رجال حول مي

حسن عبدالموجود

قرأت «نحت متكرر» «وخيانات ذهنية» و«دنيا زاد» ووقعتُ في غرامِها، وغرامِ كاتبتِها، وقلتُ لنفسي وقتها إنها أعمال أنيقة راقية، يجب أن تعرفَ مكانَها جيداً في المكتبة لأنك ستعودُ إليها مرة أخرى، وكعادتي عندما أحبُّ كاتباً كوَّنتُ صورة لمي التلمساني، لكني احتجتُ إلى حقبتيْن لأختبر صدقها، صدق صورتي عنها.

كانت أعمالُها مزيجاً من التجارب الذاتية الجميلة، والموضوعات الجديدة، واللغة الخاصة، وتركتْ في نفسي انطباعاً آسراً، برائحة مميزةٍ قويةٍ وغريبةٍ على المزاج السائد، سواء على مستوى قصص المجموعتين، أو الرواية. كان الأمر شبيهاً باختبار فاكهة جديدة، واكتشاف مذاقها الحلو، لكنني، مع هذا، لم أسع للتعرف على كاتبتها، ربما لأنها كانت بعيدة على الدوام، ربما لأنني فكرت أنها تعزل نفسها داخل أسوار مجموعة محددة وضيِّقة من الأصدقاء، وربما لأن شيئاً ما في حواراتها وشهاداتها وكتاباتها عزلها، داخل عالم الطبقة الأرستقراطية، وكان حماسي يفتر باطراد تجاهها، لأنني أنا الذي كان يتوه في شوارع وسط البلد، ربما أضل طريقي إلى الأبد وأنا أطاردها في «هليوبوليس»، لكن أسامة فاروق كان يخدش صورتي عنها، فقد كان مدهشاً أنه يتحدث عن «شخصية بسيطة للغاية»، وأفكر، مع هذا، أنها «تلك البسيطة التي حجبت نفسها بحجاب الأصدقاء والعائلة والجامعة»، فقد كانت بعيدة، وبالتالي قررتُ إبقاءها في حيِّز كتَّاب قليلين أحببتُ أعمالهم ولكنني لم أعرفهم، وقد مر زمن، دون أن تحدث المصادفة ويجمعنا لقاء، وكانت الحوارات عنها حتى مع أقرب أصدقائها وأصدقائي، منتصر القفاش، تأتي عابرة، كأن منتصر نفسه لا يريد إشراك شخص ثالث في صداقته لها ولو بالكلام.

ثم جرى ذلك اللقاء الذي أنتظره، بعد هذه الفترة الطويلة، حيث جمعنا مكان في وسط البلد، وبيتها، مرةً أو اثنتين، وفي هذه اللقاءات رأيت تلك الشخصية التي كان يتحدث عنها أسامة فاروق بمحبة واحترام، البسيطة الأنيقة المرحِّبة والكريمة.

مي تُشعِرك بأنك صرت واحداً من العائلة الكبيرة بمجرد أن توجِّه حديثها إليك، إذ تخصك بنفس الاهتمام الذي تخصُّ به الجميع حولها، فكلهم أشخاص يمثلون جزءاً أساسياً من حياتها، منتصر القفاش، بروحه التي فشل الزمن في تلوينها بالرمادي، وظلت خضراء دائماً، ووليد الخشاب، الذي يترك مسافة معينة دائماً بينكما، لا لينبِّهك إلى حدودك، وإنما ليترك لك حريتك كاملة، حرية الاقتراب أو الابتعاد، وشهاب الخشاب الذي لا تفارقه ابتسامةٌ بريئة، وهم جميعاً، منتصر ووليد وشهاب، يمثلون عائلة تفضِّل الإنصات على الكلام، والابتسام على العبوس، وفي أي مكان، في مقهى، في كافيه، في بيتها، تبدو مي وسط رجالها، الصديق، والأب، والابن، مثل ماسة تُزين عقد اللؤلؤ، لكنها كذلك، وهذا هو الأهم، خيط يلضمُ الجميع، ويُبقي العلاقة بينهم في حدودها الآمنة، كأن مي في محيطهم شمس لن تعلن خواءها وهزيمتها قبل ملايين السنين..

وهي كذلك المؤشر على أن تلك البهجة التي تراها في وجوه الجميع لن تنضب طالما أنها تتحرك بنفس حماسها وخفة روحها، وطالما أنها تنقل نظراتها من وجهٍ إلى وجهٍ، منصتةً باهتمام، أو معلقةً باقتضاب، أو بإسهاب حينما يتطلب الأمر في بعض الحالات خاصة إذا كان واقعاً في نطاق خبرتها، وبالتالي يشعر الجميع بأنهم مشمولون برعايتها، وطيبتها، بمن فيهم أنت، رغم أنك تظهرُ للمرة الأولى في نطاق عالمها، وهكذا تبدو صورتك عنها نمطية بعض الشيء، وربما هي من عملت بدأب على تصديرها، لتحتفظ لعالمها بحدوده الآمنة، ولأنها تدرك أن توزيع محبتها على عدد قليل، أفضل بكثير من نثره على كثيرين، لتظل مي الشمس التي تشرق، طوال اليوم، على عائلتها الصغيرة.

………….

*يتناص عنوان المقال مع مقال لعباس محمود العقاد بنفس الاسم في كتابه “رجال عرفتهم”.

عودة إلى الملف