كما أنه يدلل على طبيعة لبنى بتوافقها مع مهند العراقى، فإنه يكشف وجها آخر من وجوه المجتمع العربى ويفتح الوعى على زاوية جديدة من زوايا القهر العربى، ليشكل الزوجان ثنائيا عربيا مطاردا يجد نفسه فى أمريكا بوصفها أرض التغيير:” هو يريد تغيير كل شيء…. بداخله نفس غضبي ونفس…. أشرف أنت تعرف حال العراق…زوجي ضد النظام.. زوجي عانى سنوات، تعَّذب في المعتقل…قتلوا أمه، أتصدق هذا؟ المخابرات دخلت بيته تبحث عنه بعد خروجه من المعتقل، وعندما لم يجدوه قتلوا أمه. بالطبع يكره النظام والقائمين عليه. نظام ظالم بربري. ألم أقل لك من قبل، خرج من المعتقل رجلاً لا أعرفه.  مهند زوجي سوف يغَّير شيئاً…هو الأمل في الغد….  سيعود يوماً إلى بلاده ويكون له شأن هناك…. هو يستحق بعد كل الذي عاناه، يستحق أن يكون له شأن في العراق..أتفهم ما أقصد؟ ” ( [41]) ويتجلى التعارض أو الطريقين المتعارضين عبر نهاية كل من لبنى وأشرف فى مرحلة من المراحل هما فى  أمريكا، هى تدرس للحصول على الدكتوراه فى دراسات الشرق الأوسط، وهو يبحث عن فرصة أفضل بعد انهياره الاقتصادى فى بريطانيا تصعد لبنى اقتصاديا واجتماعيا ويهبط أشرف على كل المستويات ومن ثم تكون العودة إلى الوطن الحبل الأخير للنجاة، نجاة رجل محطم يعود إلى المرأة الوحيدة التى أحبته لذاته ومن هنا تتجلى تلك الرحلة المضادة للتغيير، وثانيهما: مستوى الثبات الاجتماعى ممثلا فى المجتمع المصرى، فى أسرة وفاء وأفرادها وما نلحظه من مستوى ثابت يجعل الأسرة لا تتطور مقدراتها وهو ما يؤكد ما طرحناه حول المقارنة بين ما أطلقته ثورة يوليو وما يطرحه الواقع الراهن  .
  • الصراعات الخفية بين الأشخاص من حيث هم نتاج ثقافة بعينها وهم

أبناء مجتمع له طبيعته الخاصة وهو ما يكون له أثره فى التغير الاجتماعى  وآليات التطور ومساحات التخلف ومعاييره، ويكفى الإشارة إلى شخصية العمة من حيث هى شخصية تبدو ثانوية ولكنها مؤثرة فى السياق ويمكن رصد تأثيرها على وفاء بوصفها رمزا لجيلها (راجع ما أشرنا إليه سابقا عند الحديث عن الاستعارة والامتداد الدلالى )

النهاية الامتدادية

ما بين العتبات والنهاية ومرورا بالمتن بكل ما يضمه من أحداث عالم النص والشخصيات، يأخذ النص شكل البيت الذى تدخله  وتتداخل معه البيت ذو البابين تدخله من واحد لتخرجه من الآخر من النهاية تلك التى إن كانت تعنى انغلاق النص فإنها فى الآن نفسه تعنى انفتاح عالم آخر ليس موازيا للنص بقدر ما هو ناتج عنه، وما بين الاستهلال والنهاية تغيرت كيمياء المتلقى تأكيدا لنجاح النص وتطويرا لرحلة  التلقى:” رحلة القراءة تبدأ من العتبة إلى النهاية وإذا كانت العتبة تجذب للدخول فإن النهاية ليست دائما تطرد دافعة للخروج وإنما يأتى النص بمثابة المنزل المضيئ فى بقعة دامسة، ولحظة تنوير المتلقى المرتحل فى النص ومعه هى لحظة وجوده بين تفاصيل المكان وعند الخروج هو أمام واحدة من ثلاث نهايات تعتمدها النصوص السردية  ” ([42] )، وتتحدد النهايات بالأنواع التالية:

  • نهاية امتدادية: يمتد فيها تأثير النص وما ينبعث منه من أضواء ليميط اللثام عما أصابته عتمة الواقع .
  • نهاية ارتدادية: يجد المتلقى فيها نفسه مدفوعا للارتداد للنص لفك مغاليقه .
  • نهاية انغلاقية: ينتهى فيها تأثير النص بمجرد الوصول إلى بابه الأخير . ( [43] ) .

