محمود عماد
معاوية بن أبي سفيان أحد أكثر الشخصيات الجدلية أهمية في التاريخ الإسلامي كله، فهو مرحلة التحول من الخلافة الرشيدة إلى الملك الوراثي، وهو مؤسس الدولة الأموية، وهو حلقة هامة في تاريخ الصراع الأموي-الهاشمي، والذي بدأ قبل الإسلام نفسه، مع الصراع بين الأخوين هاشم وعبد شمس ثم امتد طويلا، فمر بصراع بين هاشم وابن أخيه أمية بن عبد شمس، والذي ينتسب له الأمويين، ومن ثم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان بن حرب الذي كان من أعداء الدين الإسلامي في بدايته، بل وتزعم المشركين بعد غزوة بدر، وكان قائدهم حينما انتصروا على جيش المسلمين في غزوة أحد، ومن ثم مثل الصراع بين معاوية وعلي بن أبي طالب حلقة جديدة في الصراع بين البيت الهاشمي والبيت الأموي، وهو الصراع الذي لن ينتهي بهذه الحلقة وسيتسمر بعد ذلك طويلا.
بهذا السرد المقتضب يحظى معاوية بكثير من الأهمية في التاريخ الإسلامي والعربي، ويبقى شخصية شديدة الجدلية، ويبقى كل شيء جدلي في حياته الصالح والطالح على حد سواء، والمحبون له كثر ويلقبونه بالحاكم العظيم وخال المؤمنين، وذلك بسبب أن أخته أم حبيبة “رملة” هي واحدة من زوجات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وكل محبي معاوية من أهل السنة والجماعة إن صح الوصف، ويملك معاوية على الجانب الآخر الكثير من المعارضين والكارهين، والذين يعتبرونه السبب في اتساع الفتنة الكبرى والاقتتال الأهلي الذي تلى مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وأنه شق عصا الطاعة ونازع الأمر أهله والمقصود هنا الخليفة الراشد الرابع الإمام علي بن أبي طالب، والذي رفض معاوية مبايعته، وأن معاوية أسس للحكم الوراثي بأخذه البيعة لأسوأ من يمكن أن يأخذ البيعة له ابنه يزيد، مبطلا في ذلك سنة النبي في الشورى، وفاتحا بذلك فتنة جديدة ستكون سببا في إبادة كبيرة لآل البيت، ويحظى معاوية بن أبي سفيان بكره خاص من الشيعة، ومن أهل السنة والجماعة الذين لا يقدسون الأشخاص.
إن كل هذه المقدمة هي محاولة لوضع معاوية في ميزان الرؤية من أجل الحديث عن المسلسل الذي أثار جدلا واسعا على المستوى العربي منذ الإعلان عن عرضه في الموسم الرمضاني، وهو مسلسل “معاوية” من تأليف الكاتب الصحفي خالد صلاح، وإخراج طارق العريان، ومن بطولة لجين إسماعيل، إياد نصار، وآخرين. المسلسل أثار كثيرا من الجدل حتى قبل عرضه، منذ بداية التحضيرات له منذ ثلاث سنوات تقريبا، وتأخر عرضه، ومع إعلان mbc studios عرض المسلسل في الموسم الرمضاني، اشتعل الجدل من جديد حول قضية تجسيد الصحابة حتى وصل الأمر لتحريم الأزهر لمشاهدة المسلسل، ومنعت بعض الدول بالفعل عرض المسلسل.
ولكن إن تركنا هذا الجدل الديني الذي لا يفيد، وعدنا إلى الدراما والفن واعتبرناه مسلسلا تاريخيا، فإننا سنكون بصدد تحليله ومحاولة فهم ماذا أراد صناع معاوية أن يقولوا.
إن صناع معاوية اختاروا أن يسلطوا الضوء على حياة معاوية منذ ولادته رغم قلة المصادر التي تتناول حياته قبل الإسلام، بل وحتى في عهد الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق، وربما ظهر ذلك في تلك الأحداث التي تعامل معها صناع العمل بتسرع شديد كأنه كشاف ضوء، ولكن كشاف الضوء كان شديد الضعف، فنرى صناع العمل أن يقنعوك برجاحة عقله قبل الإسلام، وبإسلامه قبل الفتح حتى لا يكون من الطلقاء، ولكن الثابت أن معاوية بكل تأكيد لم يشهر إسلامه قبل فتح مكة ولو بيوم واحد فهو من المسلمين الطلقاء.
المسلسل أيضا أغفل الكثير من النقاط المهمة، مثل المعارك الحربية في غزوات الرسول بدر وأحد، وغيرهما، ولا نعرف كيف لمسلسل تاريخي يدعي صناعه أنه أضخم إنتاج في تاريخ الدراما العربية بميزانية قدرت بحوالي 100 مليون دولار، أن يغفل تلك المعارك.
