أحمد رجب شلتوت
لأني أعرفك جيدًا، لم أتهمك بتعمد إبداء الغضب، وغلق صندوق الطاولة بعنف، أعرف أنك مُرغم، غيري قد يظن أنك سارعت بمغادرة المقهى لتلحق بتلك الجميلة ذات العباءة الهافان، والمؤخرة المثيرة، لمحتها قبلي، فأنزلت فنجان القهوة قبل أن تمسه شفتاك، فركت زهر الطاولة، نفخت فيه قبل أن تضرب بعنف السطح الخشبي بالنرد، همست، ربما لنفسك:
_ حلو أوي لون العباية.
همسك نبهني لها، كانت قد اقتربت منا، تابعناها معًا، أومأت العباءة بمكامن الفتنة فيها، همست لك:
_ ليس اللون وحده يا صديقي.
رأيتك تهز رأسك، لا أعرف تأكيدا على قولي أم إشارة بلهاء للقادمة باتجاهنا، ولما تجاوزتنا لم ألتفت، بينما أبقيت أنت النرد بين يديك وظللت تتابعها حتى اختفت، عيناك فاضتا باشتهاء ظننته ليس بمقدور أمثالنا ممن تجاوزوا الستين، وفجأة ألقيت النرد بإهمال، وظللت تمسح وجهك، تخمشه، وتدعكه بالمناديل الورقية حتى نفدت علبتك، منحتك علبتي مبتسمًا، وأنا أهمس حتى لا يسمعني سواك:
_ عمره ما يتعدل.
_ إيه؟
_ ديل الكلب.
كلانا يعرف الآخر جيدًا، يدرك مغزى كلامه إن حاول الإلغاز، لعلك أدركت أني لم أكن أقصد المزاح وحده، بالطبع لم أقصد الإساءة لك، حتى وإن كان التشبيه جارحًا، أنت أكثر من يعرفني، يا من اعترضت يومًا على وصفي إياك بالصديق، قلت لسنا أصدقاء، حتى وإن كنت جليسي الوحيد أو ظلي الذي لا يفارقني منذ أخرجتنا المدرسة بعد الستين إلى المقهى، يومها أردت إغاظتك، نفيت أن أكون ظلًا لك، أنا مرآتك المسحورة التي لا تكتفي بأن تعكس ملامحك، وإنما أيضًا تغوص في أعماقك، ترى ما يمور في رأسك حين تنشط ذاكرتك إن صادفتك لحظة اشتهاء شديد كتلك التي ألمحها في عينيك الآن.
لذلك لم أسألك عن إبر الثلج التي توخز وجهك، تجعلك تخمشه، قد تدميه إن ظللت تخمشه هكذا، المناديل الورقية التي لم تحتمل قوة قبضتك، فتناثرت قطعًا صغيرة تطايرت حول مائدتنا، حاولت أن أخرجك من حالتك البائسة تلك، فذكرت ذلك الأعوج الأبدي، وأنت فررت لتحجب عني الحكاية التي تظنني لا أعرفها، لم أخبرك أنني جمعت أشلاءها، ولا شك لدي أنها حدثت تمامًا، كما تصورتها في ذهني.
***
جمعتنا مدرسة واحدة قبل أكثر من عشر سنوات، أنت أمين المكتبة وأنا مدرس رسم، وظيفتان يراهما البعض فائضتين عن الحاجة، قد يروننا أيضًا كذلك، ترددي المتواتر على المكتبة جعلنا أكثر من مجرد زميلين، سألتك عن كتب في علم النفس، رشحت لي بعضها، سبقتني إلى قراءتها، فهي في متناولك، تعشق علم النفس فمعرفتك به جعلتك، بحسب قولك، خبيرًا في صنع الفخاخ.
لاحظت ميلك للصمت والشخبطة، شخبطاتك لم تكن غير مهمة، وإلا لألقيت بها في سلة المهملات، لكنك احتفظت بها في ملف أزرق لا يغادر حقيبتك، تحرص ألا تُطلع عليه أحدا، ولما استدعاك الناظر مرة وغبت لبعض الوقت، تحينت الفرصة وامتدت يدي إلى حقيبتك، اسكتشاتك كلها بالقلم الرصاص أو الجاف الأزرق، ولا تكاد تخلو من طفل، ترسمه من الخلف غائم الملامح، أو تكتفي بعينيه، رسمته مرة يطل من ثقب باب، ومرة من فرجة في شيش نافذة، علام يتلصص طفلك؟
تحدثنا كثيرًا داخل المدرسة وخارجها، لكنك لم تأتِ ولو مرة على ذكر طفل شخبطاتك، تعرف أني لا أنسى، فلم تُبح لي أبدًا بأمر شخصي، وجه امرأة يحتل سطح بعض رسوماتك غير المكتملة، لها عينان تشبهان عينيك، تكتفي بالوجه وكأن باقي الجسد لا يهم، فراغ أبيض يحيط بها ينتظر أن يلمسه قلمك، أما لوحاتك المكتملة فقد رأيت بعضها بالصدفة حينما دعوتني لبيتك، تعجبت من إتلافك المتعمد لإحداها، في مركز اللوحة امرأة هائشة الشعر، دامعة العينين، تواجه رجلًا تختفي ملامحه خلف منديل، ربما يمسح عرقًا تصبب أو بصقة نالته من تلك المرأة.
