التحليل النفسي للأزياء النسائية في قصة أربع ساعات وربع لـ “أحمد رجب شلتوت”

خالد محمد عبدالغني

د. خالد محمد عبدالغني

    إن فن الموضة هو الذى يشيع الحياة هذه الخصائص إذ يمد فاعليتها في الزمان ويعددها كيانات متباينة في المكان.   والتحليل النفسي للعباءة الموجودة في الأحياء الشعبية المصرية والتي ظهرت كثيرا في السينما في بدايتها، وصحيح  أن الملابس تلعب دورا هاما في حياة الأفراد وتؤثر عليهم تأثيرا قد ينعكس على شخصياتهم وأعمالهم، وفي علاقاتهم بالآخرين. وتعتبر الملابس أول مفتاح لشخصية الأمة وحضارتها، وأسبق دليل عليها، لأن العين ترى الملابس قبل أن تصغي الأذن إلى لغة الأمة وقبل أن يتفهم العقل ثقافتها وحضارتها.

   وللملابس أهمية في سد الحاجات الأساسية للإنسان، وأصبحت تنال مكانة رئيسية في مجال العلوم الاجتماعية، كما شغلت علاقة الملابس بالنواحي الاجتماعية اهتمام الباحثين في علم النفس الاجتماعي،  وهناك عديد من الدراسات والبحوث التي تربط بين هذين المجالين. وتتطلب الحياة الاجتماعية العناية بالمظهر الذي يدل على سلامة الذوق الذي يتفق مع المستوى اللائق، وسواء أكانت الملابس وطنية أم أجنبية فالمفروض ألاَّ يبدو الإنسان مهملا في مظهره، وأن يوجه اهتمامه بصفة خاصة إلى إتقانها ونظافتها. وكل زي يعتبر مقبولا ولائقا بشرط أن يتفق مع طبيعة عمل الشخص وصلاته الاجتماعية.

   وهناك مفاهيم يجب توضيحها قبل الحديث عن موضوع الموضة والأزياء من الوجهة النفسية ومنها: إن السادية إنما تعنى اتجاهاً إيجابياً من الحياة الجنسية والموضوع الجنسي. فالجنسية عند الرجل بقدر ما هو ذكر تتضمن عنصراً عدوانياً يتراوح من مجرد الرغبة في الإخضاع وتوهم وإيذاء الموضوع الجنسي إلى إيذائه المسرف بالفعل في حالات الانحراف. ويذهب فرويد إلى أن الدلالة البيولوجية لهذا العنصر العدواني تتضح بالنظر إلى حاجة الذكر إلى التغلب على مقاومة الموضوع الجنسي حين تفشل الوسائل الودية.

   فالسادية هي الجانب العدواني من الغريزة الجنسية، أما المازوشية فجانبها السلبى . فالمازوشية تعنى الاتجاه السلبى من الحياة الجنسية والموضوع الجنسي .والمازوشية في كثير من الحالات تبدو وكأنها كانت في الأصل سادية وانقلبت ضد ذات الفرد نفسه بدلا من أن تتجه إلى الموضوع الجنسي، وخلاصة هذا كله أن الرجل بقدر ما يكون حظه من الذكورة يسعى إيجابياً في طريق السادية إلى المرأة، أما المرأة فبقدر ما يكون حظها من الأنوثة يكون التزامها للسلبية، تقنع بعرض مفاتنها استنهاضاً للهجمة الرجولية التي تشفى غليل مازوشيتها.

          ويذهب “كيرت ليفين” إلى أن المشكلة كيما تكون كذلك بالنسبة للشخص فلا ينبغي أن تسرف في يسرها أو عسرها. فلو أسرفت في يسرها لانفض عنها استخفافاً، ولو أمعنت في عسرها لأحجم عنها ابتئاس . ومن هنا يتراوح إعجاب الرجال ما بين موضات تستند إلى الإثارة الهامسة، وأخرى تصرح بها أو تطلقها صرخات مدوية. ومهما يكن من أمر فليس ثمة شك في أن الموضة إذ تأخذ على عاتقها العرض الأنثوي إنما تقبض على هذه الكبسولة التي تطلق شرارة التهيج الجنسي.