بعد ذلك في صدر الإسلام، يصبح معاوية كاتبا للوحي، ونرى أن تسليط الضوء على هذا يتم لغرض سياسي خفي، وهذا ما سيستمر طوال أحداث لا تعرف في أوقات كثيرة ماذا يريد صناع العمل منها من الأساس، والثابت أيضا أن معاوية بن أبي سفيان لم يشتهر عنه كتابة الوحي مثل آخرين كزيد بن ثابت مثلا.
ومع المرور أيضا بغزوات أخرى حتى بعد دخول معاوية الإسلام، يستمر ذلك الإغفال الغريب، وحتى الأحداث التاريخية شاب جزء كبير منها إغفال غريب، أو حتى ما نفذ منها كان شديد الاستسهال، فمشهد كوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم خرج بشكل شديد البرود، بل وأغفل المسلسل تماما مشهدا شديد المحورية في تاريخ الإسلام والمسلمين، وهو مشهد السقيفة بعد وفاة الرسول والذي تم فيه اختيار أبو بكر الصديق لخلافة الرسول في أمور المسلمين، ولكن يبدو أن صناع المسلسل شعروا أن تلك الحادثة ليست لها قيمة.
المسلسل بعد ذلك يغفل أيضا حروب الردة المحورية التي رأى صناع المسلسل أنها حدث هامشي غير مهم، بل إن الخط الدرامي لمعاوية كجندي في جيش المسلمين في عهد أبو بكر شهد مغالطات كثيرة لتلميع صورة معاوية بشكل غير مفهوم وبمحاولة إظهاره باعتباره البطل والفارس والمغوار إلى أن يصل الأمر أن ينقذ معاوية القائد الداهية سيف الله المسلول خالد بن الوليد!
تولي معاوية ولاية دمشق كان مصادفة كبيرة فإبعاد خالد بن الوليد عن القيادة، والطاعون الذي أدى إلى وفاة أبي عبيدة بن الجراح وإلى وفاة يزيد بن أبي سفيان أفسح الطريق لمعاوية ليفوز بالولاية، وهذا أظهره المسلسل، ولكن صناع المسلسل يغالطون أنفسهم بأن يظهروا أن معاوية لم يكن طالب جاه أو سلطان رغم أنه جاء على لسان معاوية نفسه في بداية المسلسل أنه يحلم بإمبراطورية كبيرة للمسلمين.
يسلط المسلسل الضوء بشكل كبير على دور معاوية في الولاية وطريقة حكمه، وهي صحيحة تاريخا فهو كان واليا أشبه بالملك، وأيضا دوره في بناء الأسطول البحري والفتوحات من ناحية البحر، وبقاء معاوية واليا في عهد الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، ومن ثم ضم الشام كلها له في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، ويبدأ المسلسل في تتبع أحداث المدينة في عصر عثمان بن عفان، وبداية السخط عليه من الأمصار المختلفة، وحتى الثورة عليه ومقتله، وهنا أيضا يتم تلميع صورة معاوية بأنه سارع لإنقاذ الخليفة المحاصر، ولكن ذلك غير صحيح فمعاوية تبطأ في نصرة الخليفة المحاصر بجيش الشام.
المسلسل حتى هذه اللحظة كان مهمشا للغاية لكل الشخصيات التاريخية غير معاوية بشكل غريب ومريب رغم كون فريق التمثيل للعمل يضم كوكبة كبيرة من النجوم العرب المتألقين في الدراما العربية كإياد نصار الذي يلعب دور الإمام علي بن أبي طالب وسامر المصري الذي لعب دور عمر بن الخطاب، ولكن مع توالي تلك الأحداث يبرز دور الخليفة عثمان بن عفان والذي يؤدي دوره أيمن زيدان، وبقية أهل المدينة.
إن المسلسل يأخذ بعدا فنيا وتاريخيا مميزا بعد ذلك في أحداث الفتنة الكبرى سواء من بداية مقتل عثمان أو مبايعة علي بن أبي طالب خليفة راشد رابع للمسلمين، وبعد ذلك الصراع بين معاوية وعلي وأهمها معركة صفين المفصلية في التاريخ الإسلامي، وهي تقريبا المعركة الكبيرة الوحيدة التي تم تصويرها بشكل فني حربي جيد بعض الشيء، ورغم أنه يمكننا أن نقول بأن المعركة كانت بها لوحات فنية مميزة، ولكن كان هنالك بعض الشبه ببعض الأعمال الأخرى سواء عربيا أو عالميا، ولكن يمكننا أن نتغاضى عن ذلك بعض الشيء، ولكن المسلسل أغفل معركتين من أهم معارك الصراع، وهما معركة الجمل، ومعركة النهروان مع الخوارج فلم يتم تصويرهما، بل إن المسلسل همشهما كثيرا، وذلك استمرارا لتهميش الجميع لصالح سردية معاوية فقط.
