أكابيللا صوت منفرد فى أنشودة عدم الرضا والتحقق

خالد منصور

فاجأ عائلته في سن الخامسة والثلاثين من عمره بترك عمله والتفرغ للرسم وفي خلال عام واحد أصبح مفلسا تماما فباع منزل الأسرة وعادت زوجته إلى الدنمارك ، كانت زوجته ترى مغامرته غير مبررة وأنانية منه فانفصل عن زوجته وعاد وحيدا إلى باريس بعد أن فقد اثنين من ابنائه.

تذكرت سيرة جوجان ذلك الفنان الفرنسى الذى هجر حياته كرب أسرة ومضارب فى البورصة إلى عالم بوهيمى يشبع رغباته الفنية بينما اقرأ رواية “أكابيلا” لـ مى التلمساني. تلك الحيرة بين النجاح حسب معايير المجتمع والنمط الأخلاقي الذى يفرضه من أسرة وعمل ودخل مناسب وبين الانسياق وراء فك القيود والحرية المطلقة خاصة إذا كان المرء يشعر بجذوة إبداعية بين ضلوعه .

الأكابيلا تلك الكلمة الإيطالية التى تعنى الصوت المنفرد المستغنى عن الآلات الموسيقية لإحداث نوع من الموسيقى اعتمدت مى التلمساني على هذا الفن فى التعبير عن شخصياتها المختلفة وإن كان الأمر ليس مونولوجا لشخصية رئيسية واحدة و لكن أشبه بالديالوج بين طبقتين صوتيتين مختلفتين وكورس يؤكد على طبقة كل منهما.

عايدة الراغبة فى كسر كافة القيود الرافضة لأى نوع من الثبات أو الاستقرار أو الجمود أمام الشخصية الساردة والتى اسمتها عايدة فى يومياتها ماهى كأن الشخصية الساردة غير راضية أيضا وتسعى إلى التماهى مع شخصية عايدة الثائرة.

” فى تلك الليلة وجدت نفسى منساقة وراء لعبة الصداقة المنقوصة كأنى لاعبة أكروبات تمشى على حبل مشدود، طرفه الأول فى يد عايدة وطرفه الثانى فى يد الظروف…. كانت آخر فكرة تحدثني بها نفسي أنى كائن غريب الأطوار وأن أطواري لا تختلف عن أطوار عايدة وأننا لهذا وذاك لسنا شخصين عاديين، لسنا مثل الناس نصو وننام على نفس الحقائق، بنفس الإيقاع. قالت لي نفسي إننا نصلح لأن نكون بطلتين فى رواية وإن صداقتنا تستحق لأنها أبدا لن تكتمل. “

تقوم علاقة صداقة ملتبسة بين عايدة وماهى يتضح أن كلتاهما ربما تنتقد حياة الأخرى إلا أنها فى الحقيقة تسعى إلى الحصول عليها بشكل ما. عايدة التى تنتقد شكل العلاقة الزوجية الثابتة بين ماهى وزوجها ولكنها تستفيد منها على عكس حسام الذى لجأت إليه عايدة ليعيد لها براءة الماضى بعد مضى 25 عامًا على قبلتهما الأولى. وماهى تسعى إلى تلك القدرة على اجتذاب الأخرين والإحساس بالحرية المطلقة حتى أنها تنجذب إلى عيوب وخطايا عايدة كالكذب والسرقة التى أدمنتهما عايدة بالرغم من تحقق ماهى حسب معايير المجتمع من زوج محب فى أسرة سعيدة وعمل مناسب والوجود فى طبقة اجتماعية راقية.

تسعى مى التلمساني إلى التأكيد على صعوبة إصدار أحكام مطلقة أو حتى الركون إلى يقين ثابت فنحن دائما فى رحلة دائمة من البحث والاكتشاف، تموت عايدة ويتبقى منها أربع كراسات يوميات لتبدأ ماهى اكتشاف عايدة بشكل آخر بل وإعادة كتابة هذه اليوميات، فتغضب ماهى أولا لنظرة عايدة لها ثم تعيد القراءة بعين عايدة فتصبح أكثر تصالحا وتفهما.

كما وجدنا ثنائية عايدة وماهى تؤكد مى التلمساني على هذا الديالوج الأكابيللى بثنائيات أخرى وهى شلة عايدة فأسامة الزوج الأول لعايدة الحبيب الدائم القادر على غفران أى شئ لعايدة يواجه حسام الذى يحبها بعقله وبحساباته ولا يمكنه مسامحتها على أى خطأ. و كريم الروائي الناجح والزوج الانتهازي متعدد العلاقات النسائية الكاذب فى حبه للنساء فى مواجهة د.عادل الملتزم أخلاقيا بحبه الصامت لعايدة ومحاولاته الفاشلة للكتابة.

وكالمعتاد فالحب هو ذلك الشعور الذى لا نستطيع فهمه أو تبريره فتتساءل مى التلمساني على ألسنة أبطالها حول إمكانية وجود حب كبير يبقى ويستمر أم انه عاطفة واحدة تتكرر ونحن من نبحث عن الأشخاص المناسبين لتكرار هذه العاطفة كما فعلت عايدة مع حسام.

       لجأت مى التلمساني إلى العديد من التقنيات كالرسائل التى نرى من خلالها الوجه الآخر لعايدة وكيف يتحول الانسان تحت وطأة الحب، والحلم لتعبر ماهى عن رغباتها وهواجسها من خلاله، وأيضا اللعب مع القارئ المتابع لأعمالها فماهى هى بطلة رواية هليوبوليس الرواية الثانية لمى التلمساني والحديث عن فقدان عايدة لأخيها يرجعنا إلى روايتها الأولى شهرزاد.

“اكتشفت فى أثناء الكتابة أن ما جذبني إلى الدوران فى فلك عايدة لم يكن فضولا، كان شيئًا أقوى من مجرد الرغبة فى المعرفة، أشد من مجرد الاحتياج إلى صديقة. ما ربطني بها وبالشلة كان أشبه بالبحث عن ملاذ من نفسي، بعيدا عن نفسي، بعيدا عما أعتبره قاموس الأخلاق والقيم الثبتة ولم يجلب لي السعادة التى أتمناها. بفضل عايدة انفتحت عيناي على اتسساعهما، ولم يعد من النظر مهرب: عايدة وحياته من ناحية، ونفسي وحياتي من ناحية أخرى، متوازيان من الفشل وعدم الرضا.”

بحثت عايدة عن صديقة تثبت لها أنها غير قادرة على الاستقرار أو الامتلاء وعودتها الدائمة إلى الفراغ وبحثت ماهى عن ملاذ لنفسها هربا من نفسها يحقق أحلام يقظتها لتصل إلى ذلك النوع من التوازن من القدرة على التحرر والإبداع والاحتفاظ بحبها وحياتها المستقرة.

الحياة مفترق طرق وعلينا اختيار طريقنا. هل ننظر إلى بول جوجان الفنان المؤسس لحركات فنية الساعى لاستكشاف المنابع الأولى للإبداع، أم ننظر إليه نظرة زوجته كزوج فاشل يتهرب من مسئولياته . هل نختار عايدة أم ماهى؟ هل يمكننا تحقيق التوازن أم أن التوازن صعب ما بين جنون المغامرة والإبداع واستقرار الحياة الاجتماعية بما تفرضه من التزامات وحسابات؟

 

عودة إلى الملف