بعيداً عن عقدة الكتابة الذاتية

مي التلمساني

أنا ابنة أسرة من المثقفين تنتمي إلي الطبقة المتوسطة، تربيت في بيت يحترم الثقافة والفكر الحر، لم أنشأ في”بيئة محافظة”، ولم تكن حياتي في مصر قبل السفر إلي كندا تمثل عبئاً علي حريتي بأي شكل من الأشكال. لقد أنجزت الكثير مما كنت أحلم به في مصر، قبل الهجرة، ولم تكن الهجرة سببا في انفتاحي علي الآخر ولا سببا في تأكيد ذاتي في مواجهة الآخر كما يتصور بعض من قرأ كتاب اليوميات الذي نشر مؤخرا بعنوان “للجنة سور”. في ظني أن مسألة الانفتاح علي الآخر لازمتني منذ الصغر ربما لأني نشأت في أسرة مسلمة لكني درست في مدرسة للراهبات، وربما لأني درست لغة أجنبية عن قرب وأجدتها. هي مسألة نسبية تماماً في مجتمعاتنا، خاصة أننا شعب يتخفي دائماً، كأننا نخاف أن نظهر “انفتاحنا”. الناس يفعلون ما بدا لهم في الخفاء ويحافظون علي المظهر الخارجي فقط لإرضاء السلطة سواء كانت سلطة الأب والأسرة أو سلطة الدين والمجتمع. التحولات الدرامية صوب مزيد من التعنت والتشدد الأخلاقي والديني التي شهدناها في العشرين سنة الأخيرة سببها الجهل والفقر والفشل في صياغة حلم خاص أو عام وسيطرة السلطات الدينية والسياسية علي الناس وعلي الواقع الاجتماعي والثقافي. لكني بحكم تفاؤلي الدائم، مازلت أثق في المقاومة الصامتة، أثق في حركة التاريخ وفي قدرة الناس علي مقاومة التردي العام دون أحزاب ودون تنظيمات ودون قيادات عليا.

في تجربة الهجرة قدر من التحرر لا أنكره، لكن الديمقراطيات الحديثة تعاني هي أيضاً من بعض الأحادية في التفكير. خاصة مع سيطرة وسائل الإعلام علي الناس وسيطرة الحكومات علي هذه الوسائل. ما يحمي الناس في كندا هو القانون، وما يهزمنا في مصر هو غياب القانون بالمعني التنفيذي والتطبيقي. القانون هو ما يضمن للناس هنا القدر الأمثل من الحرية والتعايش السلمي. الفوضي تعم في مصر وتكاد تختفي هنا. من خلال عملي في الجامعة، أستطيع التعبير بحرية أكبر عن بعض هذه الأفكار، وتغيير بعض المفاهيم السلبية عن ثقافتنا العربية مع الاعتراف بمعظم سلبياتها أيضاً.

الكتابة من منطلقات ذاتية نصفها شقاء وتعب ونصفها الآخر سعادة زائلة. في جميع الأحوال، لا مفر من المتاعب. الكتابة تخلق بطبيعتها عوالم موازية، بديلة. لذلك يصعب أن نقول إن الكتابة الذاتية الجديدة التي استقرت في مصر في التسعينيات تبحث وحدها عن وجود مغاير، لأن كل كتابة بحث دءوب عن هذا الوجود. لكن هناك نوعاً من الكتاب يتخطي المعطيات المطروحة ويصنع منها فناً (بالمعني التشكيلي) وهناك نوع آخر يفرض علي كتابته أفكاراً مسبقة عن دور الكاتب الاجتماعي ودور الكتابة في تغيير المجتمع فلا يستطيع التحرر فنياً من الشرط التاريخي والنضالي. هذا النوع من الهواجس والطموحات الاجتماعية نزعت عنه الكتابة الذاتية شرعيته وأحاديته. تلك الكتابة الجديدة التي أقصدها حاولت بدرجات متفاوتة من النجاح أن تنطلق لعوالم أخري بديلة تحتل فيها الذات الواعية موقع الصدارة، ليس من منطلق أناني ولكن من منطلق نقدي، لنفسها أولاً وللجميع ثانياً بلا أدني شعور بالقداسة.

ثمة وعي بأن القسوة والسخرية من دعائم الأسلوب الجديد، يتبدي هذا الوعي بشكل مثالي من وقت لآخر في كتاباتي، في رواية “هليوبوليس”، وهي رواية نشرت عام 2000 في دار شرقيات وأعيد طبعها في مكتبة الأسرة بعد نشرها بعدة سنوات.

“دنيازاد” و “هليوبوليس” روايات سيرة ذاتية، تدعمها صيغة اليوميات الحرة في كتاب “للجنة سور”. ورغم أن لمصطلح رواية السيرة الذاتية أعداء كثيرين فإنني مازلت أعتقد في وجاهته. جزء هام من بناء الشخصية في الرواية (وفي اليوميات) يعتمد بالأساس علي شخصيات ارتبطت بها ارتباطاً مباشراً في حياتي سواء من خلال صلة القربي أو من خلال الصداقة. لا أستطيع أن أدعي أنها شخصيات خيالية بشكل بحت، بل هي جزء من واقع يعرفه المقربون مني أو يستطيعون تخمينه أو تخيله. القارئ العام ليس مطالباً بمعرفة أصل ومنشأ الشخصيات وعلاقتها بالكاتب، ولا يقلل من قيمتها الفنية في اعتقادي فكرة أنها ارتبطت بسيرة الكاتب الشخصية.

فجانب التركيب والتبديل والتوفيق والتكسير فيها كبير للغاية، حتي أن الأصل يبدو باهتا بشدة مقارنة بالشخصية المركبة التي أسعي لخلقها من خلال الكتابة. هذا فضلاً عن امتزاج أصوات كثيرة في صوت واحد أو تفكك الشخصية الواحدة كما عرفتها في الحياة لعدة شخصيات في النص المكتوب. لعبة تباديل وتوافيق لا جدال فيها تتكرر بأشكال متنوعة في الرواية الجديدة التي أكتبها الآن، لكن هدفها الأول هو خلق شخصية يتعاطف معها القاريء ويحبها.

سيرة الذات الكاتبة هي معمل من معامل تكوين الشخصيات الروائية، وإقصاؤها من العملية الإبداعية بدعوي أن الإبداع الحقيقي خيال صرف ما هو إلا مزايدة لا طائل منها. أما أن أترك الشخصيات تتكلم بحرية ويكون لها صوتها الخاص والمميز فتلك قضية أخري. عادة ما تواجه الكتاب مشكلة حقيقية في خلق الصوت المناسب لكل شخصية من خلال الحوار مثلاً، وأعتقد أنها إحدي المشكلات التي ما زالت تؤرقني في الكتابة، مشكلة الحوار. أعتقد أن الحوار يسمح بالإفلات من أسر اللغة الاستبطانية ومن الغنائية، لكني لم أفلح بعد في السيطرة عليه كأداة تعبير. مثل كل كاتب أشعر أحيانا أن حياتي ما هي إلا سلسلة من المتناقضات، الكتابة هي محاولة لتنظيمها. هي محاولة للخروج من المتاهة. تعدد الأدوار والشخصيات التي أقوم بأدائها في الحياة ومن خلال الكتابة يجعلني أسأل نفسي كل صباح من أنت؟ وكل مساء أجدني مازلت عاجزة عن الإجابة. لكني أستمتع بتلك “الحالة” لأنها طاقة حياة وطاقة إبداع تمنع تسرب الملل إلي نفسي وفي أحيان أخري تعينني علي تحمل الأسي.

 

عودة إلى الملف