حامد موسى
هناك أشياء كثيرة نعبر أمامها كل يوم دون أن نعرف صاحبها تتر مسلسل قديم، اسم فيلم يظهر على الشاشة، لافتة محل في شارع مزدحم، آية قرآنية تتوسط جدار مسجد، حكمة شعبية مكتوبة فوق مقهى، اسم برنامج تلفزيوني من زمن الأبيض والأسود، أو لوحة تتكئ على جدار في بيت مصري قديم نراها، نقرأها، ثم نمضي لكن بعض هذه الأشياء يظل في الذاكرة، حتى بعد أن ننسى اسم العمل أو الممثل أو المخرج وربما لا نعرف أن وراء تلك الحروف يدا واحدة ظلت عقودا طويلة تكتب لمصر ذاكرتها البصرية إنها يد خضير البورسعيدي ولهذا تبدو جائزة الدولة التقديرية في الفنون التي حصل عليها عام 2026 أكثر من مجرد تكريم لفنان بلغ مكانة رفيعة في فن الخط العربي، إنها في جانب منها، اعتراف رسمي بقيمة فن ظل طويلا واقفا على الحدود بين الفنون: لا هو رسم بالمعنى التقليدي، ولا هو كتابة بالمعنى الوظيفي؛ وإنما شيء ثالث أكثر سحرا، هو أن تتحول الكلمة نفسها إلى صورة، وأن يتحول الحرف إلى كائن له روح وقد أعلن المجلس الأعلى للثقافة في يوليو 2026 فوز خضير البورسعيدي بجائزة الدولة التقديرية في الفنون، إلى جانب الفنان محمد صبحي والفنان التشكيلي عبده سليم من بورسعيد بدأت الحكاية ربما لا يمكن فهم خضير البورسعيدي من دون بورسعيد فالمدينة التي ولد فيها لم تكن مجرد مكان الميلاد، وإنما كانت المدرسة الأولى التي علمته أن الحرف يمكن أن يكون حاضرا في الشارع، وأن الكتابة ليست شيئا محبوسا في الكتب والدفاتر، في طفولته المبكرة ظهرت موهبته بصورة لافتة وتروي المصادر أنه كتب على سبورة المدرسة عبارة «الملك فاروق ملك مصر والسودان» بالخط الثلث، فلفت أنظار معلميه ثم تلقى أصول الخط العربي عن شقيقه الأكبر محمد خضير، الذي ظل أستاذه الأول وفي سن العاشرة بدأ يشارك في كتابة الإعلانات وواجهات المحلات في بورسعيد، حتى ارتبط الحرف عنده منذ البداية بالناس والشارع والحياة اليومية واللافت في سيرته أنه لم يتعلم الخط داخل عزلة فنية، بل تعلمه وسط المدينة كان يكتب اللافتة التي يمر بها الناس، والاسم الذي يراه صاحب المتجر كل صباح، والعبارة التي تستقر فوق باب الدكان وكان يكتب بكلتا يديه، وهي موهبة ظلت من العلامات اللافتة في تجربته ثم جاءت مرحلة الدراسة الأكاديمية، فحصل على دبلوم الخط العربي من مدرسة خطوط طنطا، ثم دبلوم التخصص من مدرسة خليل أغا بالقاهرة، وتعلم كذلك على أيدي كبار أساتذة الخط المصريين، ومنهم محمد حسني وسيد إبراهيم ومحمد عبد القادر وهنا بدأ الانتقال من «الموهبة» إلى «المدرسة» الحرف الذي قاوم الاحتلال في قصة خضير شيء يتجاوز جماليات الخط، فالطفل الذي سيصبح لاحقا شيخ الخطاطين، عرف الحرف في لحظة مبكرة بوصفه أداة للمقاومة أيضا تروي المصادر أنه شارك في كتابة عبارات مناهضة للاحتلال والعدوان في بورسعيد على الجدران والطرق، ومن بينها عبارات مثل «يسقط الاستعمار» وهكذا لم يبدأ الحرف في حياته بوصفه زينة، وإنما بوصفه صوتا عاما وهذه نقطة شديدة الدلالة في مسيرة خضير فالحرف عنده لم يكن منفصلا عن المجتمع كان يستطيع أن يكون آية قرآنية، وحكمة شعبية، واسم محل، وشعارا وطنيا، واسم مسلسل، وعبارة على جدار مسجد، أي أن الحرف ظل عنده قريبا من الإنسان أينما كان
القاهرة.. حين خرج الخط من الورقة إلى الشاشة
في عام 1963 انتقل خضير إلى القاهرة للعمل في التليفزيون المصري، وهناك بدأت مرحلة أخرى في حياته؛ مرحلة جعلت خطه يدخل بيوت المصريين من خلال الشاشة الصغيرة وهنا حدث شيء بالغ الأهمية لم يعد خضير يكتب لمن يمر في الشارع فقط؛ أصبح يكتب لملايين يشاهدون الحروف في اللحظة نفسها دخل خطه إلى عالم الدراما والسينما والمسرح والبرامج كتب تترات أعمال تلفزيونية عديدة، ومن بينها «ليالي الحلمية»، و«الشهد والدموع»، و«القاهرة والناس»، و«أبو العلا البشري»، و«الراية البيضا»، وغيرها، كما ارتبط اسمه بتترات أفلام وأعمال مسرحية وبرامج تلفزيونية وفي مقدمة «ليالي الحلمية» تحديدا، طلب منه المخرج إسماعيل عبد الحافظ أن يصوغ الخط الذي يظهر في مقدمة العمل وهنا يمكن أن نفهم معنى «الذاكرة» بصورة مختلفة فالمصريون الذين عاشوا مع «ليالي الحلمية» ربما لا يتذكرون دائما التفاصيل التقنية للخط الذي ظهر في المقدمة، لكنهم يتذكرون إحساسه كان الخط جزءا من زمن وكما ارتبطت موسيقى المقدمة بأصوات معينة، ارتبطت الصورة الخطية باسم خضير، حتى أصبح الحرف نفسه جزءا من هوية العمل ولم يكن الأمر مقصورا على الدراما فمن أشهر ما ارتبط به أيضا كتابة مقدمة برنامج «العلم والإيمان» للدكتور مصطفى محمود ويروى أن د. مصطفى محمود أشاد بطريقة خضير في تحويل الإيقاع الموسيقي إلى تكوين بصري، حتى بدا الخط وكأنه يستجيب للموسيقى وهذه ربما واحدة من أهم خصائص تجربته: خضير لم يكن يكتب الكلمات فقط، بل كان يسمعها ويرى موسيقاها كان يتعامل مع الحرف باعتباره صوتا مرئيا من الشاشة إلى الشارع.. ومن الشارع إلى الذاكرة لكن اختزال خضير في تترات المسلسلات ظلم لتجربته فالرجل الذي دخل التليفزيون، لم يترك الشارع ظل الخط عنده فنا شعبيا قبل أن يكون فنا نخبويا واجهات المحلات، اللافتات، المساجد، الميادين، المقاهي، المؤسسات، والقصور؛ كلها تحولت إلى مساحات للحرف وفي هذا المعنى يمكن النظر إلى خضير باعتباره واحدا من الفنانين الذين ساهموا في تشكيل «الوجه البصري» للمدينة المصرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين لقد كان المصري القديم يعرف المحل من لافتته قبل أن يعرف عنوانه وكان يعرف المقهى من اسم مكتوب بخط معين وكان يميز السينما من شكل الاسم فوق الواجهة وكان الطفل يحفظ أسماء المسلسلات من شكل الحروف قبل أن يستطيع أحيانا قراءة الكلمة كاملة وهنا تصبح اللافتة وثيقة اجتماعية وحين تتغير المدينة وتختفي اللافتات القديمة، لا نفقد مجرد حروف؛ نفقد جزءا من شكل حياتنا ولهذا فإن أعمال خضير يمكن أن تقرأ بوصفها أرشيفا بصريا لمصر
خضير.. والذاكرة العربية
لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود مصر فالخط العربي بطبيعته فن عابر للحدود الحرف نفسه الذي يكتبه المصري يستطيع أن يصل إلى بغداد والرياض والكويت والشارقة والدوحة والجزائر وغيرها، لأن اللغة المشتركة تمنح الحرف قدرة على السفر لا تحتاج إلى ترجمة وقد أقام خضير معارض عديدة داخل مصر وخارجها، وامتدت تجربته إلى عواصم عربية وأجنبية، كما اقتنت مؤسسات ومتاحف مختلفة أعمالا له ولذلك فإن مكانته لا تتعلق فقط بكونه «خطاطا مصريا»، وإنما بكونه واحدا من الأسماء التي ساهمت في إبقاء الخط العربي حاضرا بوصفه فنا معاصرا قادرا على التجدد وهذا ما تؤكده أيضا رؤية كتاب مكتبة الإسكندرية عنه حين أصدرت مكتبة الإسكندرية عام 2021 كتابها التوثيقي الموسوعي «خضير البورسعيدي. مدرسة مصرية في الخط العربي»، لم تكن توثق سيرة فنان وحسب، بل كانت تحاول حفظ تجربة كاملة من تجارب الفن المصري الحديث وقد صدر الكتاب عن مركز دراسات الخطوط، ووصف خضير بأنه صاحب ريادة فنية ومكانة متميزة في مسيرة الخط العربي المصري والأهم أن العمل على الكتاب استمر سنوات، وهو ما يكشف حجم المادة التي احتاجت إلى جمع وتصنيف وتوثيق وقد احتفت مكتبة الإسكندرية بالكتاب، ثم أهدى خضير إليها أكثر من ثلاثين لوحة من أعماله، لتدخل ضمن مقتنيات المكتبة والعنوان نفسه لافت: «مدرسة مصرية في الخط العربي» ليس «خطاطا مصريا» فقط فالمدرسة تعني أن هناك أسلوبا ورؤية وتأثيرا وأجيالا تعني أن الرجل لم يكتف بأن يكون متقنا لما تعلمه، بل ترك بصمته في الطريقة التي يمكن أن ينظر بها إلى الخط العربي نفسه بين الخط العربي والفن التشكيلي وهنا تظهر أهمية تجربة خضير بصورة أكبر فالخط عنده لم يبق أسير القاعدة الأكاديمية لقد اقترب من الفن التشكيلي، وأصبح الحرف عنصرا في تكوين اللوحة، لا مجرد وسيلة لكتابة نص الحرف قد يتحول إلى شكل، والشكل قد يتحول إلى حركة، والكلمة قد تصبح بناء بصريا ولهذا وصفته دراسات تناولت تجربته بأنه من الفنانين الذين ربطوا الخط العربي بالفن التشكيلي، وهو أحد الجوانب التي يرصدها كتاب مكتبة الإسكندرية عن تجربته وهذا هو الفارق بين الخطاط الذي «يكتب جيدا» والفنان الذي يستطيع أن يجعل من الكتابة فنا الأول يحسن رسم الحروف أما الثاني فيمنح الحروف شخصية وخضير من النوع الثاني
كسوة الكعبة.. عندما يبلغ الحرف ذروة القداسة
ثم تأتي محطة أخرى في حياته تكاد تبدو، في رمزيتها، وكأنها ذروة الرحلة الكعبة في عام 1982 طلب من خضير كتابة الآيات والأدعية الخاصة بكسوة الكعبة المشرفة، فكتب المسودات على ورق الكلك بالمقاسات الخاصة بالكسوة، ثم نفذت عليها النسخة الأصلية وقد أوضح في حديثه عن التجربة أن المسودة التي كتبها كانت بالمقاسات التي تتطلبها الكسوة، وأن النسخة المنفذة وصلت إلى نحو 32 مترا هنا ينتقل الحرف من الشاشة إلى الفضاء المقدس ومن اللافتات اليومية إلى النص الذي يحيط بأقدس الأماكن ومن واجهة الدكان إلى كسوة الكعبة وإذا كانت تجربته في التليفزيون قد جعلت الحرف يدخل ملايين البيوت، فإن تجربته في كسوة الكعبة جعلت الحرف الذي صنعه يلامس واحدة من أقدس الذاكرات الروحية لدى المسلمين وهذا وحده كاف لكي نفهم المسافة التي قطعها ذلك الطفل البورسعيدي الذي بدأ يكتب على السبورة وفي واجهات المحلات ملايين الحروف.. وذاكرة لا تقاس باللوحات من الصعب أن نتحدث عن خضير دون التوقف أمام حجم الإنتاج تذكر مصادر صحفية أرقاما ضخمة لأعماله، منها آلاف اللوحات والمخطوطات، وكتابة المصحف الشريف للتليفزيون المصري في آلاف اللوحات، إلى جانب أعمال لقنوات ومحطات عربية أخرى كما ارتبط اسمه بمتحف ضم نحو 15 ألف لوحة، وهو ما جعل المتحف أشبه بخزانة ضخمة لذاكرة الخط العربي الحديث لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تقول كل شيء فالقيمة الحقيقية ليست في عدد اللوحات وحده إنما في عدد المرات التي عبر فيها هذا الخط أمام أعين الناس كم طفلا قرأ اسمه؟ كم أما شاهدت تتر مسلسل؟ كم أبا حفظ شكل مقدمة برنامج؟ كم إنسانا مر أمام لافتة في بورسعيد أو القاهرة؟ كم شخصا توقف أمام لوحة؟ كم مشاهدا عاش لحظة تلفزيونية دون أن يعرف أن تلك الحروف التي أثرت في ذاكرته تحمل توقيع «خضير»؟ هنا تتحول الكثرة من رقم إلى أثر ذاكرة الوجدان الجمعي وهذا هو الجانب الذي يجعل تجربة خضير البورسعيدي أكبر من تاريخ شخصي لفنان، إنه لم يكن يكتب على الورق فقط لقد كتب على ذاكرة الناس والذاكرة الجمعية لا تحفظ الأشياء بالطريقة التي تحفظ بها الكتب المعلومات إنها تحفظ الصورة والصوت والرائحة واللون والحركة قد لا يتذكر المرء اسم الخطاط، لكنه يتذكر شكل الحروف قد لا يعرف اسم صاحب التصميم، لكنه بمجرد أن يرى المقدمة القديمة يعود إلى طفولته قد لا يتذكر لافتة المحل التي كان يمر بها كل يوم، لكن صورة قديمة لشارع بورسعيد تعيد إليه فجأة زمنا كاملا وهنا يصبح الخط نوعا من «الزمن المرئي» كل حرف يحمل وراءه عصرا كل لافتة تختزن شارعا كل تتر يحمل معه مسلسلا وأبطالا وموسيقى وبيوتا كانت تجتمع أمام التلفزيون كل لوحة قرآنية تستدعي لحظة روحية ولهذا يمكن القول إن خضير البورسعيدي لم يكن يكتب الكلمات فحسب؛ لقد كان، من حيث يدري أو لا يدري، يؤرشف الوجدان المصري والعربي بالحروف
«الخط كائن له روح»
في أحد حواراته وصف خضير الخط العربي بأنه كائن له روح، وشبه عمله بتحويل النص إلى صورة وهذه العبارة ربما تختصر فلسفته الفنية كلها فالخط عنده ليس كتابة جامدة إنه أداء مثل الموسيقى ولذلك يمكن أن تتحول الحكمة إلى حصان، ويمكن للكلمة أن تصبح زخرفة، ويمكن للحرف أن يتحرك داخل اللوحة كما يتحرك اللحن في الأذن وهذا يفسر أيضا لماذا ظل خضير قادرا على الانتقال بين مجالات شديدة التباين: من اللافتة الشعبية إلى اللوحة الفنية، ومن التليفزيون إلى المسجد، ومن المسرح إلى كسوة الكعبة لأن الأصل عنده واحد: الحرف حي الجائزة جاءت متأخرة.. لكنها جاءت في موعدها ربما كان من أجمل ما في جائزة الدولة التقديرية لخضير البورسعيدي أنها جاءت بعد رحلة طويلة جدا فالجائزة لم تصنع قيمته، القيمة كانت موجودة قبل الجائزة بعقود لكن الجائزة أعادت وضع اسمه في مكانه الطبيعي أمام أجيال جديدة ربما تعرف أعماله ولا تعرف صاحبها وهذا تحديدا ما يجعل استضافته الأخيرة في برنامج «معكم منى الشاذلي» ذات دلالة خاصة؛ فقد جاءت الحلقة احتفاء به عقب حصوله على جائزة الدولة التقديرية، إلى جانب الدكتورة ليلى عبد المجيد والجميل أن خضير حين ظهر من جديد أمام الجمهور لم يظهر باعتباره رجلا جاء من الماضي بل بدا كأن الماضي نفسه جاء ليتحدث رجل يحمل في يده عقودا من الحكايات جيلا من الخطاطين شوارع قديمة واجهات محلات استوديوهات تليفزيون مسلسلات أفلاما مسارح مساجد ومسودة لكسوة الكعبة كل ذلك اجتمع في رجل واحد.
بورسعيد التي خرج منها الحرف
وإذا كانت الدولة قد منحته جائزة تقديرية، فإن بورسعيد منحته شيئا ربما كان أعمق: اسمه لم يقل «مسعد» وحده صار «خضير البورسعيدي» وكأن المدينة التصقت بالحرف، والتصق الحرف بها وهذا ليس تفصيلا عابرا فبورسعيد مدينة عرفت معنى أن يكون المكان جزءا من الهوية، وأن يصبح الاسم نفسه حكاية خرج خضير منها طفلا يحمل موهبة الحرف، ثم عاد إليها فنانا يحمل ذاكرة أجيال وبين الخروج والعودة، ظل شيء واحد ثابتا: القلم شيخ الخطاطين.. وشاهد الزمن ليس من السهل أن نصف فنانا بأنه «ذاكرة» لكن خضير البورسعيدي يستحق هذه الصفة على نحو خاص لأن أعماله لم تكن معلقة دائما في قاعات مغلقة كانت في الشارع على الشاشة في المسرح على واجهات المحلات في المساجد في الكتب وفي الفضاء الروحي لكسوة الكعبة وهكذا عاش الحرف الذي صنعه بين الناس، لا بعيدا عنهم لقد رأته أجيال قبل أن تعرف اسمه وحفظته عيون كثيرة قبل أن تعرف أنه فن ولهذا فإن تكريمه اليوم ليس احتفاء برجل يجيد كتابة العربية فحسب، وإنما احتفاء بمرحلة من تاريخ مصر كانت الحروف فيها تكتب باليد، وكانت اللافتة تحمل روح صاحبها، وكان التتر يرسم ولا يصنع فقط، وكانت الكتابة تستطيع أن تكون فنا كاملا ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن خضير البورسعيدي أن مسيرته بدأت من حروف صغيرة على سبورة مدرسة في بورسعيد، ثم اتسعت شيئا فشيئا حتى أصبحت جزءا من صورة مصر نفسها من شارع في بورسعيد.. إلى استوديوهات ماسبيرو.. إلى ليالي الحلمية والشهد والدموع وغيرها من أعمال الدراما.. إلى المسرح والسينما.. إلى آلاف اللوحات.. إلى المصحف الشريف.. إلى كسوة الكعبة.. ثم أخيرا إلى جائزة الدولة التقديرية إنها رحلة قلم لم يكتف بأن يكتب التاريخ بل ترك على وجه التاريخ خطه الخاص ولهذا، حين نرى اليوم توقيع «خضير» أسفل لوحة، لا نرى اسم خطاط فقط، نرى شاهدا على زمن، ونرى جزءا من طفولتنا، ونرى شوارعنا القديمة، ونسمع موسيقى تترات عشنا معها، ونتذكر تلفزيونا كانت الأسرة تجتمع حوله، وربما نتذكر أبا أو أما أو بيتا لم يعد موجودا, ذلك هو المجد الحقيقي لفنان الخط أن يموت الزمن.. وتبقى حروفه





