وواضح أن الرواية تنتهى النهاية من النوع الأول فانت لست فى حاجة للعودة للمنغلق منها ولا تنغلق دلالاتها فور انتهاء القراءة وإنما تمتد آثارها لتعلن أنك بعد القراءة لست أنت قبلها وأن النص فى بساطتها يتسم بالثراء، إن مسارات التأويل التى تتشكل لدى المتلقى تقوم بوظيفة ذات فعالية كبرى وظيفة دفع المتلقى لإثارة أسئلته بفعل النص، محاولا اكتشاف كنه وفاء وأشرف والعمة والأم وغيرهم من شخصيات نجحت الكاتبة فى تحريكها على مسرح الأحداث، وعبر مساحة من الكون تجعل من هذه المسارات خطوط كنتور تتقاطع على خريطة العالم مشتملا  مسرح أحداث بمساحة ثلاث قارات .

إن مساحة من وعى الكاتبة كانت وراء نص بسيط إلى حد التعقيد وعميق إلى حد البساطة وثرى حد الغنى، يؤكد موهبة صاحبته ويؤكد حقنا أن نستعيد لحظة من تراثنا العربى كانت العرب فيها تحتفل بمولد شاعر جديد لنحتفل بمولد روائية جديدة وجادة، تعرف طريقها بقوة وتقدر فنها بالقدر الذى يمنحها الفرصة لإنتاج نص ينضاف إلى سياق الرواية العربية بكل قوة .

 ……………………….

هوامش وإشارات

[1] – تكاد هذه المشكلة تمثل إحدى أهم مشكلات التلقى العربى حيث المتلقى يتعامل مع النص مفعلا منطقه  هو لا منطق النص متناسيا أن للنصوص منطقها وقوانينها الخاصة، وهو ما تسبب فى إهدار قيمة الكثير من النصوص وليس أدل على ذلك من إعراض الكثيرين عن أعمال عميد الرواية العربية نجيب محفوظ وقد طبق بعضهم هذا المنطق على كثير من أعماله، وهو ما يفضى بالدرجة الأولى إلى قضية أخطر تتمثل فى فقدان الأدب قيمته ومن ثم فقدانه فاعليته ودوره فى مجتمعنا العربى المعاصر .

[2] – د. ريم بسيوني من مواليد الإسكندرية ، ليسانس آداب قسم اللغة الإنجليزية من جامعة الإسكندرية و حصلت على الماجستير والدكتوراه فى علم اللغويات من جامعة أكسفورد البريطانية. تعمل أستاذة فى الأدب واللغة فى جامعة يوتا الأمريكية .تكتب القصة والرواية باللغتين العربية والإنجليزية. صدرت لها رواية : رائحة البحر- دار البستانى للنشر والتوزيع – القاهرة 2005.

[3] – نرى دائما أن العلاقة بين العنوان والنص هى علاقة المبتدأ ( العنوان ) بالخبر ( النص ) حيث يفضى الأول إلى الثانى، ويخبر الثانى عن الأول مميطا اللثام عن مغاليقه وممهدا لبناء دلالاته وإنتاجها، ومن ثم نرى أن تأويل مثل هذا العنوان ( بائع الفستق ) بأنه خبر لمبتدأ محذوف مقدر هو نوع من إغلاق النص أو ممارسة نوع من الإنغلاق عليه مما يجعله ( النص ) منكفئا على نفسه أكثر مما هو فاتح للدلالة . راجع : مصطفى الضبع : استراتيجية المكان – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1998.

