أحمر خفيف

ويعود مجاز كبير العائلة في رواية (أحمر خفيف)، مرتكزا على لحظة الاحتضار، ليكشف، وبمعنى ما يؤطر، واقعا حيا نتنفسه يوميا، هرم العجز الجاثم على الوعي العام، كل فرد يفتقد شيئا ما، كل مفتقِد يعجز عن فعل ما، وكل عجز تُحال مواجهته لقوى غامضة أو تؤجل لزمن أشد غموضا.

عيناه معلقتان بالسقف، كأنما يقرأ شريط حياته، يحركهما جانبا حتى نهايته، ثم يعود من الأول، كأنما يفرز الأحلام والحسرات ويقف منتصبا بينهما، وحين يفرغ من السطر الأخير، يغمضهما عميقا ويسلم قدميه في دعة لانصاف“.

تشكل صورة محروس والنعش المنتظر في الفصل الأول إيقاعا مميزا للسرد، إيقاع مرثية أو عدّودة، وتوحي  بأن البناء يعتمد على فكرة أن حياة المحتضر تمر أمام عينيه كشريط سينمائي، ومن هنا جاءت ضرورة “التيتر” الدلالي، أسماء المشاركين في إنتاج العمل التي توالت في النهاية مصحوبة بجمل مُعبرة، وكأنها لقطات مشاهد في نسخة إعلانية من فيلم، تليها نسخة توثيقية سريعة تتضمن أماكن تصوير/ كتابة العمل.

سوف تشحب فكرة الشريط السينمائي تدريجيا أمام المشاهد السردية المندفعة بقوتها الذاتية لا قوة وعي محروس كبير العائلة والقرية، الذي تعرض لمحاولة اغتيال بوازع من منافسه كبير عزبة إسرائيل المجاورة، وسوف تتراجع الشخصية نفسها، على الرغم من تصديرها وافتراض السرد قوتها، لأنها في الحقيقة لا تفعل شيئا عدا الحضور، ولا يوجد ما يبرر تعلق بقية الشخصيات بحضورها سوى العلاقة العاطفية.

تتقدم السرد شخصيات أخرى منحوتة بعناية أكبر، كشخصية الشيخ فرج الذي “يخطبُ في الناس ليُخطب، ليُشترى شراء العزيز، ليعوض شراء أبيه وجده، لينجب أولادا لا يُشار عليهم بالسواد”، وشخصية “أبو الليل” شقيق محروس المستحم بضوء النجوم، أملا في استشفاء سحري من مرضه المزمن.

ليلهما واحد، فرج الطائر فوق الأرض بدون جناحين، الحالم بالبياض، الباحث عن وليفة ولو في آخر رمية، وأبو الليل بجذامه، يعرف أنه لن يجد وليفة، على الأقل وهو على قيد الحياة“.

الشخصيتان معا من أجمل شخصيات الرواية، وقوتهما.. قوة الشخصية التي تعاني من نقص ما، والمستمدة ربما من قناعة شعبية(كل ذي عاهة جبار)، تحيط حضورهما بهالة سحرية توشك أن تحول العاهة إلى موتيف، نشعر به أيضا أمام شخصية عزيزة “العمشة” بعمق ظهورها المراوغ.

أكثر شخصيات الرواية- عدا محروس وابنته إنصاف- مثيرة للاهتمام، هناك شيء من الشؤم القدري يحيط بها، يكمل أبعاد عمقها الإنساني ويضفي عليها غموضا محببا، بخلاف غموض شخصية الطبيب المتردد في قتل محروس “بحقنة هواء”، فللوهلة الأولى يبدو صورة لواحد من الملائكة الضجرة التي طال انتظارها للروح العالقة، لكن حبكة السرد تقوض الصورة سريعا بدون أي توضيح لأسباب ضغينة الطبيب أو طبيعة علاقته بمحروس.

يواجه القارىء في (أحمر خفيف) خطوط حبكة غير تقليدية الطابع، تنظمها رؤية واقعية سوداء لمجتمع غامض بدائي التكوين والوعي والسلوك، قتل..انتقام.. مرض.. وجنس عدواني من كل نوع. قد يبدو هذا المجتمع معاصرا، لكن ذلك لا يكفي لتبرير اختيار اسم “إسرائيل” للقرية المنافسة، بخاصة عند النظر إلى هامشية حضور كبيريّ القريتين وسذاجة شكل الصراع بينهما.

الأهم من هذه التلميحات السياسية هو جرأة تركيب صورة العالم المتخيل، أو تمزيقها إذا أردنا الدقة، كأن يخترق صوت المؤلف على فترات صورة هذا العالم، مثل وجه مخرج سينمائي يمر على الشاشة بين زحام، وقد يجرب فيؤدي دورا ثانويا بانفعال زائد، كما حدث في التوقفات الوصفية المتكررة بالرواية، إضافة إلى الفقرات التي حملت بلا داع عنوان “تذكير“.

الحياة الدرامية في الرواية مستمدة بالأساس من خطوط الحبكة الملتفة حول شخصيات أهل المحتضر وأصدقائه، العناني.. فرج.. أبو الليل.. عزت.. الفناجيلي، كل خيط منها يشتغل بوصفه الدافع السردي المحرك لحكايات مستقلة والمُعرّف لرواية متكاملة.

لا تقصد الروايات المعاصرة دائما إلى إنجاز وحدة في الأسلوب والموضوع عبر جمع عناصر مستقلة ومراكمتها من فصل إلى آخر، لكن روايتيّ (ألعاب الهوى) و (أحمر خفيف) تفعلان ذلك من خلال أنماط مجازات وموتيفات تحيط بموضوع ثابت.

والروايتان معا كافيتان لتقولا إن وحيد الطويلة يشق دربا روائيا مثيرا للاهتمام: دربا عفيا تشغله صراعات وجود وشهوات اكتمال، مؤنسا بطريقة سرد ولغة تستوعبان الأسلوب الشعبي في التفكير والتعبير باقتدار، ومشاغبا-أخيرا- بألوان من السخرية والنزق المسالم.

 

عودة إلى الملف