وليد عزام
فادي عزام كاتب وروائي سوري، يواصل تميزه في عالم السرد من (سرمدة) إلى (رحلة إلى قبور ثلاثة شعراء) ثم (بيت حدد) و(خميرة الموتى المنسيين) وصولاً إلى (سُدَف)
تنشأ سُدَف في آخر المسافة الضيقة الفاصلة بين الحياة والموت، من أصغر زمن متبق للجسد قبل الإطفاء الأخير، من المنطقة الملتبسة بين الوعي والغيبوبة، بين الضوء والعتمة، بين الحلم واليقظة. ينهض الوعي محاولاً بناء عالم سردي كامل، يسير في عدة مستويات تتداخل وتتباعد وفق قوانين سُدَف الخاصة.
تبدأ الحكاية ظاهريا برجل في السابعة والأربعين يستيقظ في مشفى بعد إصابات جسدية شديدة، ويغادرها فاقدا للذاكرة فقدانا شبه تام، اسمه في الهوية وفي تقارير المشفى راسم عبد الغني، ويعرف عندما يبحث في الصور والأوراق التي يفترض أنها تخصه، أنه كان أستاذاً للتاريخ في جامعة دمشق، لكنه يفشل في إعادة بناء ذاكرته. لا يملك من ماضيه إلا شذرات مبهمة، ولا يتذكر سوى رقم يدل عليه يحفظه بسلاسة: 9313.
لكنه يكتشف تدريجيا أنه يعيش في حالة فقدان ذاكرة غير عادي، في عالم يكاد يجهله تماما، تتكشف له ملامح غائمة عنه.
تدخل حزمة الأوراق والمخطوط إلى الحكاية عن طريق الجار ليبدأ مستوى ثان للسرد، يفكك فيه راسم الكتابة المغلقة، ويعيد ترتيب النص. صاحب المخطوط يعرف عن نفسه بمفردة ملتبسة: (شهيد سابق).
سرعان ما يصبح المخطوط سلوى لأيامه، وتصبح الشرفة ملاذا لتأمل مدينة ذابلة ينخرها البرد والعتمة. شيئا فشيئا يتخلى عن فكرة البحث عن نفسه، ويدرك أنه معتقل سابق، وأن المكان الوحيد الذي يعرفه هو المكان الذي لا يرغب في زيارته. (المُعتقل)
ينقلنا السرد من حبكة استعادة الذاكرة إلى حبكة اكتشاف الحقيقة.
تظهر آثار التقييد والكسور وسوء التغذية في الصفحات الأولى، التلميحات تشير إلى جسد سجين يتعرض للتعذيب والانتهاك. السرد يكشف حركة مزدوجة للوعي: يظل ملتصقاً بالجسد ويرافقه في العبور نحو الموت، وفي الوقت نفسه يلجأ إلى صيغة متخيلة ذهنياً كنوع من الهروب، أو الدفاع عن النفس، يقول راسم: (ما أعيشه هو محاولة اختراع حياة لي بدلا من انتظارها لتعود إلي) وهنا يمكن فهم ما يحدث في الرواية بوصفه محاولة من الوعي لاختراع حياة بديلة، في الوقت الذي يكون فيه الجسد قد وصل إلى أقصى حدود احتماله.
وهذا يذكرني بما قاله صديقي المعتقل السابق سميح العوام في أحد اللقاءات التلفزيونية، حين تحدث عن لحظات كان فيها عقله يغادر الجسد ويذهب إلى صياغة أحداث ذهنية بعيدة عن الواقع، وكأن الوعي يجد لنفسه ملجأً مؤقتا كي يحمي الجسد من احتمال لا يطاق. لكن تجربة راسم تختلف. سميح نجا وعاد إلى الحياة، أما في «سُدَف» فيبدو أن الرواية تتحرك داخل المنطقة التي تسبق العودة، أو ربما داخل اللحظة التي لم يعد فيها واضحا إن كانت هناك عودة أصلا.
من هنا يمكن النظر إلى الذاكرة التي يبحث عنها راسم لا بوصفها ذاكرة حياة ضائعة، وإنما بوصفها محاولة الوعي لاستعادة ذاكرة جسد عاش موته.
مقبرة الشهداء:
في هذه المقبرة يستمر عالم الأحياء في فرض سطوته، يحمل الموتى أفكار عالمهم معهم: الألقاب والتصنيفات ومفهوم العدو ولغة التخوين، وتستمر سلطة الجنرالات، وسرقة الجماجم، وبيع الهياكل، وتستمر الاحتفالات في السادس من أيار ويصدح صوت الرجل المزين بالنياشين على منصة المقبرة، (عدد نياشينه يزداد كلما ازداد عدد الشهداء.)
الأكثر قسوة أن سلطة الدولة لا تتوقف بعد الموت، الضباط لا يتركون أوهامهم السياسية بعد موتهم، والجنرالات يقررون أن الحقيقة هي فقط ما يكتب في السجلات وليس ما تراه العيون. وعندما يحاول ثلاثة جنود أن يقولوا إنهم قتلوا برصاص زملائهم لأنهم رفضوا إطلاق النار على تجمع من الناس يهتفون ضد الفساد، يتم تكذيبهم ويمنع الحديث عن سبب الموت في مقبرة الشهداء.
