سيرة الاختباء (1)

ممدوح رزق

لماذا “سيرة”؟. لأنها أقرب ما يمثل زمنًا شخصيًا محكومًا بطبيعة معينة داخل ما تعتبره الذات تاريخًا عامًا، بهذا فإن “أقرب” هو الباب الخلفي المفتوح طوال الوقت لمراوغة وتخطي اليقين المحتمل لـ”السيرة”.

لماذا “الاختباء”؟. لأنه الشيء الأساسي الذي أردت تحقيقه والتمسّك به منذ اليوم الذي دخلت فيه “منتدى عروس النيل الأدبي” بداية التسعينيات، وحتى اللحظة التي أكتب فيها الآن. منذ المرة الأولى التي حضرت فيها “ندوة”، والتقيت بـ “أدباء” كي “أقرأ محاولاتي القصصية” أمامهم وأنا ما زلت طالبًا في المرحلة الإعدادية، وحتى التوقف بعد ما يقرب من ثلاثين سنة عن حضور الندوات، والامتناع عن عقد مناقشات أو حفلات توقيع لأعمالي، والاتجاه منذ فترة لنشر كتبي إلكترونيًا عدا الاستثناءات المحتومة، الاختباء الذي طالما أثبته كل “ظهور”، ولم يفارقه مطلقًا الوعي بأنه بديل عدائي لما هو أكثر استحالة أي “الاختفاء”، أن تكافح من أجل الاختباء بكل ما يضمره من تمنّع ومشقة وخسائر؛ فهذا يعني أنك تستوعب جيدًا عدم القدرة على بلوغ الغاية الأصلية؛ أي أن تختفي تمامًا.

في فيلم Sideways ((2004 إخراج ألكسندر باين؛ يقول مايلز (قام بدوره بول جياماتي)، لصديقه جاك (قام بدوره توماس هادن تشورتش)، وكانت وكيلته الأدبية قد أخبرته للتو برفض جديد من الناشرين لروايته الأولى: “لقد انتهيت.. أنا لست كاتبًا، أنا مجرد أستاذ لغة انجليزية للإعدادي.. العالم لا يهتم البتة بما لدي لأقوله.. وجودي ليس ضروريًا.. أنا تافه لدرجة أنني لا أستطيع حتى أن أقتل نفسي.. لقد انتهى نصف حياتي، وليس لدي شيء يعبر عنه، لا شيء”. 

تبدو تلك الكلمات كأن موضوعها ما تم الاعتياد على تسميته بـ “الاعتراف الأدبي”.. ماذا يعني هذا الاعتراف؟.. كيف يتم الحصول عليه؟.. من هم الجديرون بمنحه؟.. ما هي السياقات المختلفة التي لابد أن يمر من خلالها؟.. هل تنبع الرغبة في حيازته من ضرورة ذاتية للكاتب، أم نتيجة إلحاح قهري متواصل للجماعة الأدبية التي تحاصره، أم أن مصدرها تواطؤ ضمني بين هذا وذاك؟.. كيف تتغير صور المطالبة بهذا الاعتراف سواء فيما يتعلق بالكاتب أو بالواقع الذي لا يتوقف عن فرض الانتماء حتى على أكثر الرافضين له والساخرين منه؟.. لماذا يجب الحصول على الاعتراف أصلًا؟.

من ضمن ما أركّز عليه في المحاضرة الأخيرة بورشتي القصصية هو تذكير أولئك الكتّاب الذين يقطعون خطواتهم الأولى بألا يسمحوا لأحد ـ مهما كان ـ أن يفرض وصايته عليهم: “إذا كنت خلال زمن الورشة بمثابة الصوت المغاير في أذهانكم، الذي يخلق إمكانات جامحة لكل نص في مرحلة العمل على جميع مستوياته، بحيث تكون هذه الاحتمالات جزءًا من حريتكم في الكتابة؛ فإن التهكم هو الطريقة المثالية لمجابهة كل من يحاول أن يقلل من شأن قصصكم بعد نشرها، أو يحاول إخضاع أعمالكم المستقبلية لأوهامه الخاصة باعتبارها الحياة والموت سواء كان يقينًا أخلاقيًا، أو سياسيًا، أو أسلوبيًا على سبيل المثال”.

دائمًا ما أفكر بعد انتهاء هذه المحاضرة في أن هؤلاء إذا ما استمروا في الكتابة، وتزايدت حدة “الجموح” في قصصهم بمرور الوقت، وتضاعفت لامبالاتهم تجاه السائد والمضمون، وظلوا مقيمين في هذه المدينة بعيدًا عن مكان قد يمنحهم الوضعية الملائمة للحماية والتعويض؛ فإن هناك ثمنًا بالتأكيد سيستمرون في دفعه.. إنه أمر أشبه بقانون قطّاع الطرق.