جمال الطيب
بين الماضي والحاضر والحقيقة والخيال تدور أحداث رواية “فريدة وسيدي المظلوم” للكاتبة والروائية “هبة أحمد حسب”, والصادرة عن “مركز المحروسة للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات”- القاهرة- 2021م.
ترتكز الرواية على ثلاثة أضلاع: أولها تناول مشوار حياة “صافيناز ذو الفقار”, والتي لُقبت فيما بعد بــ “فريدة”, وانتقالها من الإسكندرية موطنها الأصلي إلى القصر الملكي بعد اقترانها بالملك “فاروق” ملك مصر. والضلع الثاني: “زينب” ابنة إبراهيم العطار, وسُميت بــ “زينب” تيمنًا بالسيدة زينب, أم العواجز كما أراد لها والدها, والضلع الثالث: الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرَّت بها البلاد, وبالتحديد في الفترة من عام 1938 تاريخ زفاف “فريدة” على الملك “فاروق” في 12 طوبة/ 20 يناير 1938, وحتى وفاتها في 16 أكتوبر من عام 1988, فخمسون عامًا هو عُمر الرواية.
صافيناز ذو الفقار/ الملكة فريدة
تسمية فريدة:
“تحولت إلى فريدة, لان العرافة بشرت الملكة نازلي أن نجاح وخلود عائلتها الملكية في حرف الفاء. فأنجبت فاروق وفوزية وفائقة وفتحية وفايزة ولن تسمح نازلي بأن تطأ قدم جديدة عتبة العائلة المالكة دون أن يكون اسمها بحرف الفاء, خشية أن يجلب النحس.”. (ص61).
تعلق الشعب بالملكة فريدة:
تغلّق المصريون بالملكة “فريدة” لأياديها البيضاء وتبرعاتها للأسر الفقيرة والأطفال وللمستشفيات, وخروجهم في تظاهرات تعبر عن غضبهم من طلاق الملك “فاروق” لها, وللتعبير عن تعاطفهم معها وحبهم لها.
جفاء البنات وقسوتهن على أمهم فريدة:
كان لجفاء بنات الملكة فريدة”, فريال وفوزية” معها وقسوتهم عليها وبُعدهم عنها واتهامها بالذنب في طلاقها من والدهم الأثر السَيَيءَ على نفسيتها ظل يلازمها لسنين طوال…”بناتي, يُحَمَّلنني ذنب فُقدانِ أبيهنَّ للعرش. يَلُمنَني على طلاقي من فاروق, وكأن الطَّلقَة اخترقت جسدي دون أن تقتلني وتدميني وتُشظَّي قلبي. يَلُمنني على الحب والألم والصبر ثم نفاد الصبر.” (ص229/230).
الملكة “فريدة” الفنانة التشكيلية:
بعد طلاقها, أضطرت “الملكة فريدة” إلى بيع ملابسها الملكية, كما لجأت إلى رسم اللوحات وبيعها حتى تنفق على نفسها… ” أكثرُ الوشوش التي رسمتها ملامحُ الفلاحين الذين كانت تراهم حول قصر الهرم. وشوش نحيلة خَمريَّة تميل إلى السُّمرَة، رجال بجلاليب ملوَّنة وعِمَم، نساء بجلاليب منقوشة وطُرَح سوداء. تُعبَّر عن وحدتها وألمها بأن ترسم أناسًا تراهم حولها.”. (ص162).
رحلة المرض:
عانت “الملكة فريدة” من مرض اللوكيميا/ سرطان الدم… “وحين شعرت بشيء غريبٍ يتسللُ إلى داخلها قامت بعملٍ روتينيًّ تقومُ به على فترات, مجرَّد تحاليل. لكنها لم تكن هذه المرة مجرَّدَ تحاليل, بل كانت التحاليل التي أظهرت لديها لوكيميا في الدم.”. (ص420). ثم وأثناء عملية نقل دم إليها تطلبتها حالتها المرضية, نُقل معه التهاب كبدي وبائي.
