“سنلتقى..”.. كلمة عن الأستاذ أحمد رأفت بهجت

أحمد رأفت بهجت
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

أحمد عبد الرحيم

“الواقع أن كل ما يصيب الأديان، أو ينشر العنصرية بين الأجناس والشعوب، يعتبر فضحه وكشفه من صميم رسالة الناقد.

                                 أحمد رأفت بهجت

 مقالة “مغزى اللقب الحائر!” عـن الفيلم الأمريكى The Saint أو القديس 

مجلة “أخبار  النجوم” المصرية / العدد 259 / 20 سبتمبر 1997.

وسط كل نقاد السينما الذين تربيت على أعمالهم، يشغل الأستاذ أحمد رأفت بهجت المكانة الأسمى. لقد أحببت مقالاته التى كانت تُنشر فى مجلات مصرية وعربية، وظهوراته فى برامج تلفزيونية مصرية – على رأسها برنامج “نادى السينما” – طيلة الثمانينيات والتسعينيات، وذلك لثقافته الغزيرة، وأسلوبه العميق والسلس فى الوقت ذاته، ونبرته التى تحمل شغفه وحماسه فى هدوء، فضلّا عن تحليله للأفلام، لاسيما الهوليوودية، على نحو أريب يكشف لى إشارات لم ألحظها، ومعانى لم أتصورها..

فمثلًا، عبر حديثه فى البرنامج المذكور، أدركت أن الرقم الطويل المكتوب على ذراع العجوز الطيب الذى يساعد البطل فى فيلم Time After Time أو زمن وراء زمن (1979) يعنى انتماءه إلى معتقلات تعذيب اليهود أيام النازية، وأن هذا جزء من تلميع الشخصية اليهودية فى السينما الأمريكية، والتأكيد دائم المبالغة على الهولوكوست، وعبر مقاله “العرب وإرهاب السينما الأمريكية”، بمجلة “الفنون” المصرية (2002)، أيقنت أنه لابد من الربط بين تقديم العرب كإرهابيين يختطفون طائرة فى فيلم Executive Decision أو قرار قيادى (1996)، واسم البطل الأمريكى الذى يتصدى لهم؛ “David Grant” الذى يعنى “منحة داوود”، وتجسيد الموساد الإسرائيلى كالجهاز الوحيد الذى عاون الأمريكيين فى هزيمة الإرهابيين!

وإن كان هذا لا يمنع إختلافى معه أحيانًا، فأنا لا أعتقد أن مشى تشارلى شابلن نحو الأفق فى نهايات أفلامه يعنى إتجاهه إلى “أرض الميعاد” كما ذكر فى كتابه “هوليوود والشعوب: مائة عام من الصهيونية” (1997)، ولا أظن أن عرج الشخصية التى أداها الممثل كيڤين سبايسى فى فيلمThe Usual Suspects  أو المشبوهون المعتادون، كان إشارة إلى شخصية عربية كما قال فى مقاله عن الفيلم فى مجلة “أخبار النجوم” سنة (1996). لكن رغم ذلك، تظل هذه مجرد نقاط صغيرة لا تعكر صفو حبى واحترامى للأستاذ بهجت.

أول مرة قابلته كانت فى نهاية التسعينيات، وقتها كنت طالبًا فى كلية الآداب، أمارس النقد السينمائى فى جريدتها، وفى بعض المجلات مثل “الفن السابع”، وعندما صادفته فى شارع عماد الدين بالقاهرة، فرحت للغاية، مُصافِحًا إياه بإعتزاز قديم؛ بناءًا على مقالاته التى كنت أقصّها محتفظًا بها، ولقاءاته التلفزيونية التى كنت أفرِّغها فى أوراق كالمحاضرات، والحق أنه حادثنى بمودة، ومنحنى الكارت الخاص به، واعدًا إياى: “..سنلتقى”. وعلى الرغم أن هذا لم يتحقّق لاحقًا إلا عبر مرات يسيرة، ومكالمات هاتفية معدودة، فإنى سعدت بالتواصل مع ناقدى المفضل.