اللوحة جيدة، لكنك أفسدتها، طمست جزءًا فيها، ثمة بقعة سوداء تشغل حيزًا من جانب اللوحة، كأنك أخفيت بالسواد طفلًا رأى ما حدث، أهو طفلك المتلصص؟
***
حين زرتني ورأيت لوحاتي، تحدثت عن بنات الفرشاة وكأنك تعرفهن، أعدت حديثك عن تلك الحركات الهادرة المتوارية خلف السطح الهادئ للبحر، كم تمنيت أن تبصر أنت ما يهدر تحت سطحك، هممت مرة أن أنصحك بزيارة طبيب نفسي، لكن خشيت أن أفقدك فلم أتورط.
تجادلنا حول رؤيتك للنساء وكيف أنهن كلهن نمرات شبقات، بينما أنت عضوك سوطك الذي يتقن ترويضهن، أكدت على أن الجملة ربما لا تكون لك، لا تتذكر إن كنت صاحبها أم قرأتها في كتاب؟ يومها عبرت لي عن إعجابك بتجميعاتي للأشياء الصغيرة المتناثرة، أستطيع أن أستخرج منها معنى كان خافيًا، أصنع لوحات فسيفسائية أظهرت بعضها في أكثر من معرض جماعي، وضممتها معًا في معرض فردي واحد شاركتني يوم افتتاحه.
***
جمع نثار حكاياتك لم يكن صعبًا، كل حكاياتك مبتورة ممزقة الأوصال، تتقافز أجزاؤها داخل رأسك فتشكو من صداع لا يغادرك، أحيانًا تتدافع بعض الأجزاء فألتقطها، وأحاول أن أجد لها سياقًا ما، لوحات كثيرة صنعتها لحكاياتك لكنها تأبى الاكتمال، إلا واحدة أطاعت، هي الأخيرة، فاتن، تلك المرأة التي تراها لغزًا، انفلتت منك في عز يقينك بامتلاكك لها.
علمتني ألا أستدرجك، ذلك يبقي الحكايات ناقصة، فقط أصغي لك حينما تريد الكلام، أتظاهر بعدم الاهتمام حينما تدفعك لحظة غضب أو إثارة إلى الهذيان، ثم أضع ما التقطه كل جزء في اللوحة المناسبة له.
الحكايات الأكثر إلحاحًا تخص تجربة سفرك إلى الخليج، كأنك لم تعش قبلها إلا علاقات عابرة وعقبات ما قبل زفافك، لم تحك كثيرًا عن السنة التي سبقت استقدام زوجتك، تركت السكن الجماعي واستأجرت شقة صغيرة، لم يبق في ذاكرتك شيء عن عملك، كل الناس يعملون ويحصلون على رواتب ينفقونها على سكناهم وأكلهم، فما الفريد في ذلك ليستحق عناء تذكره وإعادة حكايته، أسقطت ذاكرتك كل ما يخص تنافس وتحاسد وتباغض الزملاء، لتوسع المجال للجار وزوجته.
سبقاك إلى هناك بسنوات نسوا عدها، كان الرجل محاسبًا، لكنه ترك دفاتره وسافر، فالمعلمة المعارة لا بد لها من محرم، تنقل خلال عامين بين أعمال كثيرة حتى استقر بائعًا في أحد فروع شركة كبرى، وبعد عامين آخرين انتهت إعارة زوجته، لكن ظلت هناك، رافقته هي، ولم تجد صعوبة في التعاقد الشخصي مع مدرسة، أما هو فقد تغيرت وظيفته، احتاجت الشركة لمن يجيد قيادة السيارات، وكان كذلك، فأصبح مسؤولًا عن نقل البضائع بين المخازن والفروع، وكانت الفروع كثيرة وبعضها نائي، فكان يغيب في مأموريته أيامًا.
