تكريس الذهنية العربية في تكييل المديح المجاني.. توقفات حول مقال “نواف يونس رائد الصحافة الثقافية” للأمير كمال فرج

عمر قناوي
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

 د. حمزة قناوي 

يمكن القول إن تاريخ نشأة الصحافة في العالم عامةً، وفي العالم العربي خاصةً، من التواريخ الملتبسة في تحديدِ النشأة وكيفيتها بالضبط، ومثل مختلف المجالات التي تولد ملتبسة ومتداخلة، فإن الصحافة العربية أيضاً ولدت متداخلة، حتى وصلنا إلى مفهوم الصحافة المتخصصة، ومنذ نشأة الصحافة، وشيوع مفهوم الصحافة المتخصصة، فإن وسائل الإعلام، والصحافة في قلبها تمثل نقطة ارتكاز أساسية في التنمية الثقافية، وذلك عبر دورها في تشكيل أنماط الحياة وأساليب المجتمع، بجانب تناولها للأخبار الثقافية والأحداث والفعاليات، وقد استطاع الإعلام المتخصص أن يجعل لنفسه دوراً أساسياً في إدراك الناس للأمور والقضايا ذات الطبيعة المتخصصة[[1]]، وفي ظل هذا المنظور، ننظر للصحافة الثقافية بوصفها ذات طبيعة خاصة من بين أنواع الصحافة المتخصصة نظراً للتداخل بين طبيعة العمل الصحفي، وطبيعة العمل الثقافي في حد ذاته.

بمعنى آخر، إذا كانت الصحافة تقوم بإمداد الجمهور بالمعلومات والآراء والخبرات والمعارف[[2]]، فإن الثقافة المتخصصة في موضوع مثل الاقتصاد، أو الهندسة أو الطب، تقدم في النهاية معلومات عن مجال تخصصها، لأن هناك فارقاً بين طبيعة الخبر الصحفي والكتابة الصحفية، فنقل أخبار عالم الاقتصاد مثلاً، أمرٌ يختلف عن صناعة الاقتصاد في حد ذاته، بينما في حالة الصحافة الثقافية، فإن هناك تداخلاً بين الكتابة الصحفية، وبين الثقافة في حد ذاتها، أي أن الفعل والخبر هنا متداخلان، الكتابة عن الثقافة، وصناعة الثقافة متقاربان، ومن ثم فهناك تقارب بين “الصحفي” و”المثقف”، حتى يكادا يكونا متطابقين، فلا يمكن بأي حال من الأحوال إهمال دور الصحفيين في الثقافة، ولا تأثير الثقافة على الفعل الصحفي بوجه عام، وعلى الصحافة الثقافية بوجه خاص، من منطلق أن الصحافة المتخصصة تحتاج بالأساس إلى عاملين مهمين: المادة التخصصية التي تهتم بها الصحافة المتخصصة، والجمهور المتخصص في هذا المجال[[3]].

هذا التداخل بين المرسل والمستقبل، بين طبيعة الموضوع وكيفية تناوله صحفياً، يجعلنا نقول إنه لا يجدر أن يعمل في الصحافة الثقافية إلا المثقف فعلاً، فلن يقدِّر قيمة الإبداع إلا مبدع، ولن يستطيع تذوق جماليات العمل الفني، إلا من له باع في الكتابة أو التأليف أو النقد، ولن يستطيع نقل الفعاليات الفنية والملتقيات والندوات والمؤتمرات وغيرها من الأنشطة الثقافية، بأمانة وفهم، إلا من كان له خبرة وتمرس في مثل هذا العمل، ومن ثم فإنه يفترض فيمن يكون يرأس مجلة صحافية ثقافية، أن يكون من الرواد المؤثرين في هذا الأمر، من الفاعلين فيه، حتى لو وقع اختلاف حول آرائه ومواقفه، فهذه مسألة طبيعيةٌ لمن يتبنى مواقف فكرية معينة، وإذا افترضنا وجود صحيفة متخصصة في أي مجال من المجالات، دون أن يكون القائم عليها متقناً هذا التخصص، فإنه ساعتها يحكم على مؤسسته بضيق الأفق، وبنقص في القدرات التي يمكن أن تحققها مثل هذه المطبوعة.