وفاة الملكة “فريدة”:
أثناء إقامتها في “سويسرا” مع بناتها, ساءت حالتها الصحية, لتوصي بعودتها إلى “مصر” حتى تُدفن هناك في مقابر العائلة بالإمام الشافعي…”في مصر، وحتى خرجت تلك الأنفاسُ الأخيرة فجر ٥ بابه/ ١٦ أكتوبر ١٩٨٨؛ كانت فربدة تبكي لدقائق، وتبتسمً راضيةً لدقائق, وحين تتكلَّم تُوصي مَن حَولَها بألَّا يخافوا الموت، وتُردَّد جُملَتَها التي حفظوها جميعُهم: “الموت مجرَّدُ مرحلةٍ، مَثلُه في ذلك مَثلُ الحياة”. (ص425).
المحاور التي شكّلت شخصية “زينب”:
يأتي في المقدمة والدها “إبراهيم العطار” وزيارتها للأولياء والموالد:
“هو لايفوت مولدا من موالد السيدة زينب دون أن يحضره وأن يساهم بنفسه في إعداد أرغفة العيش باللحم, أو العيش بالفول النابت، حسبما تكون عليه ظروفه المادية آنذاك. بل ويحمل معه الكراتين المملوءة بالفول السوداني والملبس والترمس الذي تعده ناعسة لأطفال المولد. وحين يوزع بنفسه الطعام على زوار الست يهيأ له أن الخير الذي تحمله السيدة زينب في مولدها لو وزع على سكان القاهرة جميعًا – النصف مليون – لكفاهم وزاد”. (ص ٥٦).
والمحور الثاني هو الشيخ “عبد التواب” والد زوجها “سعد الدين” وخرصه على حضور ذِكر يوم الثلاثاء من كل أسبوع, فهو من مريدي الطريقة الرفاعية لسيدي “أحمد الرفاعي” القطب الغوث الإمام, والكرامات التي كانت شاهدًا عليها في حياته, بل وفي مماته والاحتفالية, بدون سابق ترتيب وعلى غير رغبته, التي شاهدتها جنازته, سواء من البشر الذين ساروا في جنازته, والزغاريد التي انطلقت من الشرفات التي تطل على الشارع أثناء مسيرة الجنازة. بل وتتواصل كرامات الشيخ “عبد التواب” حتى بعد وفاته… “لن تنقطع كرامات الحاج عبد التواب عن سعد وزينب حتى بعد موته. ورث عنه سعد زيارة المقامات والأولياء بشكل دوريًّ مُتكرَّر. جاء يوم زيارة السيدة سكينة، وكان الوقتُ فجرًا حين اصطحب سعد صديقَيْن له لصلاة الفجر في السيدة سكينة.. وقام أحد الصديقين وكان مُصوَّرًا بالتقاط صورة لسعد وللصديق الآخر بجوار المقام. حين حمَّض المصوَّر تلك الصورة وجد فيها شخصًا ثالثًا يقف بجوارهما، ظهرُه للمصور ووجهُه للمقام، يرتدي قفطانًا وطربوشًا. كان هذا الشخص الثالث هو الحاج عبد التواب بشحمه ولحمه؛ ظهر في الصورة بعد وفاته. بكى المُصوَّر خوفًا ورهبةً وخشوعًا، ولولا لطف الله به، ولولا أن هدَّأَه سعد وأسهب له في الحديث عن عبد التواب وكراماته لَفَقَدَ ذلك الرجل المسكين عقله، وبعد أن ثَبُتَ عقل المُصوَّر ودينُه ظلَّ يحكي عن الصورة الخارقة لكل زبائنه، وبروَزَها ببروازٍ كبير من النحاس، ووَضَعَها في صدارة الاستوديو الخاص به، استوديو “كلاسيكا” بشارع ٢٦ يوليو.”. (ص263).
(ملحوظة: الصورة مرفقة في الصفحات الأخيرة من الرواية).
زينب ومولد السيدة زينب:
دأبت “زينب” منذ طفولتها على زيارة آل البيت والأولياء, مع أبيها… “وحين شبت قليلًا وأصبحت تسير بجواره ممسكة بيده، أفسحت لنفسها مكانًا في دائرة المداحين وجلست بجوار أبيها مغمضة العينين باسمة, وتتمتم كأنها تتحدث إلى أحد ما. كما انها لا يهدأ لها بال إلا بعد أن تنتهي من توزيع آخر شقة فول نابت في كرتونتها الكبيرة. بينما جلس إبراهيم جوارها على الأرض. وأصبح هذا “سلوها” في موالد الآل عامة، وفي مولد الست خاصة”. (ص ٥٨).
تسمية شارع محمد المظلوم :
“تقول الحكايةُ إن رجلًا يُدعى “محمدًا” كان رجلًا صالحًا، عُرف بين الناس بتقواه، وأتُّهِم ظُلمًا بالقتل. وبعد ما قُطِعت رأسُه سأل دمُه على الأرض كاتبًا كلمة “مظلوم”، ثم جعَلَت رأسه المقطوعة تدور بين الناس بينما تُردَّد “مظلوم. مظلوم. مظلوم”. ومن نفرٍ إلى نفر، ومن جَدَّ إلى أبٍ إلى ابن، عرف الناس سيدي محمد المظلوم؛ يرمون تحت قدميه مظاليمهم ويطلبون الحشر معه يوم القَّيامة؛ فاللهُ لا بُدَّ ناصِفُه يوم العَدل.”. (ص53).
الحبل السَّرّي الذي يربط بين “الملكة فريدة” و”زينب إبراهيم العطار”:
هناك العديد من نقاط التماس والالتقاء الروحي بين “زينب” و”فريدة”, حيث
تزامن ولادة “ناعسة” لــ “زينب” مع زفاف “فريدة” على الملك “فاروق”.. (12 طوبة/ 20يناير 1938) …. “ففي نفس لحظة خروج زينب من رحم ناعسة, في تمام الحادية عشرة صباحًا عقد الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر عقد قران فاروق الأول ملك مصر على صافيناز ذو الفقار التي أصبحت الملكة فريدة”. (ص ١٦).
تنقل المشاهد بين القصر الملكي وشارع سيدي المظلوم:
“ما يدور في سيدي المظلوم ليس بعيدًا عمَّا يدور في القصر. غَيرَ أن كلَّ ما يدورُ مُقسَّمًا على أهل المظلوم جميعهم, يجتمع كاملًا في قلب فريدة. تبكي حبَّها ليلَ نهار كشُكر الله وبسطويسي, تطمح إلى الهناء بينما ينفطر قلبُها على بناتها كناعسة, وتتماسك لتشد أزر نفسها وتتحمل مسؤولياتها كحُسن شام, ثم تهون عليها دنيتها وتكاد تهرب إلى حيث لا أحد يعلم تمامًا كما يدور بخلد حورية كويني.”. (ص112). (مشاعر الأمومة بين ناعسة وفريدة).
شخصيات شارع سيدي المظلوم:
إبراهيم العطار: والد زينب, ناعسة: زوجة إبراهيم العطار ووالدة زينب وصفية. تعمل بالخياطة نظير أجر لنساء شارع مظلوم, وصفية: شقيقة زينب الكبرى. جميعهم ينتسبون إلى شارع سيدي المظلوم. من الشخصيات التي لا نستطيع أن نحسبها ثانوية, بل فعالة وكان لها دور رئيسي بالرواية هي شخصية “حورية حسين” أو “حورية كويني” كما تحب أن تُنادى للشبه الكبير بينها وبين الفنانة الكبيرة “ماري كويني” وعشقها للمطرب “محمد فوزي”, يقول عنها الراوي: “لا يتغير جمال “حورية كويني” أبدًا.. جميلة هي على الدوام. ابتسامتها لا تفارق شفتيها, وغمازتان مفروشتان في قلب بسطويسي القهوجي الذي يتوقف عما يفعله ما أن يراها تمر أمام القهوة.”. (ص27). يواصل “هي ليست “كويني” ولا تمت لعائلة كويني بصلة لكنها تنظر لنفسها في المرآة كل صباح ولا ترى إلّا فتاة بالغة الجمال والفتنة، وممثلة متمكنة تفوق كثيرًا جمال وشطارة “ماري كويني” التي تشبهها لدرجة استوقفت جميع من رآها. “. (ص ٢٨).
عشق حورية لمحمد فوزي وتعلقها به:
“تتلصَّص حورية عليه وعلى أخباره وأفلامه. لا تترك مجلة فنية إلا وتشتريها خشية أن يفوتها خبرٌ عنه أو صورة. وزَّعت الشربات حين علمت بنجاح شركة الاسطوانات التي أنشأها “مصر فون”، والتي ضرب بها الاسطوانات المستوردة في مقتل.” (ص ٢٧2).
مرض المطرب “محمد فوزي”:
“ما بين لندن وألمانيا قضى محمد فوزي عام ١٩٦٥ مسافرًا بمرضه غير المُصنَّف آنذاك إلَّا بأنه “مرض فوزي” الذي لا يُعرف له طبٌّ ولا دواء. اعتزلت حورية الرقص في التياتروهات، وتفرغت لمتابعة أخباره وتتبع صوره في الجرائد والمجلات، وقد فقد الكثير من وزنه. ويوم أن استيقظت لتمسك بجريدة الأهرام وقرأت مانشيتَّها الشهير “نَشْر عظمّتَيْ حوض محمد فوزي”. هرعت حورية كويني لتجلس تحت قَدَمَيْ سيدي المظلوم تبكي بكاءً حارًّا، وتدعو لفوزي بالرحمة، الرحمة حيًّا، أو ألَّا تطول أيامه في ألم.”. (ص 3٢٧). (20 أكتوبر ١٩٦٦).
حورية كويني تتبع جنازة حبيبها “محمد فوزي”:
“صَلبت حورية طولها طوال الجنازة، كانت تتحامل على قلبها وقدميها بأن هذه هي المرة الأخيرة التي تراه فوق الأرض، فلتتحمَّل قليلًا. بينما زوجته كريمة ومديحة يُسري التي كانت زوجته لعدَّة سنوات لم تتحمَّلا البكاء وسقطتا مغشيًّا عليهما. كانت حورية كويني تتبع الجموع من بعيدٍ. إن اقتربت دُهس جسدُها الضئيل بالتدافُع، فابتعد، فلم ينجُ قلبها من الدَّهس.”.ُ (ص332).
ومن الشخصيات وثيقة الصلة بـ “الملكة فريدة” هي “حُسن شام” والتي تربطهما صداقة منذ الطفولة, وكانت محل ثقتها وتبثها شكواها حتى وهي في منفاها الاختياري في “سويسرا” أو “باريس”, واستمرت على صداقتها مع “فريدة” حتى وافتها المنية….. “الفتاة السكندرية الجميلة ذات العيون الزرقاء خريجة “نوتردام دي سيون” المدرسة الفرنسية للراهبات, التي زاملت فيها صديقتها صافيناز ذو الفقار التي ستصبح لآخر عمرها الملكة فريدة، ملكة مصر, وأم الأميرات. والتي تركت حُسن لأجلها الإسكندرية وصحبتها إلى أروقة القصر ودهاليز المؤامرات والمواءمات, وكانت شاهدة على كل الانكسارات التالية.”. (ص 3٤).
الختام:
– الراوي/ الضمير المتكلم/ الحفيدة والتي تروي هي أيضًا مسيرة حياة جدتها “زينب”, لتسير جنبًا إلى جنب مع مشوار حياة “الملكة فريدة”.
– شخصيات الرواية على تعددها وتباينها واختلاف مشاربها, تمكنت الكاتبة باقتدار من الإمساك بخيوطها.
– المزاوجة بين الواقع والخيال: الأحداث التاريخية: زفاف الملك فاروق من الملكة فريدة- العناوين الرئيسية لجريدة “الأهرام”- الحرب العالمية الأولى. كما لا تخلو من الأحداث الفنية: إستعراض لمسيرة حياة المطرب محمد فوزي منذ بدايته في كازينو بديعة مصابني بشارع عماد الدين حتى وفاته- مسرح إيزيس بالسيدة زينب والمطرب محمد الكحلاوي.
الأحداث التاريخية حقيقية, ولكن الحوار من نسج خيال الكاتبة وبرعت في نسجه.
– تتنوع الأفكار والأحداث في الرواية, فإلى جانب المتغيرات المتعددة التي مرّت بها البلاد, فهناك قصص الحب المتنوعة: صفية وشكر الله- هدية ونديم الهلباوي- حب حورية كويني, من طرف واحد, للمطرب محمد فوزي.
– اللهجات في الرواية متعددة, فمنها لهجة أبناء بحري التي تجري على ألسنة أهالي شارع سيدي المظلوم, لهجة الصعيد (نجاة)… “أما نجاة فكأنما حضرت لتوَّها من الهند؛ شعرٌ طويلٌ طويل، يفكُّ نفسه من العقصة الملمومة تحت الإشارب الشيفون الأسود، فينسالُ على ظهرها كالثعابين الأليفة ثم يتزحزح إلى كتفيها وذراعيها كلَّما تَحرَّكت، فتصبح كالشجرة ذات الغصون السوداء.”. (ص193/194), ولهجة الجنوب (مانجا الدلالة)… “غرق بيت أهلها بمركز كنوز بالنوبة ضمن هوجة فيضان. ولم يبق من أهلها غيرها. اعتبرها الناجون معجزة, تباركوا بها, وتهافتت البيوت على استضافتها. ظنوا أنها فقدت الوعي وتتهيأ لها الخيالات حين تاهت ليومين كاملين ولم يعثروا لها على أثر، ثم وجدوها بشحمها ولحمها نائمة بجوار النيل وقد بلل الماء ملابسها. اقسمت أنها كانت داخل النيل ولمست بيدها رمالًا صفراء! أنى لهذه الطفلة آنذاك أن تعرف أن في النيل رمالًا صفراء!”. (ص 50). والتي لا تتحدث بلهجة النوبية إلا حين “تبرطم” معترضة على شيء لا يروقها. واللهجة البدوية (سالمة بنت وهدان)….. “امرأة خمسينيَّة، ترتدي جلبابًا أسود، ذاتُ وجهٍ نحيل يميل لأن يكون وجهًا ذكوريًّا، حواجب ثقيلة غير مشذَّبة، وتتناثر بعض الشعيرات الرفيعة- لكنها كثيرة العدد- حول فمها وذقنها. كفوفها عريضة وجلدها خشِنٌ ذو شقوقٍ ربما يجري فيها الماء جريًا، هذه سالمة.”.(ص193), فالكاتبة تستنطق شخصيات روايتها في سلاسة وتدفق ، كلٌ بلهجته التي تتناسب مع بيئته ونشأته. ويتلاحظ ذلك في حرف (الجيم المعطشة) التي تأني على لسان “نجاة” الصعيدية و”سالمة بنت وهدان” البدوية. جاء هذا الاجتماع لهذه الشخوص, بلهجاتها المتعددة والمتباينة في شارع سيدي المظلوم, ليتحوَّل الشارع إلى شريحة مُصغَّرة لـ “مصر” بمختلف طوائفها من “أسوان” إلى “الإسكندرية”. كان لــ “نجاة” التي أخذت على عاتقها ترجمة لهجة “سالمة بنت وهدان”/ حماتها الأثر الطيب في فك طلاسم وسبر أغوار اللهجة البدوية المستعصية على فهم وإدراك “زينب”, ويعبّر عنه هذا المشهد الذي نوهت به “هبة أحمد حسب” في صفحة (196), والتي قالت عنه:
*بيتك ناچم بالحيل يا زلمية، يلَّا يا نچاة اندِعْسي ما تتباطين.
ثم هبَّت سالمة واقفة إلى خارج البيت وما زالت زينب مُتحجَّرَةً في مكانها، فتضحك منها نجاة:
**معلَّش يا عروسة متتفزعيش إكده، هي بتجولَّك بيتك ما شالله زين.. وبتستعچلني.. أصلها مَتِحٍبَّش اللكَاعة…
***هيَّ كلامها كده على طول؟ طب أنا هافهمها إزاي؟
**معلش اعذريها.. دِه لَغْوِتها طول عمرها مَتعرِفش تغيَّرها. (ثم تهمس بالقرب من أذن زينب): وعَجْلها بِجِي بعافية شوية بعد اللي حُصُل لعيالها.”.
– من الإنصاف الشهادة للكاتبة براعتها في نقل وتصوير ردود أفعال الشعب بمختلف طوائفه لحظة استماعه إلى خطاب السادات ينعي فيه للأمة وفاة الزعيم جمال عبد الناصر.. “فقَدَت الجمهورية العربية المتحدة.. وفقَدَت الأُمَّةُ العربية.. وفَقَدَت الإنسانيَّةُ كُلُّها… (نظرت صفية إلى شكر الله وغرست أظافرها في كتف سميح الجالس على كرسي السُّفرة أمامها بينما هي تقف خلفه).. رَجُلًا من أغلى الرجال.. (صرخ نديم في بيته بالسيدة زينب وسقط على الأرض يبكي يتنهنه وتتداخل نهنهاته مع الصوت الباكي بجوار السادات والذي لا يُرى وجهُه)… رجلًا من أغلى الرجال… (وضع شكر الله يديه على وجهه وانسابت دموعه على خدَّيْه)… وأشجع الرجال (شهَقَت زينب وأمسكت بيد سعد الجالس بجوارها على الكنبة)…”. (ص356/357).
– تتدخل المؤلفة في سياق الأحداث بآراء تحمل فلسفتها تعليقًا على المجريات التي تحفل بها الرواية…. “يُقال إننا نعيش لنثبت القدر المكتوب علينا سلفًا ولنشهد على ذلك يوم الجَمع، ولكن ما بال قدر هذه الأيام يأخذ الكلام من أفواهنا ثم ينفَّذه حرفًا بحرف؟ أيُعقل أن يقرأ القدر كتاب المَلَكين عن إيماننا وشمائلنا ثم يختار بعض السيناريوهات التي قلناها بألسنتنا لينفَّذَها لنا!”.”. (ص300/301). وفي موضع آخر من الرواية, تقول: “خطير هو العطاء بعد المنع. اختبارٌ أشدَّ من المنع ذاته. كيف سيري العبد الضعيف ما أعطاه الله بعد طول احتياج؟ هل ستكون النعمة باب جحود فيكون منعها أقوم له، أو ستكون عمودَ حمدٍ يصل العنان فيُحقَّق المنع هدفه وترقُّ القلوب؟” (ص167).
– جاءت فصول الرواية تحمل في عناوينها الأمثال الشعبية المرتبطة بالشهور القبطية كآداة سردية تعكس التحولات النفسية والجسدية للشخصيات.
– كما بدأت الرواية بوفاة الجدة “زينب بنت ناعسة”, كذلك تنتهي بوفاة “فريدة”.
– الغلاف للفنانين (مخلوف/ ميجو) حالفه التوفيق في التعبير عن متن الرواية, فجاء الغلاف ينقسم إلى نصفين: الجانب الأيمن للملكة فريدة وأمامها لوحة الرسم والأدوات من أقلام وفُرش, والجانب الأيسر لزينب وأمامها ماكينة الخياطة “أبو الهول”. وعلم المملكة المصرية (في الفترة من عام 1922- 1952) باللون الأخضر, والهلال الأبيض ونجومه الثلاث, وفي أعلى الغلاف “التاج الملكي” تاج الملك فاروق.




















