أستاذتي مي التلمساني

د. أيمن الغندور

رقص القلم طرباً حينما بدأت أكتب عن مبدعة أتت إلينا بصحبة رجل أنيق, بعثها القدر من هليوبوليس كي تكون شمساً تضئ لنا الطريق. تركت بصمة علىّ و على أبناء جيلي من طلاب قسم اللغة الفرنسية بكلية آداب المنوفية, ما زالت أثارها موجودة حتى يومنا هذا.

لن أكتب عن مي التلمساني اليسارية ابنة البارون الاشتراكي المخرج عبد القادر التلمساني, لن أكتب عن مي المترجمة و الناقدة و القاصة التي قدمت عناويناً غير مألوفة: “نحت متكرر” و “خيانات ذهنية”, لن أكتب عن مي الروائية وتجربتها الفريدة في “دنيازاد” التي منحتها جائزتي ارت لامار(2001) و الدولة التشجيعية (2002), لن أكتب عن مي عاشقة السينما و التي كرست لها رسالة الدكتوراة و عنوانها “الحارة في السينما المصرية” و حكاية عشق متبادل توجته بفيلم تفاحة حوا المأخوذ عن روايتها “اكابيلا”. كل ما سبق يستطيع اخرون أن يكتبوا عنه بشكل أفضل مني. أكتب عن مي الأستاذة الجامعية التي عرفتها عن قرب.

لم تكن مي مثل بعض الأساتذة القاهريين الذين جسدوا نظرية ادوارد سعيد عن الاخر و تعاملوا معنا بنظرة دونية فهم أبناء العاصمة و نحن أبناء الأقاليم. استطاعت مي التي تكبرنا بأعوام قليلة أن تكسر الحواجز و القيود التي تفصل بين الأستاذ و طلابه و أن تساعدنا طوعاً على تعلم اللغة الفرنسية, واظبت عل تواجدها معنا رغم مجيئها من القاهرة, كانت تستمع إلينا و نحن نقرأ بالتناوب رواية كونديد لفولتير و تصوب أخطاءنا في نطق اللغة. مي لم تكن فقط معيدتنا الجميلة و لكنها كانت أيضاً أيقونة دفعتنا للتفوق و السير على دربها.

على المستوى الشخصي حينما قرأت لمي بعض أشعاري لم تكتف بإبداء اعجابها و لكنها ذهبت إلى مكتبة الكلية و أحضرت لي رباعيات جاهين و ديوان زحمة للأبنودي. و عندما سافرت في مهمة علمية إلى باريس تبادلنا الخطابات و ذهبت إلى الكلية أتباهى بذلك أمام أصدقائي وجدت أن في جعبة كل منهم خطاباً من مي و أدركت أن لديها قلباً يسع كل هولاء.

و لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن, تركتنا مي لتعمل في أكاديمية الفنون ثم هاجرت إلى كندا و رغم بُعدها ظل الود موصولاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي و شرفت بلقائها في ابريل الماضي بكلية آداب المنوفية حيث قدمت دراسة مقارنة باللغة الفرنسية عن روايتها “دنيازاد” و رواية “شيئ صغير للغاية” لكامي انسوم. لمست السعادة في عينيها و كان صوت بداخلي يردد: هذا جزء مما قدمتيه, دمت بكل خير أستاذتي مي التلمساني و دام ابداعك و عطاؤك.  

 

عودة إلى الملف