زوجتك والجارة وجدت كل منهما ضالتها في الأخرى، تعاونتا في كل شيء، وتبادلتا عزومات العشاء والأسرار ونزع الشعر الزائد، أما أنتما فمن حسن الحظ أنكما تلعبان الطاولة، ولولا ذلك لظللتما أغلب الوقت، من التهام الطعام حتى الانصراف للنوم، صامتين إلا قليلًا، رغم ذلك استطعت استدراجه للحديث عما تريد، وأدركت اختلافكما، قناعتك أن الفحولة وسيلة الزوج لامتلاك زوجته، وهو على العكس يرى أن السيطرة تتطلب الإغواء والوعد وليس الإسراف في المنح، في سرك اتهمته بالبخل حتى في الفراش، لكن لا تنكر أنك تحسده أحيانًا، وظيفته تحتاج تنقلًا مستمرًا بين الأماكن، وذلك كافٍ لقتل الملل.
أما زوجته فقد رأيتها مثيرة رغم أن جمالها لم يكن لافتا، ربما حكايات زوجتك أيقظت الذئب الكامن فيك، اسمها “فاتن” وكان لها من اسمها نصيب غير كبير، قمت بتنشيط فخاخك وتجهيزها لفريسة دانية، لم تعرف بالضبط ماذا فيها دفعك لأن تراها مثيرة، ربما فقط لأنها كانت المرأة الوحيدة المتاحة، فلا زميلات لك في المدرسة، ولا جارات غيرها صادقن زوجتك، حين تراها تستعيد وصف زوجتك للجسد المتواري داخل العباءات السوداء، تحاول التحديق في عينيها لعلك تلمح احتياجا مكتوما.
وأنت على غير عادتك، صبرت كثيرًا، لم تضجر ولم تيأس، تنتظر أن تبوح عيناها بما يخرس عنه اللسان، كنت تثق في حسن ترويضك لزوجتك، استخرجت منها كل أسرار الجارة، وفي اللحظات الحميمة تدفعها لاستعادة وصفها لتفاصيل الجسد وطقوس نزع الشعر، حرضتها على المباهاة بفحولتك، زوجتك مطيعة في كل شيء، تمامًا كما عودتها.
***
بعدما هيأتها للعودة ووعدتها بالذهاب إلى المصيف بعد زيارات الأهل، فاجأتها بزعم تعثر حصولك على إجازة، أربكت كل خططها، بكت، فضَممتها إلى حضنك مقترحًا أن تعود هي بالولدين ولتحتمل أنت البقاء وحيدًا، وليلة السفر دعاكما الجار للعشاء والسهر، بالغ في إكرامكما، وبالغت في مديح الأطعمة ومن أعدتها، ولما قام زوجها لصلاة العشاء ورأيتها آتية بصينية الشاي أغلقت صندوق الطاولة، أبعدته مخليًا المنضدة الصغيرة، ولما دعتك لشرب الشاي، فاجأتها، اختطفت يمناها مقبلًا وهمست:
_ سلمت يداك مدام فاتن.
وهي فوجئت وارتبكت وسارعت بمغادرة المكان، ولما ختم الزوج صلاته تركته يهزمك في الطاولة، هنأته على براعته وأسرفت في مديح البسبوسة التي تصنعها زوجته، طلبت منه أن يشكرها بالنيابة عنك.
بعد أسبوع من سفر زوجتك فاجأتهما بالدعوة للعشاء في شقتهما، حضرت حاملًا لفائف الأطعمة الخارجة توًا من المطعم، حملها عنك الزوج شاكرًا، وناولت أنت الزوجة كيسًا يضم عدة عبوات من نوع فاخر لدقيق البسبوسة، ومعتذرًا طلبت أن تصنع لك صينية بأحدها، أما الباقي فلهم، بدا أنها نسيت أو تناست قبلتك على كفها، فتفاءلت. كانت مجرد خطوة ضمن خطتك.
فاجأك الزوج وأنتما تلعبان الطاولة بأنه سيغيب ابتداء من صباح الغد لأيام في مأمورية عمل، برقت عيناك، وسريعًا فكرت، صدفة خير من ألف تدبير، أنهيت اللعبة ووقفت، هامسًا تمنيت له ليلة هانئة قبل سفره وأصررت على المغادرة.
خمنت أن البسبوسة لن تأتيك قبل عودته، لكن الزوجة بعد العشاء قررت أن تذيقها له قبل الغياب، بعد ساعة من خروجك طرقت بابك، جاءت تحمل إليك نصيبك، أفسحت لها الطريق وتبعتها إلى المطبخ، نزعت جوانتي المطبخ وهي تشير إلى البسبوسة، تنصحك بأن تصبر لنصف ساعة حتى تبرد قليلًا، تشكرها وأنت تقترب، فوجئت بك تضمها محاولًا تقبيلها، أصبحت محاصرة بينك وبين الجدار، حاولت المقاومة بصمت، حاولت بقدر استطاعتها، لكنك في النهاية نلتها واقفة. وقبل أن تفتح لها باب الخروج، همست آمرًا:
_ أنتظرك في التاسعة صباحًا.
لا أعلم مصدرًا لثقتك الفائقة تلك، صحوت مبكرًا، هيأت نفسك والمكان لاستقبالها، لكن انتظارك طال. فهي لم تحضر إلا بعد الواحدة ظهرًا، تأخرت لأربع ساعات، لكنها في النهاية أتت، سارعت بحملها إلى الفراش، تخلصت من ملابسك بسرعة، استبطأت خلعها لملابسها، مزقت ورقة التوت ودسستها تحت الوسادة، كانت ترمقك صامتة ومنتظرة، شيء ما تلمحه في نظرتها، يثير غضبك وشهوتك معا، فتجعلها تدفس وجهها في الوسادة، ولما يعلو صوت أنينها تلقمها ورقة التوت الممزقة.
***
أخفت عريها بالملاءة وبكت، بشفتيك مسحت دموعها، صامتا ناولتها كوب ماء، قربت من فمها تفاحة، قضمت منها ثم ردتها إليك، مررت لسانك على أثر قضمتها، ومنحتها قضمة من موضع آخر أيضًا مررت عليه بلسانك، وهكذا حتى لم يبق إلا قلب التفاحة، ألقيت به في السلة، ونزعت الملاءة، قبل أن تحتضنها وتميل بها، بقدر استمتاعك بها بقدر ضيقك من خجلها، لم تخلعه مع ملابسها، لكنك الخبير بالنفس وبفنون الفراش قررت أن تنزعه غدا عنها.
في اليوم التالي لم تنتظرها، كنت قد منحتها المفتاح فأيقظتك، لم تصطبر، فبكرت بحجة الإفطار، أيقنت أن سوطك نجح في ترويض نمرة أخرى، لكن يقينك شابه شك حينما عادت للبكاء، أقسمت أنها ليست خائنة وأن ما يحدث لم يخطر أبدًا ببالها رغم كل ما تتحمله، حكت عن وحدتها وحرمانها وضياع العمر في أرض لا تعرف أحدا من مواطنيها.
خشيت ألا تأتيك في اليوم التالي، لكنها فاجأتك بالعودة في مساء اليوم ذاته، زهوت بما ظننته امتلاكًا لها، دفعتها بعنف، فاجأها، إلى الفراش، جعلتها تنطق بما وددت سماعه وما لم يسبق لها النطق به، مغالبة الخجل زادت من إثارتك، فزاد عنفك.
وفي اليوم الثالث زاد هوسك، أصررت على إتيانها من الخلف، أبدت رفضًا شديدًا، لكنه انتهى بإذعانها لما تريد، آلمتها وكانت تصرخ، فزادت نشوتك وزاد جنونك، واصلت ورحت تعضها، وكأنك تتعمد أن تترك آثارًا يراها الزوج حين يعود، وقبل أن تنهض كنت قد أفرغت مثانتك بداخلها، نظرت لك عاتبة شاكية الألم، فابتسمت وطالبتها بسرعة الذهاب إلى الحمام، ببرود أخبرتها بما فعلته ولم تفطن هي له.
تعصر بطنها طاردة كل آثارك، غابت لربع ساعة، عادت باكية، ارتدت ملابسها في صمت، وقبل أن تغادر شقتك فاجأتك ببصقة غطى رذاذها اللزج وجهك، المفاجأة شلتك، وحينما سمعت صوت الباب الذي أغلقته خلفها بعنف، كان الرذاذ يتحول إلى مسامير ثلجية تنغرس في وجهك.
كان ذلك آخر عهدك بها، علمت من الزوج أنهما ذاهبان إلى العمرة ومنها إلى مصر، وسوف يعود دونها، كنت تباهي بانتصارك السريع، وبأنك أخرجت العاهرة الكامنة فيها، لكنها أدمتك، وغرست فيك مسامير ثلجية لم تنزعها أو تذبها السنون، فتخمش وجهك بعنف كلما راودك اشتهاء.















