بلاعة مفتوحة في منتصف الطريق

تشكيل

حاتم عزام

لي جار اسمه كسبان خليل كسبان.

أبوه من الجيل المحظوظ؛ جيلٌ كان شبابه من السبعينيات حتى التسعينيات، لكن قطار الوظائف فاته، فبقي هو وأولاده على حياة الأجداد. مع السادسة صباحًا، يخرجون من باب الزريبة؛ هو على حمارة، يسحب بقرةً وجاموسةً وما شاء الله لهم أن يسحب، وأولاده خلفه.

ومن النصيب والقدر أن إلحاق الأولاد بالمدارس صار عادة اجتماعية وسلوكًا محمودًا في عيون أهل القرية. وفي أيام كسبان، أرسله أبوه إلى المدرسة.

كان المدرسون يُجلِسونه في آخر تختة في الفصل، وإذا جاء مفتش من الإدارة أرسلوه إلى أي فصل من الفصول التي لن يدخلها؛ لأنه خائب لا يعرف القراءة ولا الكتابة. وكانوا يستهوون ضربه لأنه حلوف وجلده تخين؛ لا يبكي ولا يتأثر بالعصي والجلود التي تنهال على كفيه وكتفيه وبطنه وظهره. وكان الأولاد يكرهونه بدافع الانحياز إلى الجلاد لا أكثر، ويسمونه: «جِلّة وخراء وألوط وشَخّة»، ويقولون إن رائحة جبنة قديمة تفوح منه.

وقد نجح كسبان في الصفوف الأول والثاني والثالث والرابع الابتدائية. وفي الصف الخامس، قال لأبيه:

«لن أذهب إلى المدرسة ثانية».

فأجابه:

«ستذهب يا ابن الكلب، ستذهب يا ابن ستين كلب».

ونكزه على الحمارة، فرفس كسبان وصرخ، ثم رمى بنفسه عنها، فاصطدم بالأرض وانشق صدغه.

سدّ والده جرحه بفِلّة سيجارة مدخّنة، وكتمه ببنّ فاخر. في البداية، تورّم الصدغ وأُصيب كسبان بحمى، وامتلأ رأسه بالقيح الذي أُفرغ ثلاث مرات. وأخيرًا، امتثل للشفاء. وفي أثناء ذلك وبعده، حاول والده أن يعيده إلى المدرسة بأن حمّله فوق طاقته في فلاحة الأرض، لكن كسبان أظهر تجلّدًا لا مثيل له، فأيس خليل وترك حبله على قفاه. وبعد عامين، امتنع كسبان عن الذهاب إلى الغيط، متذرعًا بالنوم والتعب والمرض، أو هاربًا منه.

ثم حلق رأسه على هيئة عرف الديك ودهنه بالچل. كان من طليعة مراهقي قريتنا الذين حلقوا هذه الحلاقة. ولبس البنطال الچينز، وكَفَزه على فخذيه، وانتعل الشبشب البلاستيك، ولبس السلاسل والخواتم ذات الفصوص والجماجم. وصار يقضي يومه في السيبر والبلياردو، بالفلوس التي يسرقها من محفظة أبيه أو من حصيلة بيع البيض واللبن والجبن والزبدة.

التصق الخزي والعار بطرف جلباب خليل؛ فمجايلوه يمطرون ابنه بأحكام الخزي والعار، على مسمعه وخلف ظهره. حتى إن أحدهم نبّهه ذات مرة:

«انجد ابنك يا خليل. فلم يبقَ أمامه إلا الذهاب مع الصغار إلى الخلاء، أو إلى البحر».

أطارت تلك الكلمات النوم من عيني خليل، وجعلته يدور في الغرفة كنحلة تاهت عن خليتها، يضرب كفًا بكف ويقول:

«يا شتات الشتات، أتكون لدينا أرض ويُهتك العرض؟ أيكون عندنا مُلك ويهلك الولد؟»

وتهدئه زوجته بعينيها الناعستين وشعرها المنسدل على المخدة:

«نام يا خليل، الصباح براح».

فيردد:

«يا شتات الشتات، أتكون لدينا أرض ويُهتك العرض؟ أيكون عندنا مُلك ويهلك الولد؟»

وعرض خليل على ابنه أن يعمل في الغيط مقابل يومية رجلين، لا رجل واحد ولا صبي، ومن دون مساهمة في البيت، على أن يدفع له تكاليف زواجه ومعيشة بيته. بيد أن كسبان أفصح عن رغبته في شراء توكتوك، وحلمه بأن يكون سائق توكتوك. فقفز الرجل في الصالة كنفّيخة نُفخت وتركت في الجو:

«لتركبك الكلاب الجَرْبة، ولتعمل في حمل خراء الناس. ولن أسأل في أمرك».

ولم تحِد تلك التهديدات كسبان عن حلمه، ولم تثنه عن عزمه أو تثبط همته؛ بل على العكس، فالحاجة أم الاختراع. شق طريقه بنفسه، وابتكر وسيلةً بعيدًا عن معونة والده: لعب ألعاب السيبر مقامرًا على الفلوس، مثل لعبة الرجل النطاط أبو زعبوط، ولعبة «كيف تخنق جارك»، ولعبة الرجل الذي يحرر عياله من العفاريت، ولعبة جامع الألماس تحت الأرض، ولعبة الحلزون المنطلق في الفضاء. وكان عليه أن يقفل اللعبة وينجح فيها من بدايتها إلى نهايتها من دون أن يموت ولو مرة واحدة، أو بعدد مرات يتفقون عليه. كما كان يقامر في ألعاب البلايستيشن والبلياردو والبينج بونج.

في ليالٍ كانت الدنيا تضحك له، فيرجع إلى بيته بمئات الجنيهات، وفي ليالٍ أخرى يرجع حافي القدمين. وما زاد الطين بلةً على رأس والده أن شابًا أو ذاك كان يطرق باب بيته، من حين لآخر، مطالبًا بمال له على كسبان؛ فإما أن يدفع، وإما أن يصرخ الشاب ويشتم ويعلن بصوت عالٍ…

قالت له زوجته:

«لقد تغيرت الدنيا يا خليل، وأصبح فيها مئة سكة بدلًا من سكة الأرض والزرع والقلع والشمس والطين. دعه يعيش أيامه، وساعده يعيش دنيته».

رضخ خليل، لا بسبب نصيحة زوجته فقط، بل بسبب حال ابنه أيضًا، ورغبته في أن يطمئن عليه ويجنبه طرق الخزي والشر. فاشترى له توكتوك مستعملًا.

زيّن كسبان التوكتوك بفوّاحات عطرية في أكياس بلاستيكية، وكرات إسفنجية. ووضع أمام عينيه على الزجاج حصالة عليها رمز الدولار، وبجوارها قرد يتدلى من رقبته نابض، مما يجعل رأسه تهتز يمينًا ويسارًا، وأمامًا وخلفًا، مع كل خطوة. ووضع في فمه سيجارة حشيش، بعيون متراخية. كما وضع بازوكة لتشغيل الأغاني ببطاقة ذاكرة وريموت، يصل صوتها إلى إنعاش قلوب الأموات، كجهاز الصدمات الكهربائية. وكان كسبان أيضًا من أوائل سائقي التكاتك الذين صمّوا آذان أهل قريتنا بمهرجان: «آه يا توكتوك نفسي أركب له ماطور، آه يا توكتوك نفسي أقلبه حنطور، الزبون بجنيه، والست بنصف جنيه».

باع كسبان التوكتوك بعد ثلاث سنوات من العمل عليه، واشترى توكتوكًا جديدًا. زيّنه وفق أحدث موضات التزيين: خلع باب الماتور، وطلاؤه باللون البنفسجي أو البِربري، وتوزيع النمور والفهود البلاستيكية على عجلاته وفوق مشمّعه، وإجلاس بوب مارلي على يمينه.

أما عن نفسه، فلم يتخلف أو يتأخر قيد أنملة. كان يمشي بشبشب أسود ذي كعب عالٍ وإصبع أحمر، ويرتدي دستة شورتات مصيفية بألوان فاتحة، مرسوم عليها شمسيات أو أمواج بحر أو بطيخ أو جوز هند مفتوح ومنكوت بداخله مصاصة أو قطع فاكهة، وتيشيرتات بالألوان الفاتحة نفسها، مكتوب عليها كلمات إنجليزية لا هو ولا أهل قريتنا يفهمونها. أما قصة شعره، فكانت مثار إعجاب الشباب قبل الفتيات: يحلق مؤخرة رأسه وجانبيه، ويترك مقدمته، ثم يصفف شعره من اليمين بمكواة الشعر، فيغطي شعره الجانب الأيسر من رأسه وأذنه اليسرى، ثم يصبغه بالأسود ليكون فاحمًا في الظل، متلألئًا في الشمس.

ولما أتم عامه العشرين، بدأ تجهيز شقته الكائنة في الطابق الثالث من بيت أبيه، وأخبر الناس أنه يبحث عن عروسة. وتضمّن حديثه عن أخباره رغباته في زوجة المستقبل، أو صفات فتاة أحلامه: عليها ألا تكون بنت فلاحين؛ فهو يريدها بنت بيت. وعليها ألا تكون قد ذهبت إلى المدرسة؛ لأن المدرسة، في رأيه، تعلم البنات قلة الحياء وطول اللسان وقلة الأدب والوساخة، وأشياء أخرى تهدد قيم المجتمع وأخلاق الأسرة. لكن حلمه سقط في بلاعة مفتوحة في منتصف الطريق؛ فالتعليم تطور من عادة اجتماعية إلى جزء من المكانة والقيمة الذاتية والأسرية، ولم تعد هناك بنت لم تذهب إلى المدرسة، سواء أكانت بنت فلاحين أم بنتًا لمن لحقوا بقطار الوظائف.

استسلم كسبان للموجة، لكنه وجد نفسه أمام بلاعة مفتوحة في منتصف الطريق من جديد؛ فقد رفضته ست فتيات ذهب إليهن. رفضته الأولى لأنه ابن فلاحين، ولأنها ستعيش معه في بيت فلاحين، لا تزال البهائم تسكنه، وتفوح منه رائحة خُرائها وبولها ورائحة الجبنة القديمة. ورفضته الثانية لأن عقليته متخلفة؛ فهو لا يرفض عمل المرأة فحسب، بل يرفض أيضًا أن يعطيها مصروفًا في يدها. ورفضته الثالثة لأنه أرسل طلبات صداقة إلى صديقاتها على فيسبوك. ورفضته الرابعة لأن مظهره لا يوحي بأنه رجل. ورفضته الخامسة لأنه لا يملك عملًا ثابتًا أو مستقرًا أو محترمًا. أما السادسة، فرفضته لأنه ابن فلاحين.

***

في الساعة الثانية والنصف ظهرًا، في يوم من أيام شهر يوليو، كنت جالسًا في غرفتي أصغي إلى سكون الشارع، وأحسّ باستنجاد جسدي. ففي أيام القيظ هذه، يعمل الكبار ويلعب الصغار حتى تشتد الحرارة وتلسعهم لفحة الصهد، فيختبئوا في بيوتهم، ولا يخرجوا إلا بعد صلاة العصر. فيلف الجو صمت حار، وتشعر أنك في صندوق إسمنتي في صحراء. ولا يقطع الصمت الرتيب إلا زمّارة توكتوك أو أغنية صادرة منه، كأنها لازمة في معزوفة الانصهار.

وفي ذلك اليوم، وفي تلك الساعات، قطع الصمت نداء كسبان لي من أسفل بيتي. نعم، لسنا أصدقاء، لكن هذا لا يمنعه من طلب مساعدتي في أمر ما. ولكن، هل هذا الأمر مستعجل إلى هذا الحد؟ ألا يسمح بالانتظار ساعتين فقط، حتى نستأنف حياتنا وعملنا؟ أيّ شديدٍ قويٍّ جاء به الآن؟

فتحت باب البيت، فأقبل يصافحني وعلى وجهه ابتسامة تنم عن المودة والخجل. ووفقًا لأصول قريتنا، لا يصح أن أسأله مباشرة عن غرضه؛ كأن أقول له: «ماذا تريد؟» أو «ما الأمر؟» أو «خيرًا؟» أو «اتفضل». فهذه عبارات رسمية ترسم حدودًا وتشيّد حواجز بيننا، ونحن أهل. التصرف الصحيح أن أجلس على مصطبة البيت، وهذا ما فعلت. فجلس بجواري دون أن تفارقه ابتسامته، وقدّم لي سيجارة «إل آند إم» حمراء:

«لا أقدر، طفيتها توًّا».

لم يشعره رفضي سيجارته بالخجل، بل فهم منه أن مزاجي في حالة طبيعية، إن لم تكن جيدة؛ فهو يعرف أنني ابن بيت لا أقدر على تدخين سيجارة وراء أخرى. سألني:

«تعرف إنجليزي طبعًا»؟

«إلى حد ما».

فقدم لي هاتفه قائلًا:

«هذه البنت، ماذا تقول؟»

كانت صفحة محادثة على برنامج ماسنجر بينه وبين فتاة أجنبية، تضع صورة لها تركز على ثديها وملامح وجهها الطفولي. كتب لها في الرسالة الأولى: «هاااي»، وفي الثانية: «ممكن نتعرف؟»، وفي الثالثة: «إزيك يا عسل؟». أما هي فأرسلت له في الرسالة الأولى ملصقًا عبارة عن رزمة فلوس خضراء عليها علامة الدولار، ولها جناحان أبيضان كجناحي طائرة. وفي الرسالة الثانية، أخبرته بإنجليزية ضعيفة أنها من تركيا، وطلبت منه أن يحدثها باللغة نفسها.

أخبرته أنها تطلب مالًا، فعايرها بمهنتها. وانشغل عقلي بمقصده، فخرجت من المحادثة إلى الصفحة الرئيسة للتطبيق بحكم التعود. فإذا بكل المحادثات تحمل صورًا لنساء، كلهن بأسماء أجنبية؛ منهن سيدات وفتيات، رفيعات وممتلئات، بيضاوات وسوداوات. تزاحمت الأفكار في عقلي، ووجدتني أقول له:

«احذر يا كسبان؛ فالروابط التي يرسلنها قد تكون مفيرسة، فيخترقون جهازك ويسرقونك، إن لم تكن مزيفة أصلًا»!

فضحك وأجابني بابتسامته الخجولة الودودة ذاتها:

«ماذا تظن؟ ما في رأسك أمر بسيط وسهل. ولكني أقول: لو شبكت إحداهن وأرسلت لي فيزا، فسأسافر إليها وأتزوجها، وآخذ الجنسية، وأعيش وأعمل هناك».

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع