بولص آدم
ثمة موت يحدث حين يتوقف الجسد عن الحياة، وموت آخر يبدأ حين ينقطع صوت الإنسان عن العالم، وتغدو تجربته بلا شاهد. بين الموتين تتحرك قصيدة أحمد الشهاوي «ماذا لو متُّ وحيدًا في الليل؟»، حيث يتخذ الخوف هيئة تجربة شخصية تنفتح على مأزق إنساني أوسع: ماذا يبقى من الإنسان حين يغيب؟ ومن يحمل لغته حين يعجز عن الكلام؟ وهل تستطيع الكتابة أن تضمن وصول شيء من وجوده إلى الآخرين؟
يكتسب هذا السؤال دلالة إضافية حين نضع القصيدة إلى جوار ديوان الشهاوي «يمشون في السماء»، الذي يستعيد فيه شعراء ومتصوفة وفلاسفة ومفكرين طاولهم القتل أو التعذيب أو السجن، أو تعرضت كتبهم للإحراق. ففي القصيدة ينشغل الشاعر بمصير لغته بعد رحيله، بينما يتجه الديوان إلى استعادة أصوات حاول التاريخ إسكاتها. ومن اختلاف التجربتين تنبثق الكتابة بوصفها مواجهة للنسيان، ومحاولة لصون ما يمكن أن يتبقى من الإنسان في ذاكرة الآخرين.
ماذا يعني أن يمرّ وجود الإنسان من دون أن يجد مَن يصغي إليه؟
البيت الذي لا ينتظر صاحبه:
يقول الشهاوي:
«لمَّا أدخُلُ بيتي
لا اسمَ هناك سينتظرُ على البابِ
لي أو لِوُجُوهِي المُتعدِّدةِ الأخرى -»
يفقد البيت، في هذه الصورة، قدرته على التعرّف إلى صاحبه. لا ينتظر الاسم على الباب، ولا يجد الإنسان في المكان ما يؤكد حضوره. وتزداد الصورة عمقًا حين يستدعي الشاعر «وجوهه المتعددة الأخرى»، كأنه يخشى ضياع الصور التي عاش بها في العالم، ولم يعرف أحد منها سوى جانب محدود. ثم يقول:
«ولا قِطط الماضي سوف تعُودُ لتسألَ عني»
يتحول الماضي إلى كائنات أليفة اعتادت العودة، ثم انقطع رجاؤها. فالوحدة هنا لا تعني غياب الآخرين فحسب، بل تمسّ الصلات الصغيرة التي منحت الحياة ألفتها، وتكشف هشاشة انتماء الإنسان إلى عالم ظن أنه يعرفه.
تتصل هذه الصور بتأمل مارتن هايدغر في الموت بوصفه إمكانًا يخص الإنسان وحده، ويضعه أمام فرادة وجوده وحدود ما يستطيع الآخرون أن يعيشوه نيابة عنه. ويلتقي هذا البعد الوجودي مع قلق ريلكه من النداء الذي قد لا يجد مَن يسمعه، كما يتجلى في مطلع «مراثي دوينو»:
«مَن، لو صرختُ، سيسمعني بين مراتب الملائكة؟»
يفتتح ريلكه مراثيه بهذا السؤال الذي يضع الصوت الإنساني أمام احتمال ألّا يجد مَن يتلقاه، حتى في عالم تتجاوز فيه الموجودات حدود المألوف. وإذا كان هايدغر يضيء عزلة الإنسان أمام موته، فإن ريلكه يكشف هشاشة الصلة بين النداء ومَن يتلقاه؛ أما الشهاوي فيمنح هذا القلق صورًا يومية ملموسة: بيتًا صامتًا، واسمًا غائبًا، وماضيًا لن يعود ليسأل عن صاحبه. ومن ثم، لا ينحصر خوفه في الموت ذاته، بل يمتد إلى مصير الصوت واللغة بعد غياب صاحبهما، وإلى إمكان أن تعثر الكلمات على مَن يصغي إليها.
الجسد واللغة في مواجهة الموت:
لا يبقى الخوف فكرة مجردة؛ إذ ينقله الشاعر إلى الجسد:
«فليس سوى ضغطٍ مُرتفعٍ يجلسُ فوق الكرسيِّ
وليس سوى قلَقٍ يتأرجحُ في كرسيٍّ ثانٍ
وليس سوى شِعْرٍ ناشفْ»
يجلس الضغط والقلق حيث يُفترض أن يجلس الإنسان، بينما يبدو الشعر جافًا، كأنه فقد شيئًا من قدرته على التنفس. تتجاور هنا معاناة الجسد واضطراب النفس وجفاف اللغة، في مشهد تصبح فيه الكتابة نفسها عرضة لما يعانيه صاحبها.