ويزخر التاريخ الثقافي بتجارب حفرت لنفسها تاريخاً عميقاً في مسار الصحافة الثقافية، هناك على سبيل المثل تجربة مجلة “العربي” الكويتي، التي صدر عددها الأول في ديسمبر 1958، ولا نكاد نذكر كلمة «العربي» حتى يستحضر الذهن قامات مثل العلّامة (أحمد زكي عاكف)، رئيس جامعة القاهرة السابق، ورئيس تحرير مجلة “العربي”، والذي وضع أسسها، وأسهم في تنوع وغزارة مادتها، ورغم تخصصه في علم الكيمياء، إلا أن ثقافته الواسعة والغزيرة، جعلته يستطيع أن يجعل من المجلة منارةً ثقافيةً توزع أكثر من 250 ألف نسخة.

وإذا ما انتقلنا من (د. أحمد زكي) إلى (أحمد بهاء الدين) فإننا نجد أنفسنا أيضاً أمام قامة ثقافية تستحق الإشادة والتقدير، فمن العمل في مجلة “صباح الخير” إلى دار “الهلال”، إلى العمل بـ “الأهرام”، ثم رئاسة تحرير مجلة “العربي” الكويتية، أحمد بهاء الدين، كاتب متفرد صاحب رؤية، وله مدرسته الخاصة في كتابة المقالات، وله خطه وأفكاره السياسية التي تعرض بسببها لكثيرٍ مما واجهه، فضلاً عن إسهامه في النشاطات الثقافية الرائدة، واتساع مساحة المعرفة به على مستوى العالم العربي بأسرهِ.

في تجربة أخرى، نذكر اسم الدكتور (عز الدين إسماعيل)، مؤسس «الجمعية الأدبية المصرية»، و«الجمعية المصرية للنقد الأدبي»، وأحد مؤسسي ومديري «أتيليه القاهرة الثقافي»، وبالطبع مجلة «فصول» النقدية، هذه المجلة العلمية المحكمة التي لها دور كبير في نشر المصطلحات النقدية والرؤى الثقافية الحداثية في العالم العربي، ما إن نذكرها حتى نتذكر (عز الدين إسماعيل)، وهكذا تكون الحال مع الرواد الثقافيين “الحقيقيين”، تتطاول قاماتهم بفضل قيمة ما قدموه متماهيةً مع الحدث الثقافي، ويصبح تاريخهم عاكساً لأعمالهم الحافلة بالنجاح، فإلى جانب العديد من الكتب المهمة والمؤثرة في مسيرة الثقافة العربية، فإن المجلة الأكثر إثارةً للجدل في الوسط النقدي في العالم العربي، والتي كانت سبباً في ولادةِ كثير من المجلات العربية المتخصصة في العديد من البلدان العربية لاحقاً، اقترنت مسيرتها بمسيرة الدكتور (عز الدين إسماعيل).

من أيضاً يمكننا أن نذكره في هذه المسيرة الطويلة لرواد ثقافيين لهم دورهم الذي لا يمكن نكرانه في مسيرة الثقافة العربية؟ هناك الدكتور (عبد القادر القط)،  والذي ما إن نذكره حتى تقفز مجلة «الشعر» المصرية الرائدة وقد كان له فضل تأسيسها، وكذلك إذا ذكرنا الشاعر (قاسم حداد) فإننا مباشرة سنتذكر «مجلة كلمات»، والقائمة تتسع لكثيرٍ من أسماء رواد عمل الصحافة الثقافية، التي لا يمكن فيها أن نتخيل وجود رئيس لتحرير مجلة ثقافية دون أن يكون له إسهامه الإبداعي أو الثقافي الخاص، يكاد يكون الأمر على نحو من العبثية أن نتوقع من مجلة ثقافية يقوم عليها من خلا تاريخه من إسهام ثقافي، أو أن إسهامه الثقافي ضعيف، أن تحقق وجوداً وتأثيراً في الواقع الثقافي، ذلك أن هذا الواقع، والصحافة الثقافة المتخصصة، رغم ما تواجهه من مشكلات في وقتنا الراهن، ورغم المصاعب التي تتعلق بالإصدارات الخاصة بها، إلا أنه وسطٌ له تقاليده وأسسه الراسخة، والتي لا يمكن اختراقها أو تجاوزها، بمعنى آخر، لا يمكن لمن لا يفهم صناعة الثقافة، أن يحيط بها، وأن يوجد لنفسه مكاناً فيها، دون أن يكون أحد ممارسي مساراتها المتعددة.

