حوار مع الشاعر السوري سليمان عوّاد

بريد السماء الافتراضي

سليمان عواد

كتابة وحوار: أسعد الجبوري

كنا نرصد القبر الذي يرقد فيه جسده تحت تراب مدينته السورية ((سلميه)) دون أن بعض الزهور هناك.وحينما تراسلنا مع الشاعر الميت،أخبرتنا نجمة من بنات نش بأن الشاعر السوري سليمان عوّاد (1922 ـ 18/ 1 / 1984) غادر قبره منذ أمد بعيد،وأن مكان إقامته الآن في ظلال جبل موجود في السماء الثالثة يشبه جبل قاسيون الحاضن لدمشق.
ولم يستغرق تغيير الاتجاه الليزري سوى لحظات حتى كنا هنا أمام الشاعر وهو يرتدي سروال جينز وقميصاً من الحرير الأزرق المطرز بكتل من الغيوم الشبيهة بموجات من دخان التبغ.
جلسنا مع الشاعر نحتسي شراب ((المولورين)) المستخرج من الزهور الفردوسية .ومع تصاعد دخان من سيجارة سليمان عوّاد وارتفاع منسوب الثمالة من ذلك الشراب العجيب،فتحنا باب هذا الحوار معها قائلين:
س:هل تعتقد بأن للشعر دياراً ؟
ج/لا أظن ذلك.فالشعر ضدّ السكن في مكان محدّد.
س:ولا تستهويهِ الفنادق ؟!
ج/هو لا ينام إلا في مدينة( سلمية) مثلما يستيقظ هو على نور شمسيها كما جرت العادة.
س:عن أية شمسين تتحدث يا سليمان عوّاد؟
ج/عندما أتحدث عن مدينة سلمية،فأول ما يستحضرني نورها الثنائي : الشعر والسياسة.الشعر كشمس روحانية عالية .والسياسة كشمس في كسوف مرعب.
س:كيف ابتعدتَ عن تراب تلك المدينة وهجرتها لدمشق يا سليمان ؟
ج/أمسكتُ بخيط الرّيح لأخرج من ذلك التراب ،ليتم نمو جسدي في الشام مستعجلاً في حقول اللغة .
س:أتعتبر اللغةَ حقل قمح ؟
ج/ما كنت أعتبرها إلا حقلاً لزراعة التبغ على الرغم من إنها أرض القمح والشعير.
س:ولمَ كانت صورتها بذهنك للتبغ فقط؟
ج/لأن التبغَ حطبُ الشعراء الذي يتدفؤون على دخانه على مدار نّهارات القهر وسواد ليالي الغرام المفقود.
س:أكنتَ تعلمتَ الشعر من القهر والفاقة ؟
ج/ومن الحمى التي كانت تفيض بها أجسادُ الناس المعدمين والمناضلين من أجل الحرية والرغيف .
س:هل لأنك نشأت في مدينة تعيش الاضطرابات ؟
ج/سلمية مدينة لم يبرد الدمُ بعروقها منذ العصر الروماني مروراً بالإمامة الإسماعيلية وحتى عصور الانقلابات العسكرية.هي مدينة لا تريح ولا تستريح.
س:هل ضربتك تلك الاضطرابات بعدوى المشاكسة شعرياً ؟
ج/ربما. ولكن ضمن المجال اللغوي .
س:المجال الجوي للعقل أم للغة تقصدُ ؟
ج/أقصد أن تلك الاضطرابات قد أصابتني مبكراً ،لأخرج عن الشعر التقليدي والصناديق والأعمدة.
س:هل خرجتَ مُكرِهاً .وإلى أين خرجت بالضبط؟
ج/أستطيع أن أقول لك إنني نزلتُ عن أعمدة الفراهيدي لأطلق نفسي حراً خارج تلك الأقفاص المنظمة والمرتبة ترتيباً موزوناً بعناية فائقة.
س:كيف يمكن ربط العلاقة ما بين لغة حَمام سلمية ومعبد زيوس الأثريين إلى فضاء قصيدة النثر التي عملت على كتابتها بعيداً عن ذلك التراث الشعري المتراكم كالأطلال الهائلة؟
ج/أنا لم أخترع نظريةً في الفيزياء،بل عرفت الطيران فيزيائياً من الكهف إلى الطير إلى المطارات التي تفتح طرق الشعر المختبئ وراء الترجمة.
س:طرتَ عبر قصيدة النثر ؟
ج/أجل. فقد كنت ماشياً ذات يوم في المدى الصحراوي وتعثرت فجأةً،لأجد قدميّ تنهضان إلى ما فوق التراب .ولم يكن أمامي إلا القيام بتدوين تلك الحركة الشعرية التي جاءت على شكل نثر شعري.
س:وهل كنت في حالة سِكُر آنذاك يا سلمان عوّاد؟
ج/بالتأكيد.فقد كان جلدي يلمعُ بفضل الخمر الأبيض.ولولا ذلك العنصر المادي،ربما ما كان ليحدث ذلك التجلّي أبداً.
س:هل تعتقد بأن الخمر والشعر مرتبطان بحَبل سُّرّة المخيّلة على سبيل المثال ؟
ج/لا أشك بذلك.الشعراء يكتبون بالعرق لا بالحبر الصيني أو بأقلام الجاف أو الرصاص. الشعر محكوم بالتعايش مع الكحول.
س:أيحدث ذلك بسبب تعقيم الكحول للغة ،أم بسبب سرعة تبخره إلى أعالي الرأس من أجل الاستفراد بالمخيّلة وإنضاج القصائد؟
ج/اللغة برأس الشاعر حقول مفتوحة،طالما تهاجمها موجاتٌ من الجراد، موجةٌ تتبع أخرى،وما على الشاعر إلا أن يُرَحل ما برأسه من قصائد منعاً لآفات الجراد من التهامها والسيطرة على تلك الحقو بعد تركها أراضٍ جرداء.
س:هل عملك في وزارة الزراعة هو من قاد عقلك إلى مثل هذا الاستنتاج ؟
ج/نعم. فكثيراً ما اعتقدت بأن القصائد شبيهة بتلك الحشرات الجندبية التي تملك أرجلاً خلفية قوية تساعدها على القفز وأكل النباتات.
س:هل ثمة قصائد أكولة ؟
ج/ أجل. ولم أفضل غير ذلك الطراز من القصائد العمودية أو الحرّة أو تلك التي نشأت على طراز قصيدة النثر.
س:ثمة من ينسب ولادة قصيدة النثر السورية إليك كشيخ تلك القصيدة .ما رأيك؟
ج/أنا طفلُ تلك القصيدة الرومانسية منذ أربعينات القرن العشرين.كتبتها بعاطفتي دون العودة إلى المدارس والنظريات.
س:أنت فتحت الباب لقصيدة النثر مع الشاعر إسماعيل عامود دون تجاوز ما وراء العتبة،حتى اقتحم الشاعر محمد الماغوط القصيدة تلك،فأخذ معه البابَ والعتبةَ والطريقَ،فيما بقيت أنت وعامود شاعرين معزولين ضعيفين خارج حركة تطور الحداثة. ما رأيك بقول مثل هذا؟
ج/ذلك شيء محزن.وأقرُ بذلك .ولو بقي الماغوط في سوريا ،لأصابه الضعف مثلما فعل بنا ذلك ،ولكنه استطاع النجاة مما لحق بنا من كسل لغوي وضمور حداثوي بالابتعاد عن مسقط رأسه كمطارَد إلى لبنان.
س:إلى أي مدى تتحكم السياسة بالشعر برأيك؟
ج/السياسة مصيدةُ فئران،كلما اقترب منها الشاعر،سرعان ما يجد نفسه مختنقاً بالكماشة.
س:والأيديولوجيات .ماذا يقول سليمان عوّاد عنها ؟
ج/الأيديولوجيات هي قطعة الجبن التي توضع في المصيدة للإيقاع بالضحايا والتائهين بين الأطلال والأوهام .
س:تقصد أن رهان الشعراء على المصيدة وقطعة الجبن من الأخطاء الفادحة؟
ج/بالضبط.أنا عشت بوهميتي ضاحكاً على الفئران والمصائد وقطع الجبن.لا يمكن الركون أو الاطمئنان للسياسة في العالم العربي .
س:لماذا تقول ذلك ؟
ج/لأن المشانق والسجون تقف بمنتصف كل سطر سياسي.
س:هل ظننت مرةً أن الشعر حزبٌ؟
ج/ أبداً.كنت أراه متاهة رومانسية فائقة الجودة.وطويلة بلا نهايات.
س:قيل إنك كنت تخبئ قصائدك عند امرأة في حي القابون الدمشقي.ما مدى صحة ذلك ولمَ كنت تفعل ذلك بالضبط؟
ج/فعلت ذلك بنصيحة من الشاعر مدحت عكاشة ،وكان الدافع متعلّقاً بامرأة كنت قد تعرّفت عليها في مكتب (مجلة الثقافة) التي كان مدحت يرأسها .
س: وما قصتها ؟
ج/ كانت المرأة تحب كتاباتي الشعرية حدّ الجنون.ولذلك كانت تأخذ مني قصائدي الجديدة ،وتحتفظ بها قبل توجهي إلى خمارات الشام.
س:وهل سبق وان فقدت قصائدك بعد حادثة سكر ؟
ج/ أجل.فقد حدث وان فقدت حقيبتي اليدوية أكثر من مرة ،وكانت تحتوي على مقالات وقصائدي مع كافة كتاباتي .
س:هل زار رأس سليمان عوّاد الشاعر ديك الجن الحمصي بالمنام ؟
ج/أكثر من مرّة. وكنا نلعب طاولة زهر. المصيبة أن اللعين كانت له طريقة نادرة للغش بالنّرد.
س:أليست كتابة القصيدة لعبة نّرد؟
ج/عليكَ بطرح هذا السؤال على السيد بودلير.ربما هو اللاعب الأمهر في طاولة الزهر الشعرية .
س:كنت من المغرمين بالشعر الأوروبي ومن المترجمين له. كيف تم التفاعل بينك وبين الترجمة؟
ج/كان الأمر يقضي أن أفتح بعض النوافذ وأشم الهواء القادم من وراء الحدود.ولم أجد غير نافذة الترجمة.
س:هل فعلت ذلك بدافع شمّ النسيم الشعري الأجنبي فقط؟
ج/لا. ولكن كي أحتك بعوالم كبار شعراء العالم.فترجمت الكثير لشعراء من رومانيا.
س:كنت في كتاباتك الشعرية سريع الذوبان بالأفكار الفلسفية الصديقة للبيئة.هل تعتقد بأن الطبيعة الشعرية موازية للطبيعة الأم ؟
ج/الأرض قصيدة بلا قيود.وأنا اخترت الكتابة بالنثر لتحرير نفسي من الأقفاص.
س:متى طبعت مجموعتك الأولى من النثر الشعري؟
ج/أصدرت ديواني الأوَّل (سمرنار) عام 1957 بعد طباعته في مطبعة الجمهوريّة بدمشق.
س:تعني إنك افتتحت عصر قصيدة النثر قبل الشاعرين محمد الماغوط وأنسي الحاج؟
ج/بالطبع.ولكنني لم أسبق شاعرين سوريين (( علي الناصر)) و((أورخان ميسر )) اللذان سبقا الجميع إلى كتابة قصائد النثر في مطلع الثلاثينات كما في ديوان ((الظمأ)) لعلي الناصر 1931 . وديوان ((سريال)) لأورخان ميسر في 1947.
س:ولكن الغَلَبَة صارت في قصيدة النثر للماغوط.كان متقدماً الجميع بمشروع شعري ومختلفاً عن مكوناتك اللغوية والتخيلية بمسافة كيلومترات .أليس كذلك؟
ج/بالطبع.لقد سرق الماغوط جذوة النثر من موقدي.ولولا ذلك ما كنت أظنه احترق بتلك السرعة وبذلك الاشتعال العالي.
س:ألا تعتقد بأن مفردات التمرّد والتشرّد والسعال والخمر والتسكع مفردات لا يمكن أن يعوّل عليها في بناء قصيدة النثر كما انتشرت كالنّار في هشيم قصائد الكثيرين من الشعراء ؟
ج/بالطبع.علماً إنها مفردات حساسة وجارحة وتجذب.ولكنها لم تسحر عقولنا دون بنى الجمل اللغوي التي يتركب منها الشعرُ بالأساس.
س:كيف واجهت الحملات المناوئة لقصيدة النثر في سوريا ؟
ج/كنا خونة بامتياز. وكنا عملاء للغرب بامتياز.ولكنني أعطيتهم الأذن الطَرْشاء بامتياز.أجل. فقد مضيت محتضناً قصائدي كما تفعل الأمهات بالمواليد الجُدّد،دون النظر إلى الخلف.
س:ما الذي تشعر به الآن وأنت خارج قبرك ؟
ج/أشعر الآن بأنني لم أعطِ مدينتي سلمية ما تستحقه غير السعال وحرائق التبغ والتسكع .لقد هجرنا نحن الشعراء مساقط رؤوسنا ،وكأنها مدينة موبوءة بالطاعون.
س:ربما كنتم من الخوارج الذين وجدوا في دمشق الشام الثدي الممتلئ حليباً .أليس كذلك؟
ج/لا أعتقد ذلك. فحتى دمشق العاصمة لم تستطع قشط أتربة سلمية وآلامها عن جلودنا إلا باستثناءات نادرة.دمشق هجنّت أرواحنا بالثمالة ،وتركتنا عراة الأجساد تحت أسقف تَزْربُ منها دموع السماء لغسلنا من أوجاع لم تنتهِ حتى بعد خروجي منها جثماناً إلى مقابر سلمية.

 

…………
هامش:
أعماله الشعرية المطبوعة :
سمرنار 1957
شتاء 1958
أغان بوهيمية 1960
حقول الأبدية 1978
أغان إلى زهرة اللوتس 1982
الأغنية الزرقاء الأبدية 1986 ( طبع بعد وفاته بجهد من نجله د. رياض )
وله في الترجمة :
شعراء من رومانيا 1979
قصائد الضياء 1980
ذئب البحر 1983

شاعر وكاتب عراقي

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع