أحاجي اليابسة والماء .. قراءة في رواية “أسفار مدينة الطين”

أسفار
فيسبوك
تويتر
واتس أب
تيليجرام

ما تلقيه ذخيرة أيام الوعي و الخرف على كاتب أسفار مدينة الطين

تسنيم الحبيب*

” و ابتسم كاشفا عن صف أسنان سليم لولا سقوط أحد أنيابه ، سألته كيف تدخلني الحكايات في مشكلة ؟ و مع من ؟ “

” مع نفسك “

يُحسب لأي كاتب تفرده في مشاريعه الأدبية، كما يُثمن ” تركيزه ” على قضايا معينة، أو مِهاد حكائي خاص تتحرك فيه الأحداث، والكاتب الكويتي سعود السنعوسي في عمله الراوئي الجديد المعنون بـ أسفار مدينة الطين و الصادر بجزأيه الأول و الثاني عن دار “مولاف “، يمازج بين التجربتين – التفرد و التركيز – عبر تقنية السرد حمال الأوجه. إذا أنه يقدم في هذا العمل جِدة على المستوى الفني في الوقت الذي يعود فيه – كطير المولاف – إلى مِهاد المكان الحكائي الزاخر بـ : المُحاكاة – التخييل – والتمثيل بالأسطورة . دون أن يُحصر فضاء الرواية في هذه الثلاثة مفاهيم .

تشبه الرواية غرفة منسقة بدمى ماتروشكا – دمية في قلب دمية – و حكاية في جوف حكاية، أو ربما التعبير الأنسب هو: خرائط تقود إلى خرائط ودليل يعزز أثر دليل، ثم أحداث “تتناظر” في مرايا السرد لتصل إلى مستوى يفوق الترميز إلى بُعد آخر قد يسمى ” ترميز الترميز ”  ، ولا مبالغة في تأكيد استحالة إهمال أي تفصيل بل أي سطر حتى يتماهى التلقي مع روح العمل و يقترب من حِيله مستعملا طاقة وعيه القصوى ، ومع ذلك لا يمكن القول أن العمل بتجريده من الحيل يٌخفق في تحقيق هدف السرد الأول وهو الإمتاع ودهشة  تتبع الحبكة ،إذ بالإمكان أن يُتلقى على مستوى الحكاية الواضحة ، تلك التي تدور في حقبة مٌهملة من تاريخ الكويت ، وتتعرض لتفاصيل معارك معروفة كمعركة الجهراء أو مجهولة كمعركة ” حمض “، و تجول في بيوت الطين بمكابدات بقائها وعوزها وصراعات شخوصها المتعددة و المنساقة إلى مآزق الهوية كما في حكاية سعدون و خليفة و عاموس بن شاؤول و مبروكة ، و شظف المعيشة كما في قصص الغاصة وأثقال ديونهم ،و متاعب انتظار عودة سفن الغوص على اللؤلؤ كما في حكايات انتظار النساء المتشحات بالسواد على السيف المشتاق أو مواجهات الغاصة و أهل “الخشب” لمزاجية البحر وغدر سكّانه ، و تتعرض أيضا إلى ثقافة المهاد الروائي بطبيعته المتوجسة من كل جديد أو دخيل كما في تعالقه مع أفراد البعثة الطبية التبشيرية الأجنبية  وغيرها مما يُحرز الهدف الأبلغ للقص

كون من سرد :

كعادة الناص يبتكر كونا روائيا يسعى لاكتماله الذاتي حتى يوشك أن يوقع متلقيه بظنة التجريد الأقصى من كل علائق الواقع ، كأن الرواية بعناصرها:

-المتجانسة: كما في محاكاة تاريخ المكان وحوادثه وجغرافيته .

-التخييلية: كما في ابتكار أحداث من الخيال تُبتنى على شخصيات وعناصر من الواقع حيث ولّد الناص من خلال شخصية إلينور كالفري والشيخ سالم بن صباح والسيد القزويني وغيرهم تفاعلات سردية ترسم ملامح النص و تدير أحداثه .

-المتضادة: كما في الاشتغال على المواريث الأسطورية و تضمينها في جسد النص بحيث تشكل عجلات محركة للحبكة.

-المتناظرة: كما في تطوير العناصر إلى رمزيات تناظر رمزيات أخرى بحيث صارت ( مبروكة الأولى تناظر القطة إلينور) و(أم اللوه تناظر أم صنقور وسمكة العنفوز وربما الشايب أيضًا) و(بئر برقان النفطي يناظر برقان أبي العجائب صاحب المقام الخفي في الصحراء وأبي الملوك السبعة) ..وبالتأكيد غيرها الكثير .

-التمثيلية : كما في تشكيل ملامح النص من خلال :

أ-عناوين الفصول التي تتفاعل مع المتن بعلاقة ناظمة لتحريك الحدث فلا يقتصر دورها على التمهيد له بل يمتد إلى المكاشفة و الإشباع و الإحالة أحيانا كما في العنوان الذي تصدّر فصول ” الخرف ” الهاربة من مذكرات كاتب الأسفار ، فلا تأتي كلمة الخرف عبثا بل لصنع الإحالة وقابلية التأويل ، فهل يكون الشايب إفرازا لمخيلة الكتاب صادق بوحدب ؟ خصوصا حين يتشارك مع شخصية ” أم اللوه ” بوصف مميز و هو فك أسنان منظم يخلو من ناب،وهو الوصف الذي تشاركته “أم اللوه” مع أم صنقور و من ثم تشاركت مع سمكة العنفوز بوجود الثؤلول .

وأم حدب هي الشخصية المحورية التي تدرك بكامل وعيها أنها شخصية تتحرك في فضاء رواية يكتبها كاتب الأسفار ، و يحرص  ” الشايب” على تنبيه الكاتب ألا يعبث معها و يستهجن صورتها المكتوبة كامرأة حدباء برصاء يستفز الثؤلول النافر في وجهها الناظرَ إليها ، و التي يعطيها الكاتب اسمه فتصير ” الصاجة أم حدب ” و هو صادق بو حدب : كاتب يعنون مذكراته  المكتوبة عتبة للأسفار بـ : فصول الخرف ، و يبدأ بدوره بالشك بذاته في قفلة السفر الثاني ،  ويتبع دعوة الشايب إذ أكد له أن الرواية تصنع ” له” مشكلة خاصة مع نفسه ، فهل يضمن كاتبنا ” الأعلى ” لفظة الخرف في هذه الفصول عبثا ؟

ب-مقدمات الفصول الشعرية التي شكلت تمهيدا و تصورا أوليا يوضّب المكان الروائي .

جـ-انطباعية الخطوط المائلة و الفراغات والتظليل وبتر النص وما يوحي بمسودات العمل والملاحق والسيرة الذاتية للكتاب الضمنيون كـ (كاتب الأسفار ومحرر وزارة الإعلام و محاورات الشخوص المرتفعة إلى كاتبهم العالي) .

د-اللوحات التشكيلية لـ مشاعل الفيصل و التي تمثل نصا موازيا للعمل و أحيانا مكملا له، كما في فصل انتحار سعدون .  وليس القصد أن الكتابة المجردة لم تكن هنا كافية لفهم الحدث حيث أمكن من خلال استنطاق النص بعنوانه و متنه و حواشيه  و معاودة تدبره الوصول إلى المعنى غير أن اللوحة بدت عنصرا مكملا و مساعدا لجعل عملية التلقي أكثر انسيابية ..

من خلال كل ذاك بدت الرواية كونا مستقلا بذاته ، يسعى لاكتماله ويقطع صلته بالواقع أو يكرس له واقعا خاصا بحيث يعيش المتلقي الرواية بالرواية ، منغمسًا بعالمها .

تناسق الأحاجي وصولا لسؤال القضية الكبرى :

تتشكل رواية أسفار الطين بجزأيها وفق منظومة الأحاجي والحيل، وتصل بقارئها عبر هذه البنية السردية التي تنسق بين وظائف الرواية وعناصرها بصورة مبتكرة ترفع من مستوى التلقي إلى ذروة وعيه ، فتصير الأحجية بابا للسؤال و السؤال باب للتأمل ، والتأمل محاورة ذاتية خالصة لقضية الرواية الكبرى التي أظن أنها تدور حول العلاقة الجدلية بين الإنسان وقدره. إن سؤال المصير حيّر سائله وبعثر استقراره ، وانعكس ذلك على كل شخوص الرواية التي تكابد – من خلال وعيها الذاتي – وصولا إلى الطمأنينة .

فالصاجة أم حدب – التي تعي كينونتها الروائية – تقايض كاتب الأسفار بالانصياع لتنفيذ خطته التي تراها ذنبًا عظيمًا للتخلص من حدبتها. وسعدون الذي يغرّبه حب الرب عن  سمت أسرته فيتيه بين قبول المصير والضلال ويسعى للمغفرة الأبوية المشروطة بإثمار الصوف، وهذا الحدث بالذات صنع مفارقة لافتة في العمل، إذ أن كاتب الأسفار تحنن على سعدون المارق وأثمر في أرض المنسى الصوف الذي لا يثمر دلالة متجلية على المغفرة . وسليمان الذي يشقيه قبول المصير فيلتوي عليه بالغرق قابلا بمغامرة الموت والحياة منصتا للصاجات اللاتي كان يحكم على نبوءاتهن بالبدعة التي تصل إلى الكفر . أليس هذه الصور هي واقع الإنسان وملامح علاقته الشائكة مع قدره بين عبثية الشك وألم القبول، أو سلامة الفهم و طمأنينة الرضا.

لقد تضمنت الرواية في متن سردها مقاطع هامة، ودالة، تستمر في محاورة ذلك القدر العالي المرمز بكاتب الأسفار ؛ مقاطع يظهر فيها وعي الشخصية الكامل حين تناقش كاتبها، تجادله وتضيف عليه لتكمل الصورة ، أوتخطئه أحيانًا وتسكته. وفي محاورة ساطور العرد ص274 ينتقل كاتب الأسفار من تقنية سرد الراوي العليم إلى الخطاب المباشر لساطور في خطفة مدهشة ، تكشف تبلبل ساطور الداخلي، وانهزاميته المغلفة بالقسوة و الخيانة ، إذ يستمر الجدال ما بينه و بين كاتب الأسفار إلى الإفضاء إلى اللعن، وتلك انتقالية مدهشة، لم تعتمد من الناص ترفا إنما من خلالها – فقط – تتكشف أعماق الشخصية و مآزقها عبر سرد لا يميل إلى الوصفية النمطية .

تلك الاشتغالات التجريبية في الرواية رفعتها إلى مستوى أعلى في التلقي ، وهذا هو المقصود باحتياج المتلقي إلى كامل وعيه المتحفز من خلال تلك الأحاجي والمحاورات وبنية الرواية التجريبة بشكل عام .

مرور عابر لعناصر الرواية :

إن الحديث عن مسطرة العناصر في الرواية يعد عبثا في هذا العمل ، فمع ذلك الاشتغال التجريبي ، و ذلك المستوى الذي وصلت إليه الرواية ، قد يكون من الترف التطرق لخط الزمان الذي بعثره الرواي بين الحاضر و الاستباق و الاسترجاع الجواني و البراني . أو أن يتم التطرق للشخصيات بأبعادها و رمزياتها ، خصوصا إذا وصلنا إلى نتيجة حتمية مفادها : ألا( مكون ) في الراوية يعد هامشيا .

إن مكونات النص من :

1- مهاد مكاني متعدد بين البحر، واليابسة، والحاضرة وجزيرة فيلكا، والبيوت، ووعي الشخوص، ومكتب كاتب الأسفار ..

2- زمن مرن قابل للتمدد والضغط و العبور أحيانا كما في الأثمون ..

3- شخوص تمتد لرمزيات ..

4-أشياء محركة للنص و ذات دلالات و إحالات كما في : ماء الغريب – صخرة الساحل السوداء -البيص – قلادة الأضلاف – عصا أم حدب – صولجان أم حدب  و غيرها ..

5- كائنات متعددة واقعية و أسطورية لا تُقحم في النص عبثا إنما تحركه أو تساهم في تجليته و تصير إما عناصر متناظرة مع شخوصه أو كواشفه مثل : طيور الغاق ، سمكة العنفوز ، قطط خليفة ، بلبل شاؤول ، شيوخ البحر الستة – السبعة ..

6- لغة متولدة من صميم المكان ، قادرة على المحافظة على فصاحتها في الوقت الذي تعزز فيه انتماءها إليه ، فالمفردات مشبعة بنكهة المكان ، مُحيلة إليه ، قادرة على صنع التناغم بين المكان و الحدث و اللغة و حوارات الشخوص ، بل تكمل صورة الشخصية في ذهن المتلقي من خلال ألفاظه و تقنيات حواره و المفردات التي تحمل طابع اللهجة بفصاحة كاملة.

إن تلك المكونات تنسجم في لوحة السرد لتكمل بعضها ، دون أن تُقحم فترهل النص أو تخرق كثافته ، و قريبا من هذا التفصيل ؛ يستمر الناص في بناء نصه قافزا على توقعات الممكن و اللاممكن في العمل الروائي ، مقدما باشتغاله التجريبي هذا معايير جديرة بالتأمل في الكتابة الروائية . وبجزأي أسفار مدينة الطين : سفر العباءة و سفر التبة ، ثمة نص يحمل وجهي الاكتفاء و الجوع ، الاكتفاء بنص يفضي من جوهره إلى جوهره و يكمل ذاته بذاته ، و الجوع إلى مطاردة الحيل والأحاجي والأسئلة المعلقة تطلعا للجزء الثالث المرتقب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائية وناقدة كويتية 

مقالات من نفس القسم