لو قرأت مقالات الأستاذ بهجت التى كان ينشرها فى مجلات مثل “البيان” الكويتية، و”الدوحة” القطرية، و”الهلال” المصرية، وغيرها من كتبه مثل “الشخصية العربية فى السينما العالمية” (1988)، و”إتجاهات سينمائية” (1994)، و”الصهيونية وسينما الإرهاب” (1997)، سترى كيف كان يشاهد، ويبحث، ويترجم، فى عشق شديد ودأب نادر، ويربط بين الإنتاج الفنى والمشهد السياسى العالمى، مع وعى متين بالتاريخ يهضم أحداثه ويستوعب دروسه، إلى جانب قوة ملاحظة ممتازة تلتقط التفاصيل المتوارية، ومعرفة واسعة يمكنها فك الرموز والشفرات. لهذا لن تجد فى كتاباته دراية بأعمال الفنانين فحسب، وإنما بنشأتهم ومقولاتهم وقناعاتهم، وفضح لخطابات خبيثة فى إبداعاتهم، مع تدقيق فى المعلومة، وذكاء فى التحليل، وهوية عربية يقظة تصفِّى ما يُعرَض عليها من قيم وأفكار.

لو قرأت عن الأستاذ بهجت، ستعرف أن كتاباته لم تمر فى سلام، فقد أثارت بعض الزوابع، لدرجة وصلت – يومًا ما – إلى إتهامه بمعاداة السامية، ناهيك عن إختلاف أبناء جيله معه فيما يخص منهجه النقدى، لكنه – رغم ذلك – بقى فى خندقه؛ يتفحَّص، ويستنبط، ويهدينا مقالات ذات مذاق خاص لم يتوفر لأحد سواه، مُنبِّهًا إيانا إلى العدو الذى ينتج بنقوده أفلامًا مبهرة، علينا ألا ننشغل بالتصفيق لها طوال الوقت، وأن نحذَر من السم الذائب فى عسلها.

منذ بداية الألفينيات، إهتزت الحياة الثقافية المصرية؛ فظهرت القنوات الفضائية الخاصة التى أغرقت الدنيا بالفيديو كليب، والرقص الشرقى، ومسابقات الغناء، وبرامج الطبخ، والنكت، والشتم! وسيطر تيار طاغى من الرخص والتفاهة والإنحطاط، فى الوقت الذى تقهقر فيه دور الإعلام القومى، وأغلقت مجلات فنية متخصصة أبوابها، وصار الحديث عن أخبار الفن وليس نقده. فى تلك الأيام الملعونة، اختفى برنامج “نادى السينما”، واختفت مقالات الأستاذ أحمد رأفت بهجت، بل اختفى هو عن الظهور الإعلامى فى زهد تام، وأخذت انتظر بفارغ الصبر أى عمل جديد له، أو حوار معه، لكن هذا كان يحدث نادرًا؛ مثل كتابه “اليهود والسينما فى مصر والعالم العربى” (2013)، الذى استغرق 7 سنوات فى كتابته، أو مقاله (الدبلجة.. والدراما العربية) فى مجلة “المجلة” المصرية (2013)، أو حلوله ضيفًا لحوار صحفى قصير فى مجلة “تلى سينما” المصرية (2017). بل أنه حينما إتصل به الناقد السينمائى الأستاذ الأمير أباظة، رئيس مهرجان الإسكندرية السينمائى لدول البحر المتوسط، مُبلِغًا إياه نية المهرجان لتكريمه، إعتذر لأكثر من مرة، وحينما وافق أخيرًا، عالمًا أن موعد المهرجان فى أكتوبر (2019)، أى بعد حوالى عام، علَّق مُحبَطًا: “يا مين يعيش!”.

وفى 23 ديسمبر (2018)، علمت بوفاة الأستاذ بهجت فى صمت، دون أى ضجيج فى الإعلام المصرى، الذى يفعل ذلك باستمرار، مع رموز مهمة عديدة؛ حتى غزانا الاعتياد، مُخمِدًا الغضب والكراهية. إن الأستاذ بهجت كرّس حياته لكشف وتفسير الأبعاد الدينية والسياسية والفكرية فى أفلام هوليوود، خاصة فى محاباتها للصهيونية، وإبخاسها لقيمة المسلمين أو العرب، وأظن أن هذه الرسالة ستغيب من بعده، وسيصبح حائط الصد أقصر وأضعف، وأخشى ما أخشاه أن يغزونا الاعتياد، مُخمِدًا الغضب والكراهية فى هذا الأمر أيضًا.

الآن، مع كل فيلم هوليوودى يطرح فكرًا مباشرًا أو غير مباشر، أفتقد رؤية أحمد رأفت بهجت المتميزة، وإجتهاده فى بث الوعى فينا. لكننا سنلتقى، سنلتقى دائمًا يا أستاذنا، فى تراثك النفيس الذى خلّفته لنا كى نستمتع به، ونتعلّم منه. رحمة الله عليك.

…………..

*نُشرت فى مجلة “كراسات الفيلم القصير” / العدد 3 / يناير 2020.

 

 

 

مقالات من نفس القسم