يبدأ المسلسل تاريخيا بعد نهاية الفتنة الكبرى في الضعف تاريخيا بشكل غير معقول، فيمر مرورا عابرا على حدث جوهري كعام الجماعة، وأيضا في فترة حكم معاوية تبدأ الحقائق التاريخية في السقوط لصنع سردية عجيبة عن معاوية محارب الخوارج المقدام، وحتى تناول موت الحسن بن علي كان شديد الهامشية، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية رغم ما سيترتب على ذلك من مآس بعد ذلك.
لو تحدثنا عن الشق الفني بالمسلسل فهنالك فريق التمثيل فلجين إسماعيل الذي لعب دور معاوية كان أداؤه باهتا وباردا في الكثير من المحطات، ولكن يمكننا أن نقول بأن أداءه تصاعد مع الحلقات، وخاصة في أحداث الفتنة الكبرى، لا سيما المشاهد المتعلقة بكونه ولي دم عثمان، وعندما رفع قميص عثمان الملطخ بالدماء، والذي يمكن اعتباره أفضل مشهد له في المسلسل، وأيضا فنيا سواء على مستوى الإخراج أو أداء لجين في الأحلام التي أصابت معاوية بعد خروج أخيه عتبة بن أبي سفيان لمعركة الجمل، والصراع الذي دار في عقله حول كثير من الأمور كأنه تصوير لفكرة المسلسل نفيه المليء بالتشتت.
شخصية علي بن أبي طالب والتي قدمها إياد نصار، أراها بشكل أو بآخر أفضل شخصية ملعوبة تمثيليا في المسلسل، ومن وجهة نظري لو أتيحت لإياد نصار مساحة أكبر لابتلع العمل بأكمله، رسمت شخصية علي بن أبي طالب شخصية كئيبة حزينة، ورغم ما قد نراه من مآرب صناع العمل في تصوير شخصية علي بتلك الطريقة، ولكن إياد نصار استطاع أن يصل لمعنى شخصية علي بن أبي طالب في أحداث الفتنة، وهو ذلك الشخص الذي تكالبت عليه الأمور، وقتلته وحشة الطريق، والجزء الخاص به مع الخوارج كان ثريا خاصة على مستوى الأداء التمثيلي حتى لو كانت هنالك بعض المغالطات التاريخية.
أما بقية فريق التمثيل في العمل فقد تفاوت أداؤهم، فلا نستطيع أن نقول أن هناك أداء عظيم بالمعنى المتعارف عليه، بل هنالك تهميش لكل شخصيات المسلسل لحساب معاوية، فتم تهميش شخصية الحسن بن علي بشكل كبير، وإلغاء شخصية الحسين بن علي تماما.
أما الجزء الخاص بالملابس والديكورات وهو جزء إخراجي، فلم يظهر بالشكل الجيد فقد تم استخدام ملابس حربية ومعدات من العصر المملوكي، وديكورات توضح حداثة لم تكن موجودة في هذا العصر الإسلامي المبكر.
إن ما حدث طيلة شهر رمضان بالتزامن مع عرض المسلسل كان كاشفا بشكل كبير عن ذلك الضعف الذي تفشى بالعمل، فشاهدنا اعتذار المخرج طارق العريان عن استكمال حلقات المسلسل، وتم التكتم على ذلك حتى طلب المخرج نفسه حذف اسمه من على العمل، وأكمل المخرج أحمد مدحت بقية الحلقات من أجل إنقاذ العمل على حد قوله، كما أن المسلسل هو من تأليف الكاتب الصحفي خالد صلاح، في أول تجربة كتابية في عالم الدراما له، وأظنها تجربة غير موفقة، كما أنه يتبين من أمور كثيرة أن جهة الإنتاج كان لها أهداف غير درامية ولا فنية وراء إنتاج هذا العمل.
وهذا التهلهل انكشف أكثر مع الإعلان أن حلقات المسلسل 21 حلقة فقط، وهذا عدد حلقات غريب خاصة في مسلسل تاريخي، وبعد ذلك تصريح الكاتب خالد صلاح نفسه أن ما جعل المخرج طارق العريان ينسحب من المشروع هو حذف مشاهد من المسلسل أثناء المونتاج دون موافقته، وهذا كان واضحا للغاية ويفسر تلك النقلات غير الطبيعية في المسلسل، وأيضا صرح خالد صلاح أن ذلك بسبب اختلاف وجهات النظر مع الجهة المنتجة، ما يكشف أن وجهة نظر طارق العريان الفنية اختلفت مع وجهة نظرهم السياسية.
في النهاية لم يحقق مسلسل “معاوية” المتوقع منه، وخيب الآمال بشكل كبير، على كل المستويات تقريبا، ولكن لأن الفن أكبر من صانعه، ولأن تأويل الفن من الممكن أن يتفوق على صانعه خرجت بعض لحظات الصدق من هذا العمل لتتفوق على صناعه، وتؤكد أنه كان في الإمكان أفضل مما كان بكثير، ولكن يتضح من تصريحات كاتب العمل والتي لها بعد سياسي يتماشى مع أفكار جنسية الجهة المنتجة أن هذا المسلسل قد فشل لأنه لم يصنع من أجل الفن، بل من أجل مآرب أخرى.