 إن التاريخ الثقافي الحاشد لكثير من الشخصيات الثقافية، التي تحولت مع الوقت إلى أيقونات في مجالها الثقافي- كالتي ذكرتها الآن- تؤكد أنه لا يمكن الفصل بين الصحافة الثقافية المتخصصة، وبين صناعة الثقافة في حد ذاتها، لا يمكن الاعتماد هنا على مجرد “نقل الخبر الثقافي”، “ونشر بيانات الفائزين بالجوائز”! إذ يجدر لأي صحافة ثقافية أن يكون لها توجهها الخاص، وسمتها المميز لها، ومهما ادعت أو نوهت أي مجلة ثقافية، بكون الآراء الواردة فيها لا تعبر عن سياسة المجلة ورأيها، فإن مجرد الإجازة بالنشر، ومجرد تبويب المجلة، يمثل في النهاية انعكاساً للرؤية التي تتبناها المجلة، وللدور الثقافي والحجم الذي ترغب في أن تشغله في الواقع الثقافي، وأكثر ما يعد مميزاً لها، مقال رئيس تحريرها، الذي يفترض أن تكون شخصيته، الثقل الأساسي الذي يوجه دفة المجلة في بحر الآراء الثقافية الواسعة.

عبر موقع يحمل اسم صاحبه، ويقدم نفسه على أنه “موقع صحفي مهني”، قرأت مقالا لـ(الأمير كمال فراج)، وفي هذا المقال يتحدث عن (نواف يونس)، بما أنه يدير مجلة «الشارقة الثقافية‌»، والمشكلة الجوهرية أن (الأمير) في هذا المقال يحاول تقديم (نواف يونس) بوصفه رائداً للصحافة الثقافية العربية عامة، ولا شك أننا نحترم تجربة (نواف يونس) ومحاولته تقديم ما له قيمة ونفع في مجلة “الشارقة الثقافية”- وهي مجلة قيمة بالمناسبة- لكن كيف يمكن أن نصمت عن محاولة جعله “رائداً للصحافة الثقافية بأسرها” كما يحاول (الأمير) إظهاره؟ وهو فعل يسعى فيه إلى امتداح ولى زمانه، يذكرنا بالامتداح المرضي الراسخ في ثقافة المدح العربية في الشعر القديم، هذا المقال الذي يأتي تحت عنوان: «نواف يونس رائد الصحافة الثقافية»، هو نوع من الامتداح المرضي الذي يسيء لكاتبه، وللمكتوب عنه.

لا نجد في تاريخ (نواف يونس) إبداعاً ثقافياً يمكن أن يجعلنا نضعه في مرتبة واحدة مع أيٍّ من رواد وكبار الصحافة الثقافية العربية ممن ذكرناهم سابقاً في مقالنا هنا، والحقيقة أنه هناك كثيرين يمكننا ذكرهم أيضاً، ولكن حتى لا يطول هذا المقال اكتفينا بمن سبقت شهرتهم أعمالهم، وإذا ما كان من المستحيل وضع (نواف يونس) من حيث المؤلفات والكتابات أو من حيث الأثر الثقافي مع (أحمد بهاء الدين) أو (أحمد زكي)، أو (أحمد حسن الزيات)، أو (عبد القادر القط) أو (عز الدين إسماعيل)، أو (صلاح عيسى) أو (سهيل إدريس) أو (إحسان عبد القدوس) أو غيرها من الأسماء التي مهما كتبنا أو قولنا عنها في مسيرة التاريخ الثقافي العربي فلن نفيها حقها.

وإذا كان لا يمكن مجرد وضع (نواف يونس) مع هذه القامات فكيف يمكن أن نسمح بتجاوزها من الأساس؟ وأن يكون هو رائداً للصحافة الثقافية وهؤلاء في مرتبةٍ متأخرةٍ عنه؟ فلنعود للمقال ربما نجد فيه طرحاً يجيب عن هذا التساؤل العجيب الذي ولَّدته رغبة ملحة في الامتداح الذي ولى زمانه في الوسط الثقافي والعربي: يقول (الأمير كمال)، بعدما يتحدث عن أن كل من يقابل (نواف يونس) يحبه، وبعدما يذكر أنه من مدينة طرطوس، ورغم رفض (الأمير كمال) لفكرة تجنيس الإبداع إلا أنه يرى السوريين في طليعة الإبداع، ثم يخلص من ذلك إلى: «وأعتقد أن البحث في جذور ذلك، سيصل بنا في النهاية إلى حقيقة مهمة مجردة هي “الإنسان السوري” صانع الحضارات، المبدع، عاشق اللغة والمعرفة الذي لا زال يتمسك بالحلم العربي، ولا زال يؤمن بتحقيقه.»

نشعر هنا بنقص شديد في النتيجة التي يجدر أن يخلص إليها الكاتب، ماذا بعد كون الإنسان السوري صانعاً للحضارات ومبدعاً وعاشقاً للغة والمعرفة؟ (ولا أحاول أبداً التقليل من منجز الكتاب والمبدعين السوريين، فبينهم رواد مؤسسون في حقول اللغة والشعر والرواية العربية لا يمكن تجاهلهم في ذاكرة الثقافة العربية، وهذا غني عن الذكر).  كنت أتوقع أن يقول أن ذلك مهد لأن يكون (نواف يونس) رائداً في كذا وكذا، ويتفرع من ذلك إلى تسليط الضوء على أعماله، والتعريف بإسهامه وإنجازاته، لكن يبدو –تحديداً- أن ما كان يتجنب (الأمير كمال) الحديث عنه هو إنجازات من يمتدحه، وتتحقق حالة من حالات اللامنطقية في المقولة التالية: «عندما قابلت الأستاذ نواف لأول مرة في مكتبه في مجلة “الشارقة الثقافية”، أدهشني بكرمه وترحابه وثقافته، وأدركت أنني أمام رجل من جيل الرواد الذين يحملون القيم الأدبية الرفيعة التي صنعت المجد الثقافي العربي، وعندما منحني فرصة الكتابة في “الشارقة الثقافية” فرحت كأنني أنشر لأول مرة، كان يصفني في البداية بـ”الشاب المصري”، وكنت عندما أسمع هذا الوصف أبتهج في داخلي، وتدب في سنيني الخمسين روح الشباب.»

أتصور أن هذا الجزء الكاشف من المقال هو جوهر سبب كتابة المقال، القضية ليست قضية ريادة ثقافية بقدر ما هي قضية منح الفرصة للكتابة له بعدما وصل إلى سن الخمسين ولأول مرة ينشر في مجال الصحافة الثقافية! إنه نوع من المجاملات، لا علاقة له من قريب أو بعيد بأفكار الثقافة وريادتها، وربما لو لم يذكر هذه الواقعة التي كشفت أن هذا الامتداح نتيجة أفعال شخصية ومكتسبات تحققت لكاتب المقال، لربما كان ألقى بقدر من الموضوعية على كتاباته، وما يعقب ذلك من إشارات ومقارنات بين (نواف يونس) و(سمير رجب) من أن نواف يونس يمكنه أن يكتب مقاله وسط أية ضوضاء وفي جو صاخب، في حين (سمير رجب) كان يحتاج لقدر من الهدوء حتى يكتب مقاله، ويبدو – من إيراد هذه الفقرة- أن هناك اختلاطاً لدى (الأمير كمال) عن معرفته برواد الصحافة بعامة، ورواد الصحافة الثقافية بخاصة، فهو لا يبدو أنه اطلع على مسيرة من ذكرناهم سابقاً، وأن أي عمل في مجال الصحافة بالنسبة له هو عمل صحفي، وهو ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة كتابته في مجلة يفترض أنها ثقافية متخصصة!

لم يحدثنا الكاتب عن إنجازات (نواف يونس) الثقافية، ولا عن كتبه أو إبداعه، ولا عن رأيه الثقافي ومواقفه من القضايا الثقافية الكبرى “أو الصغرى”، ولا حتى عما استطاع (الأمير كمال) أن يحققه في مجلة “الشارقة الثقافية” تحت دعم (نواف يونس) له، وبدلاً من ذلك يحدثنا عن انضباط (نواف يونس) في العمل، وحضوره من الساعة السابعة صباحاً، وتدخينه الشره وعدم استخدامه الهاتف المحمول لأسباب صحية،

إن هذا المقال يمكن تدريسه في الأكاديميات الصحفية المتخصصة عما يحدث عندما يريد شخص أن يشيد بآخر، فتتسبب كتاباته في الإساءة لنفسه ولمن كتب عنه.

………………………….

[1] – حسين شفيق: الصحافة المتخصصة المطوعة والإلكترونية رؤى جديدة، رحمة برس للطباعة والنشر، القاهرة، 2007م، ص 11

[2] –  سليمان صالح: مقدمة في علم الصحافة، دار النشر للجامعات، القاهرة، 1994م، ص 74

[3] –  فاروق أبو زيد: الصحافة المتخصصة، عالم الكتب، القاهرة، 1986م، ص 5

مقالات من نفس القسم