فاطما خضر
في أبريل 1925، صدرت الطَّبعة الأولى من رواية «غاتسبي العظيم»، للرِّوائي الأمريكيّ «فرانسيس سكوت فيتزجيرالد». واليوم بعد مرور مائة عام على صدورها، تُصدر «منشورات الجمل – 2025» النَّسخة المُترجمة إلى العربيّة، بترجمة «فاطما خضر».
عند التَّفكر في «غاتسبي العظيم»، لا ينبغي أن ننظر إليها بوصفها روايةً شكّلت نقطة انطلاق لطرح الموضوعات والأسئلة الأمريكيّة الكبرى في عقد العشرينات فَحَسب؛ بل يجب الغوص في ثَراء الكتابة الأدبيّة لفيتزجيرالد. وبالتَّالي يجب أن نتعامل معها لا من حيث أهميّتها الاجتماعيّة والثقافيّة وَحَسب، بل بوصفها تجربةً أدبيّةً مُتكاملةً، ذات بناءٍ متينٍ، وسردٍ مترابطٍ، ولغةٍ تتنقّل برشاقةٍ وذكاءٍ بين الدِّراميّة، والرَّمزيّة، والشِّعريّة، وفي مواضع أخرى السَّاخرة وحتّى العُنصريّة، وذلك وفقًا لشخوص الرِّواية.
غالبًا ما ارتبطت الرِّواية في أذهان القرّاء، أو المُشاهدين الَّذين تَعرّفوا عليها من خلال الأفلام العديدة المُقتبسة عنها، بالحفلات المُفرطة في البذخ، حيث الموائد العامرة، وأفخر أنواع الخمور، والأضواء البرّاقة، وموسيقا الجاز الَّتي لا تتوقَّف؛ لكن هذا الرَّبط ليس سوى نموذج من سوء الفهم الَّذي أحاط بها. إذ تُجسّد الرِّواية حقبةً زمنيّةً من الحياة الأمريكيّة، عُرفَت «بعصر الجاز»، لتكون شاهدًا حَيًّا على صعود «الحُلْم الأمريكيّ» وسقوطه، في زمن الانزياحات الاجتماعيّة والاقتصاديّة الكبرى. وبهذا، ليست الرِّواية مجرّد سردًا لقصَّة حبٍّ مستحيلةٍ أو حفلاتٍ صاخبةٍ، بل هي تشريحٌ دقيقٌ لوَهْم الحُلْم الأمريكيّ الَّذي تحوّل من فكرةٍ عن التقدّم والازدهار عبر العمل الجادِّ، إلى سعيٍ ماديٍّ محمومٍ نحو الثَّروة والامتياز الطَّبقيِّ، دون أن يلبّي ذلك السَّعي حاجة الإنسان إلى المعنى والانتماء الأصيل.
تمثّل شخصيّة «چِي غاتسبي»، بما تحمله من غموضٍ وثراءٍ فاحشٍ، استحالة تحقيق ذلك الحُلْم في واقع مؤطَّر بانقساماتٍ طبقيِّةٍ صارمةٍ. فغاتسبي، الَّذي بنى ثروته الهائلة بطرُقٍ غامضةٍ ومشبوهةٍ، كان يأمل أن تمحو هذه الثَّروة هويّته الأصليّة المنتمية إلى طبقةٍ شبه مُعدمَةٍ؛ وأن تفتح له الأبواب الموصدة، ليدخل إلى عالم الطَّبقة فاحشة الثَّراء القديمة، ومثّلتها في الرِّواية شخصيّات مثل: «توم بيوكانِن» وزوجته «ديزي».
وتكشف الرِّواية بوضوح أنَّ الثَّروة وحدها لا تستطيع شراء المكانة الاجتماعيّة أو ضمان القبول من النُّخبة المتجذّرة. مثَّلت «إِست-إيغ»، حيث تقيم «ديزي» و«توم»، الأرستقراطيّة القديمة والثَّروة الموروثة؛ في حين مثَّلت «وِست-إيغ»، حيث يقيم «غاتسبي» و«نِك كاراوِي»، الثَّروة الجديدة والطُّموح الحديث، ولم يكن الفاصلُ بينهما مجرَّد ماءٍ، بل فجوةٌ طبقيّةٌ عميقةٌ يتعذّر تجاوزُها. واصطدمت مشاعر غاتسبي العميقة تجاه ديزي بهذا الحاجز الطَّبقيّ؛ فهي لم تكن مجرَّد حبيبةٍ سابقةٍ، بل مثّلت في وعيه ذروة الانتماء إلى عالم النُّخبة والجمال والامتياز الَّذي حلم به دائمًا.