وتشتد الصورة في قوله:
«رأسي مضغوطٌ
وقلبي أكثرُ ضغطًا»
ينتقل الألم من الرأس إلى القلب، من التفكير إلى النبض، كأن القلق استولى على الذات كلها. وحين يبلغ الخوف هذا الحد، تصبح الكتابة محاولة لتسمية ما يعجز الإنسان عن دفعه، لا سبيلًا مضمونًا إلى الخلاص منه. لكن القصيدة تبلغ ذروتها حين يتخيل الشاعر مصير لغته:
«منْ سيكفِّنُ لُغتي
ومنْ سيكفكفُ دمعَ الكُتبِ الصَّاحيةِ على رأسِي
ومنْ سيلقِّنُ شِعْرِي»
تنتقل طقوس الموت إلى الكلمات؛ فاللغة تحتاج إلى مَن يكفّنها، والكتب تبدو كأنها تسهر عند رأس صاحبها. ينقلب موقع الشاعر: مَن منح اللغة صوته طوال حياته يتساءل عمّن سيرعاها حين يصمت. وكأن الكلمات، التي كانت أداته في مخاطبة العالم، أصبحت بدورها في حاجة إلى مَن يحملها ويحفظها من الغياب.
هنا لا يعود الخوف متعلقًا بانتهاء الحياة وحده، بل بما قد ينتهي معها من صلة بين التجربة والتعبير عنها. فالقصيدة لا تضمن أن تجد قارئها، واللغة لا تملك وحدها أن تفرض حضورها على المستقبل؛ ومع ذلك، تظل الكتابة محاولة لعبور المسافة بين تجربة فردية وعالم آخر.
حين تفقد الكلمات مفاتيحها:
يصف الشهاوي اضطرابه الداخلي بصور عنيفة:
«يمشي نملٌ في مُخي
تجرِي من تحتي النار
ويقطع منشارٌ صدِئٌ أنسجةً في رأسي»
يصبح الجسد مكانًا مهددًا من الداخل، والأرض نارًا تجري من تحته. لا يجد الإنسان موضعًا آمنًا يستقر فيه؛ فحتى الجسد الذي يسكنه يبدو معرضًا للتفكك. إن الصور لا تنقل ألمًا عابرًا، بل تصنع عالمًا فقدت فيه الذات إحساسها بالاستقرار. ثم تأتي الصورة الأكثر اتصالًا بمحنة الكتابة:
«وسمائي شلَّالٌ من كلماتٍ قُصَّتْ فيها الأفعالُ
وغابتْ عنها مفاتيحُ الأسماء»
تتدفق الكلمات، لكنها فقدت ما يمنحها القدرة على بناء المعنى. الأفعال مقصوصة، ومفاتيح الأسماء غائبة؛ واللغة التي تصل الإنسان بالعالم تبدو عاجزة عن إحكام صلاتها به. لا يخشى الشاعر الصمت وحده، وإنما احتمال أن تبقى الكلمات حاضرة بعد أن تتعثر قدرتها على التعبير. وتكتمل الصورة في قوله:
«وأبقى في التيه كملكٍ معزُولٍ يسرقُ منِّي النحوَ»
يحتفظ الملك بصورته، لكنه فقد سلطته؛ ويحتفظ الشاعر بالكلمات، لكنه يفقد النظام الذي ينظم علاقاتها. وهكذا يصبح اضطراب اللغة وجهًا من اضطراب الوجود؛ فالإنسان يعيش داخل شبكة من الأسماء والذكريات والحكايات التي تمنح حياته شكلًا ومعنى، وحين تتخلخل هذه الشبكة يشعر كأنه يفقد قدرته على فهم العالم وتحديد موقعه فيه.
ومع ذلك، يواصل الشاعر الكتابة رغم عجزها عن تبديد الخوف. إنه يختبر حدود اللغة، ويكشف في الوقت نفسه حاجته إليها؛ فالكلمات لا تلغي الفقد، لكنها تمنح التجربة صيغة يمكن مشاركتها مع الآخرين، وتتيح لما يبدو حبيس الجسد أن يغادره إلى فضاء القراءة.
الأسرار وما يتعذر قوله:
يقول الشهاوي:
«من سيخبِّئُ عن أيدي الناسِ خَزَائِنَ أسرارٍ لي؟»
يتجاوز الخوف احتمال النسيان إلى احتمال انكشاف ما ينبغي أن يبقى مصونًا. فالكتابة، مهما بلغت حميميتها، لا تستنفد حياة صاحبها؛ ثمة تجارب لا تدخل النص، وأسرار لا تستطيع الكلمات احتواءها كاملة. وحين يقترب الموت، يصبح مصير ما لم يُقَل جزءًا من قلق الرحيل، لأن ما يتركه الإنسان وراءه لا يقتصر على ما استطاع التعبير عنه، بل يشمل أيضًا ما ظل عصيًا على البوح.. وفي نهاية القصيدة، يقول:
«لا حولَ ولا قوةَ لي
غير قيراطيْنِ من اليأسِ
وفدَّانٍ من أشجارِ دمِ الأخويْنِ
وغير سلالٍ ملأى بحرُوفِ العطْفِ
وتلكَ حرُوفٌ لا أتقنُ توظيفَ مواسمِها في النَّص».
تتجاور مقادير اليأس ومساحات الدم وسلال الحروف. وتكتسب حروف العطف دلالة خاصة؛ فهي أدوات وصل، لكن الشاعر يعترف بعجزه عن توظيفها في مواسم النص. كأن اللغة، التي تحاول وصل المتباعد، لا تستطيع دائمًا ترميم ما تمزق في التجربة الإنسانية.
تتركنا هذه الصورة أمام مفارقة الكتابة: يمتلك الشاعر الحروف، لكنه لا يضمن اكتمال المعنى، ويستطيع أن يكتب عن عجزه من دون أن يتحول هذا الفعل إلى خلاص نهائي. غير أن تسمية العجز تمنحه شكلًا قابلًا للقراءة، وتفتح أمامه إمكانًا محدودًا للتواصل.
من الذاكرة الفردية إلى مقاومة المحو:
في «يمشون في السماء»، يتسع سؤال الكتابة من تجربة الشاعر الفردية إلى مصير أصوات حاول العنف إسكاتها. فاستعادة الشعراء والمفكرين الذين تعرضوا للقتل أو التعذيب أو السجن، واستحضار الكتب التي أُحرقت، يجعلان الكتابة فعل تذكّر ومقاومة للمحو.
إذا كانت «ماذا لو متُّ وحيدًا في الليل؟» تنشغل بمصير لغة الشاعر بعد رحيله، فإن «يمشون في السماء» يحمل أصواتًا أخرى إلى فضاء القراءة. في العمل الأول، يواجه الشاعر حدود وجوده وما يتهدده من نسيان؛ وفي الثاني، تصبح الذاكرة مسؤولية تجاه الذين سعى التاريخ إلى تغييبهم.
لا تعيد الكتابة إلى الراحلين حياتهم، لكنها تمنح تجاربهم فرصة جديدة للتداول، وتتيح للقارئ أن يلتقي أصواتًا لم يعاصرها. وهكذا تتجاوز الكتابة رغبة صاحبها في البقاء، لتصبح موقفًا من محاولات إقصاء الآخرين من التاريخ، وشهادة على أن إسكات الصوت لا يعني بالضرورة محو أثره.
بين العملين يتضح تحول لافت: يبدأ الشهاوي من خوف شخصي على اللغة والذاكرة، ثم يمدّ الكتابة نحو مصائر إنسانية أخرى. ويظل الشعر في الحالتين فعلًا هشًا، لا يملك التحكم في المستقبل، لكنه يستطيع أن يفتح طريقًا إلى لقاء مؤجل بين من يكتب ومن يقرأ.
في قصيدة الشهاوي، لا ينتظر الاسم صاحبه على الباب، ولا تعود قطط الماضي، وتبدو الكتب كأنها تسهر أمام غياب لا تستطيع رده. ومع ذلك، تظل القصيدة قادرة على نقل هذا الخوف إلى قارئ يأتي من زمن آخر، فيجد في التجربة ما يلامس تجربته. هنا لا يصبح الشعر وعدًا بالخلود، بل محاولة لأن يتجاوز صوت الإنسان حدود حياته، وأن يترك في العالم أثرًا قابلًا لأن يُقرأ من جديد.

