      ويتساءل ” فرويد ” كيف يمكن أن نوفق بين هذا التوتر المكدر وهذا الشعور باللذة ؟ نذكر في هذا الصدد “قانون الإغلاق” في نظرية الجشطالت أو ما يٌعرف في بعض الدراسات النفسية “بأثر تسايجارنك”. ففي الحالتين ثمة إشارة إلى أن الظاهرة الحية إذا ما بدأت فإنها تتجه من تلقاء ذاتها إلى أن تكتمل وتنغلق. فلو أنك قطعت عليها سبيلها ينبثق توتر يميل بالكائن أبدا إلى أن يحقق الإكمال والإغلاق .

          إن التهيج الجنسي حقيقة قائمة تحتم على فن الموضة أن يضع في اعتباره عين الرجل التي تنشد متاع المشاهدة الجنسية .  ويتحتم على فن الموضة أن “يجذب” الرجل بما يقدمه له من متاع يحقق له اللذة بقدر ما يستثير عنده الرغبة في المزيد  “فيشبكه” بالموضوع الأنثوي سعياً إليه ومحاولة للحصول عليه. وفن الموضة في ذلك لابد وأن يكون واعياً بهذه الحقيقة الهامة وهى أن عين الرجل وريثه ويده ومن ثم تضطلع له بدور حرس الطليعة وتنبؤه عن الكثير من الخصائص الحميمة للموضوع الجنسي .

         و يذهب التحليل النفسي إلى أن السيكوبتوفيليا والعرض إنما ينصبان أساساً على العضو التناسلي للمرأة . فحب المشاهدة الجنسية عند الذكر إنما هو في أصله رغبة من جانبه في أن يلمس العضو التناسلي للأنثى . وأما حب العرض عند المرأة فهو في أصله رغبة من جانبها في عرض عضوها التناسلي .

المستويات الثلاثة للسكوبتوفيليا :

1. تجميل الموضوع الجنسي بحيث تحقق له الجاذبية، إن الموضة تستطيع أن تقيم من المعطيات المتاحة انتظامات جمالية عديدة تتراوح  وإن اتسمت كلها بالجاذبية من مستوى الإثارة الجنسية الغليظة إلى عالم الجمال الفني الخالص، وإذا كانت الموضة في معناها الرفيع تستهدف عالم الجمال الفني أو عوالم الجمال الجنسي فإنها في معناها الشائع قلما تتخطى حدود آثاره المباشرة والجمال المثير .

        إن المرأة الواحدة تغدو كيانات جمالية عديدة، تنظر إليها في الصباح فإذا بها مختلفة عنها في المساء، وتراها في ثياب العمل غير ما تراها في ثياب السهرة، وها هي تغرق ساجدة في صلاتها لا تكاد تتبين في ثيابها الفضفاضة، فإذا ما كان الليل خرجت إلى العشاء بثياب السهرة وهى ضاحكة عابثة ……. إلخ نعم إنها الكثيرة في واحدة، هي واحدة تتكثر مبدية في كل موقف من مواقف حياتها كياناً فريداً له سحره وله جماله وله مذاقه الخاص.

          كل هذا يستطيعه فن الموضة في وظيفته الأولى إذ يحيل المرأة جشطالتاً مصرية جميلة تتحدث إلى الرائي حديثاً يبعث فيه اللذة والمتعة أكثر مما يستثير التوتر استطلاعاً يطلب المزيد، وهو ما يسمى بمستوى  المنولوج” تجتذب الأنظار .

2. مستوى الشبك حيث ينطلق الحوار بين الذات والموضوع “ملاغاة شهية” وديالوجاً من الإقبال والإعراض تتفتح فيه الفتحات المغلقة وتمتد الشقوق مسدودة ويبين الكيان دون أن يبين ، وفى هذا المستوى يستند فن الموضة أساساً إلى الاستفهام .

3. وهو أعمق مستويات الموضة ففيه تضطلع الموضة باستنهاض الهجمة الرجولية عن طريق ما تبديه من تصدع في الخط الدفاعي أو ما توحي به من عناصر الموقف الحميمة. والموضة في هذا تستعين بفنيات عديدة توحى إلى الرائي إمكانية الامتلاك الوشيك للموضوع المشتهى فيتوهمه عند يديه لو مدً ذراعيه  ، فكل ما يمسك الفستان خمسة أزرار تمتد من أعلى إلى أسفل ، بعدها تكون القلعة تحت إمرة المغامر الجريء ، تكون القلعة قد ” قلعت عنها أسوارها مستسلمة لمصيرها أو هي دقيقة أو بعض دقيقة تنزلق فيها السوستة من أعلى إلى أسفل فتنفتح أمام العين جنات المتعة ، أو هو رباط فيونكة لا يصعب فكه كهذا الذى نألفه فوق علب الشيكولاتة ، هو رباط يثبت حزاماً قماشياً في الوسيط فيوحى إلى الرائي بأنه لو جذبه جذبة هينة  لسقط الغطاء عن علبة الحلوى ، أو هو ” شبشب ” لا حذاء ننسى معه أننا في الطريق العام وكأننا مع الموضوع في منزله أو حجرة نومه أو هو ، أو هو ……………….. إلخ.

          إن فن الموضة لا يعمل ضمن حدود من الحقيقة الواقعية وإنما يتخطى ذلك مقيماً عوالمه الإدراكية الخاصة به ، فالواحد المؤنث من حيث هو موضوع جنسي بعينه ومن حيث هو واقع عياني إنما هو خصائص ثابتة محددة. ومهما كان حظ هذه الخصائص فإنها تظل فقيرة بتعددها وانغلاقها على التكثر ، تهددها الألفة بالموت طال الوقت أو قصر .

أربع ساعات وربع:

        تتضمن قصة أربع ساعات وربع للأديب أحمد رجب شلتوت حكاية رجل تجاوز الستين في علاقته بانحرافه الجنسي منذ أن كان طفلا يتلصص من ثقب الباب على عالم النساء: “اسكتشاتك كلها بالقلم الرصاص أو الجاف الأزرق، ولا تكاد تخلو من طفل، ترسمه من الخلف غائم الملامح، أو تكتفي بعينيه، رسمته مرة يطل من ثقب باب، ومرة من فرجة في شيش نافذة، علام يتلصص طفلك؟ تحدثنا كثيرًا داخل المدرسة وخارجها، لكنك لم تأتِ ولو مرة على ذكر طفل شخبطاتك، تعرف أني لا أنسى، فلم تُبح لي أبدًا بأمر شخصي، وجه امرأة يحتل سطح بعض رسوماتك غير المكتملة، لها عينان تشبهان عينيك، تكتفي بالوجه وكأن باقي الجسد لا يهم، فراغ أبيض يحيط بها ينتظر أن يلمسه قلمك، أما لوحاتك المكتملة فقد رأيت بعضها بالصدفة حينما دعوتني لبيتك، تعجبت من إتلافك المتعمد لإحداها، في مركز اللوحة امرأة هائشة الشعر، دامعة العينين، تواجه رجلًا تختفي ملامحه خلف منديل، ربما يمسح عرقًا تصبب أو بصقة نالته من تلك المرأة”.

  إلى أن اصبح ساديا يستمتع بانحرافه الجنسي مع النساء حتى ممارسة الجنس في علاقات شاذة. تبدأ الحكاية عندما مرت امرأة ترتدي ملاءة هافان فأثارت لديه ذكريات الماضي وهو جالس على المقهى يلعب الطاولة من صديقه ليقول المؤلف: “أعرف أنك مُرغم، غيري قد يظن أنك سارعت بمغادرة المقهى لتلحق بتلك الجميلة ذات العباءة الهافان، والمؤخرة المثيرة، لمحتها قبلي، فأنزلت فنجان القهوة قبل أن تمسه شفتاك، فركت زهر الطاولة، نفخت فيه قبل أن تضرب بعنف السطح الخشبي بالنرد”. ولقد أثارت المرأة ذات العباءة الهافان الرجل الستيني وقد حركت مكامن رغبته:   “رأيتك تهز رأسك، لا أعرف تأكيدا على قولي أم إشارة بلهاء للقادمة باتجاهنا، ولما تجاوزتنا لم ألتفت، بينما أبقيت أنت النرد بين يديك وظللت تتابعها حتى اختفت، عيناك فاضتا باشتهاء ظننته ليس بمقدور أمثالنا ممن تجاوزوا الستين، وفجأة ألقيت النرد بإهمال، وظللت تمسح وجهك، تخمشه، وتدعكه بالمناديل الورقية حتى نفدت علبتك، منحتك علبتي مبتسمًا”.  

   هذا المشهد الكاشف لذكريات مؤلمة عاشها الرجل في الماضي حين يمسح وجهه بعنف قد أعاد فهم الحكاية حيث يقول المؤلف عن محولة الرجل إغواء زوجة جاره في السن في بلاد الغربة وذكر للعباءة المثيرة باعتبارها التجسيد المهم لتكثير الواحد وأثارة الرجل وتبديد الملل : “أما زوجته فقد رأيتها مثيرة رغم أن جمالها لم يكن لافتا، ربما حكايات زوجتك أيقظت الذئب الكامن فيك، اسمها “فاتن” وكان لها من اسمها نصيب غير كبير، قمت بتنشيط فخاخك وتجهيزها لفريسة دانية، لم تعرف بالضبط ماذا فيها دفعك لأن تراها مثيرة، ربما فقط لأنها كانت المرأة الوحيدة المتاحة، فلا زميلات لك في المدرسة، ولا جارات غيرها صادقن زوجتك، حين تراها تستعيد وصف زوجتك للجسد المتواري داخل العباءات السوداء، تحاول التحديق في عينيها لعلك تلمح احتياجا مكتوما. وأنت على غير عادتك، صبرت كثيرًا، لم تضجر ولم تيأس، تنتظر أن تبوح عيناها بما يخرس عنه اللسان، كنت تثق في حسن ترويضك لزوجتك، استخرجت منها كل أسرار الجارة، وفي اللحظات الحميمة تدفعها لاستعادة  وصفها لتفاصيل الجسد وطقوس نزع الشعر، حرضتها على المباهاة بفحولتك،  زوجتك مطيعة في كل شيء، تمامًا كما عودتها”.

   وهذا المشهد الختامي للحكاية يعود كلما عادت امرأة ذات عباءة حيث يمسح وجهه بعنف:  “وفي اليوم الثالث زاد هوسك، أصررت على إتيانها من الخلف، أبدت رفضًا شديدًا، لكنه انتهى بإذعانها لما تريد، آلمتها وكانت تصرخ، فزادت نشوتك وزاد جنونك، واصلت ورحت تعضها، وكأنك تتعمد أن تترك آثارًا يراها الزوج حين يعود، وقبل أن تنهض كنت قد أفرغت مثانتك بداخلها، نظرت لك عاتبة شاكية الألم، فابتسمت وطالبتها بسرعة الذهاب إلى الحمام، ببرود أخبرتها بما فعلته ولم تفطن هي له. تعصر بطنها طاردة كل آثارك، غابت لربع ساعة، عادت باكية، ارتدت ملابسها في صمت، وقبل أن تغادر شقتك فاجأتك ببصقة غطى رذاذها اللزج وجهك، المفاجأة شلتك، وحينما سمعت صوت الباب الذي أغلقته خلفها بعنف، كان الرذاذ يتحول إلى مسامير ثلجية تنغرس في وجهك.  كان ذلك آخر عهدك بها، علمت من الزوج أنهما ذاهبان إلى العمرة ومنها إلى مصر، وسوف يعود دونها، كنت تباهي بانتصارك السريع، وبأنك أخرجت العاهرة الكامنة فيها، لكنها أدمتك، وغرست فيك مسامير ثلجية لم تنزعها أو تذبها السنون، فتخمش وجهك بعنف كلما راودك اشتهاء.

   إن أربع ساعات وربع كتبها مؤلفها أحمد رجب  شلتوت باقتدار من  الوجهة النفسية وبخاصة ما يتصل بالأزياء النسائية وما تثيره في  الرجال من نزعات سادية وجنسية في  أكمل تجسيد لها وهو العباءة وأن انحراف الرجل الجنسي يعود لفترات مبكرة من حياته أثناء الطفولة.

 

اقرأ أيضاً:

قصة أربع ساعات وربع لـ أحمد رجب شلتوت

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع