أول النهار

د. محمد المهدي بشرى

   هذه الرواية لكاتبها المصري الجنسية سعد القرش تعود بنا إلى حقبة هامة من تاريخ مصر الحديث، ألا وهي حقبة المماليك وهي فترة اتسمت بالعنف والقمع، وقد أوردت مدونات التاريخ وكتبه وصفا مسهبا لا يخلو من الإثارة لهذه الفترة. ومن أهم الكتابات في هذا الصدد بلا شك هي كتابات الجبرتي. على كل يمكن القول إن الروائي سعد القرش يشتغل على التاريخ، أي أنه يعيد إنتاج التاريخ روائيا، وهذه مهمة ليست بالسهلة لأن الأمر يحتاج إلى عدة وعتاد من فنون السرد وآلياته وإلا استحال النص إلى قراءة مشوهة للتاريخ أو مجرد تكرار لما ذكره المؤلفون.

   ولكن الكاتب جاء إلى مادته بخبرة سردية ثرة استطاع بها قراءة التاريخ وكتابته بأسلوب له مذاقه وخصوصيته. ويمكن القول إن الكاتب نجح في خلق أسطورته الخاصة التي تتكئ على تاريخ المماليك، وما كان للكاتب أن ينجح كل هذا النجاح لولا قراءته المتعمقة وفهمه الثاقب لتاريخ ومجتمع المماليك، فقد عرف جيدا الكثير من تفاصيل هذا التاريخ وهذا المجتمع، ليس الصراع والحروب التي لا تنتهي بل العادات والتقاليد والغناء والزي والطعام وطقوس الزواج والمعتقد والعمارة إلخ.. فالرواية تبدأ في شهر توت والشخصية المحورية (الحاج عمران) يتذكر الطاعون الذي أهلك فلذات كبده. لكن الحاج عمران يطمئن في (يوم النقطة) في شهر بؤونة حين أرسل الله رئيس الملائكة لإسقاط نقطة من ماء النيل خميرة للفيضان لإيقاف الطاعون. وهكذا نمضي مع أسرة الحاج عمران الذي يعيد بناء قريته التي دمرها الفيضان، وتنهض القرية وأجيال من البشر تعيش وأخرى تموت، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكاتب يوظف تاريخ المماليك للحديث عن الحاضر، أي أنه لا يقصد التاريخ لذاته بقدر ما يوظفه كقناع للحديث عن الحاضر، وهذه حيلة لجأ إليها الكاتب واستخدمها ببراعة.

   وهكذا ينسج الكاتب نصه بلغة على درجة عالية من الشاعرية والعذوبة، لكن هذه اللغة ليست خصما على النص وإنما أضافت إلى النص، فقد نجح الكاتب في الإمساك بالخيط الرئيس وحافظ على الحدوتة وذلك باستخدام العديد من الوسائل السردية مثل السرد الدائري وتعدد الرواة، وغير خاف تتلمذ الكاتب على عمالقة الواقعية السحرية خاصة جارسيا ماركيث، لكن الكاتب سعد القرش نجح إلى حد بعيد في أن يشق طريقه ويبرز بصمته، لكل هذا نال نص «أول النهار» الجائزة الأولى في مسابقة زين للإبداع الكتابي في دورتها الأولى (جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2011)، وذلك عن جدارة واستحقاق.

……………………..

 * (مقدمة الطبعة السودانية التي صدرت بعد فوز الرواية بالجائزة الأولى في مسابقة الطيب صالح 2011).

* كاتب سوداني

عودة إلى الملف