[4] – نعنى بالقارئ الأول الفنان التشكيلى مصمم لوحة الغلاف  تبعا للنسق الثانى من أنساق اللوحة  التى تتبع نسقين لا ثالث لهما : نسق اللوحة المنتجة مسبقا وتدخل الناشر أو المؤلف – بتأثير علاقة متخيلة بينها وبين النص –  فى إدراجها فى سياق الرواية، والنسق الثانى نسق اللوحة المنتجة خصيصا للنص حيث يوجد هناك فنان تشكيلى يقرأ النص وينتج بتأثيره لوحة تتصدر غلافه،  وفى معظم الأحوال لا تخلو اللوحة من أشياء الرواية التى أخذت مكانها فارضة نفسها على مصمم اللوحة لتتبوأ هذه المكانة ولتأخذ مساحة من خياله يكون لها الأثر الأكبر فى خيال المتلقى ومن ثم تدخل بصورة فعالة فى خيال النص أو الخيال المشكل بفعل النص . راجع : مصطفى الضبع : الأشياء وتشكلاتها فى الرواية العربية – حوليات كلية الآداب – جامعة الكويت – الكويت 2002.

[5] – تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض مصممى الأغلفة يقعون فى فخ المباشرة ويترجمون بعض التيمات فى النص ترجمة حرفية تشكيليا إن صح التعبير وهو ما حدث فى بائع الفستق حيث جاء الغلاف مباشرا  إلى حد كبير وخاصة فى بعض الموتيفات التى يتضمنها الغلاف ومنها : الوثائق الرسمية التى أخذت مساحة من الغلاف (جواز سفر مفتوح – جوازا سفر مغلقان ليس هناك فارق بينهما مما يدخلهما فى سياق المباشرة ) بالطبع يكون من حق المتلقى مناقشة لوحة الغلاف بوصفها عنصرا من عناصر النص المؤثرة فى تلقيه والخالقة نوعا من أنواع الانطباعات الأولى عنه، قد تؤدى فى بعض الأحيان إلى التأثير سلبيا  فلا تكون  عميقة بقدر ما فى النص من ثراء وعمق .

[6] – ريم بسيونى : بائع الفستق – مكتبة مدبولى – القاهرة 2006 – ص 5.

[7] – بائع الفستق ص 7 .

[8] – بائع الفستق  ص 151.

[9] – بائع الفستق ص 265.

[10] – بائع الفستق ص 9.

[11] – بائع الفستق ص 9.

[12] – بائع الفستق ص 273.

[13] – بائع الفستق ص 210.

[14] – بائع الفستق ص 273.

[15] – بائع الفستق ص 275.

[16] – بائع الفستق ص 16  والتشديد من عندنا .

[17] – بائع الفستق ص 269.

[18] – بائع الفستق ص 263-264.

[19] – بائع الفستق ص 116.

[20] – بائع الفستق ص 122.

[21] – بائع الفستق ص 184.

[22] – بائع الفستق ص 115.

[23] – بائع الفستق ص 65.

[24] – بائع الفستق ص 9.

[25] – بائع الفستق ص 43.

[26] – بائع الفستق ص 67.

[27] – بائع الفستق ص 18.

[28] – نعنى بالامتداد الدلالى تطابق الدلالة بين صورة واقعية وصورة متخيلة مما يخلق امتدادا لدلالة عنصر فى الواقع إلى حدود حالة معنوية يربط بينهما مراقب أو معاين يعى المشهدين أو العنصرين .

[29] – بائع الفستق ص 169 والتشديد من عندنا .

[30] – بائع الفستق ص 258.

[31] – د. مصطفى الضبع : أسئلة الناقد – مجلة فصول – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، يوليو 2002.  والدراسة منشورة الكترونيا على الرابط :

http://ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=1531

[32] – بائع الفستق ص 14 .

[33] – بائع الفستق ص 35.

[34] – بائع الفستق ص 36.

[35] – صدرت الرواية فى أوائل شهر ديسمبر 2006.

[36] – راجع وقائع المؤتمر على موقع مؤتمر أدباء مصر المنبثق عن موقع الهيئة العامة لقصور الثقافة :

http://www.gocp.gov.eg/menu.htm

[37] – بائع الفستق ص 111.

[38] – بائع الفستق ص 276.

[39] – نعنى تلك الروايات العربية التى صورت ذلك الصراع بداية من أديب طه حسين ومرورا بعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم والحى اللاتينى لسهيل إدريس ، وموسم الهجرة للشمال للطيب صالح وغيرها من الروايات العربية الموسومة بهذه السمة .

[40] – بائع الفستق ص 240.

[41] – بائع الفستق ص 240.

[42] – د. مصطفى الضبع : المغيب والمجسد – رابطة الأدباء – الكويت 2000 – ص 48.

[43] – السابق نفسه .