لم تقتصر لغة فيتزجيرالد في التَّعبير عن هذا السَّعي المحموم نحو حُلْمٍ مستحيلٍ ومحكومٍ بالفشل بسبب القيود الطَّبقيّة على السَّرد والحوار فَحَسب، بل امتدَّت عبر شبكةٍ مُعقّدةٍ من الرُّموز حاكَت نسيج الرِّواية، ممَّا منحها عُمقًا وجمالًا شِعريًّا. ولم تكن هذه الرُّموز مجرَّد زخارف أدبيّةٍ وَحَسب، بل أدواتٍ تحليليّةً كشفت عن الطَّبقات الخفيّة للمعنى، ومن أبرزها:
– الضَّوء الأخضر في نهاية رصيف منزل ديزي: وهو الرَّمز الأكثر شُهرةً في الرِّواية، الَّذي بدا في البداية، تجسيدًا لأملٍ وطموحٍ غير محدودَين، لكن اتَّضح في النِّهاية أنَّه مجرَّد ضوءٍ عاديٍّ على رصيف، ممَّا يُشير إلى وهن الحلم وهشاشته.
– عينا الدّكتور ت. ج. إيكلبِرغ على اللوحة الإعلانيّة في وادي الرَّماد: تُشيران إلى فكرة وجود إله أو ضمير أخلاقيٍّ يُراقب الفساد والفراغ الأخلاقيِّ والغياب التَّامِّ للقيم في المجتمع الأمريكيّ، دون أن يتدخَّل.
– وادي الرَّماد: المنطقة الصناعيّة القاحلة والموحشة بين مراكز الثَّروة الثَّلاثة (نيويورك، وِست-إيغ، إِست-إيغ)، ويرمز إلى الطَّبقة العاملة المُهمَّشة والوجه القبيح للحلم الأمريكيّ. فبينما يصنع الأثرياء ثرواتهم ويستمتعون بحفلاتهم الصَّاخبة، يتحمَّل سكان هذا الوادي الفقراء العبء البيئيِّ النَّاجم عن الصِّناعة الَّتي تُثري الآخرين.
– سيَّارة غاتسبي الصَّفراء: يُشير لونها الأصفر الفاقع إلى ثروة غاتسبي الحَديثة، ومحاولته الظُّهور بمظهر البذخ لجذب انتباه ديزي. كما تُعتبر رمزًا للدَّمار والعنف، إذ إنَّها الأداة الَّتي تُسبّب المأساة، في إشارة من فيتزجيرالد إلى الطَّبيعة المدمّرة للثّروة والطُّموح عندما يُساء استخدامُهُما.
– الطَّقس: يستخدم فيتزجيرالد الطَّقس ليعكس الحالة النَّفسيَّة والأجواء الدِّراميَّة. فعلى سبيل المثال: جاء لقاء غاتسبي بديزي بعد فراقٍ طويلٍ في يومٍ ماطرٍ، ليعكس التَّوتُّر والقلق والإحباط العاطفيِّ. ووقعت المشاجرة المحتومة في فندق بلازا في نيويورك في يومٍ حارٍّ خانقٍ، مما ضاعف من حدّة التّوتُّر والعدوانيّة بين الشَّخصيّات حتى انفجر الخلاف.
أضفَت هذه الرُّموز المتشابكة وغيرها، إلى الرِّواية بُعدًا فلسفيًّا وعمقًا في بنائها السَّرديِّ، لتصبح أشبه بمرآة تعكس النّزاعات المادِّيِّة والانقسامات الاجتماعيَّة والفوارق الطَّبقيَّة الَّتي ما تزال تحكم المجتمعات الحديثة، ما يجعل «غاتسبي العظيم» عملًا أدبيًّا خالدًا يتجاوز عصره، قابلًا لأن يتطوّر في ذهنيّة القارئ مع كلِّ قراءةٍ تأويليّةٍ جديدةٍ، وهذا باختصار ما تفعله الرِّوايات العظيمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاعرة ومترجمة سورية، الرواية صدرت عن منشورات الجمل