هنا تصبح المقبرة صورة مكثفة لعالم الأحياء: السلطة، السجلات، تزوير الحقيقة، تصنيف الضحايا، ومصادرة روايتهم حتى بعد موتهم. ومن هنا تنشأ المفارقة السوداء:
(الجسد يستطيع مغادرة الحياة، لكن الأفكار التي حكمته لا تموت بالضرورة معه.)
ولهذا لا تبدو السخرية مجرد سخرية عبر عالم الموتى، بل تتحول إلى طريقة للكشف عن فساد عالم الأحياء ذاته. والشهداء يحتجون، ولكن لا يستطيعون البكاء، لأن الاصطكاك يصبح لغة للتعبير عن الرفض.
لغة السهاد
من أكثر العناصر طموحا في «سدف» لغة السهاد: لا يكتفي الكاتب بصناعة فضاء وشخصيات، وإنما يجتهد في صناعة لغة داخل اللغة هي (لغة السهاد) التي يصعب أن تستقيم سُدَف من دونها.
عند ظهورها يدرك المتلقي أنها ترتبط بعبور الأشخاص إلى العالم الآخر، لغة نشأت في مناطق ما بين الوعي والغيبوبة، وتقوم على المقاطع الصوتية والتنفس والإيقاع أكثر مما تقوم على القواعد اللغوية المعتادة. وهي لا تقدم نفسها بوصفها لغة معروفة، بل بوصفها محاولة لتشكيل أثر لغوي حين تعجز اللغة المألوفة عن حمل التجربة.
ويقول النص إن الناس، مهما اختلفوا في التواصل، يجدون لغة واحدة يفهمونها (بعد أن يعبروا).
يبقى السؤال المشروع ما الذي يقدمه ملحق لغة السهاد للعمل الأدبي بعد أن انتهى السرد واكتمل بناء القصة؟
وهل كان بالإمكان تضمين الأهم منه ضمن الهوامش والتعليقات؟
الزمن، سر أسرار «سدف»
هو أكثر مكونات الرواية قوة، البطل خارج الزمن الطبيعي، الماضي غير متاح له، والمستقبل لا يستطيع تخيله، أما الحاضر فمقطوع عن الامتداد. والمفارقة أنه أستاذ تاريخ فقد تاريخه الشخصي، كانت مهنته قراءة الماضي، أصبح غير قادر على تذكر ماضيه.
الذاكرة لا تتحرك وفق تسلسل: طفولة – شباب – زواج -اعتقال – تعذيب.
وإنما تأتي في صورة: ألم – حلم – خوف – موسيقى – ومضة.
الماضي لا يعود بوصفه زمناً إنما بوصفه أثراً.
الزمن النفسي:
لكل حالة شعورية زمنها الخاص. لحظة الألم تستطيع أن تمتد صفحات، بينما يمكن لفصول أن تتعاقب في جملة واحدة، أو مقطع قصير. وفي المقبرة يمر الوقت ولا يؤدي بالضرورة إلى تقدم الزمن (حالة من الانتظار الطويل لبوابة العبور)، وتتغير الفصول بينما يبقى الموتى في حالة معلقة.
ولهذا لا تكون وحدة الزمن في الرواية الساعة أو اليوم، بل شدة التجربة.
فالزمن النفسي يتمدد حين تشتد الذاكرة والألم والخوف، وينكمش حين تصبح الوقائع الخارجية أقل أهمية.
العنوان نفسه يلخص الرواية كلها.
السُّدَف هي منطقة اختلاط، ليست ضوءا كاملًا ولا ظلمة كاملة. تصبح الكلمة سمة للنص كله:
العنوان ليس مجرد استعارة جميلة، بل المرآة العاكسة للبناء كاملا.
فالرواية كلها تقيم في المسافة بين حالتين: بين الحياة والموت، بين الوعي والغيبوبة، بين الحقيقة والوهم، بين الذكرى والحاضر، بين المكان الواقعي، والمكان النفسي.
اليد النسائية وذاكرة الجسد:
تشكل هذه الفكرة ذروة فنية للسرد، اليد النسائية تنضم إلى جسد الراوي في عالم الموتى.
يصف النص اليد الجديدة بأن ذاكرتها ما زالت هي التي توجهها إلى المواضع التي اعتادت الذهاب إليها، ثم يصرح لاحقًا بأن اليد تحمل ذاكرة الجسد الذي انفصلت عنه. وهنا تظهر فكرة تتجاوز الغرابة الحكائية: يجوز لنا أن نتساءل:
هل الذاكرة ملك للعقل البشري وحده؟
أليس من الممكن أن يكون لكل جزء من أجسادنا ذاكرته الخاصة؟
اليد القادمة من جسد آخر تحمل أثر صاحبتها السابقة. تتحول إلى محرك للحب والحنان والفتنة أيضا، وتكتب معلنة حالة عشق للجسد الذي انضمت إليه (بحبك) مما يؤهلها لتكون محورا كاملا يستحق دراسة مطولة.
بين 9313 وراسم عبد الغني:
لعل أكثر ما يختصر مشروع «سُدَف» هو الصراع بين الرقم والاسم، الأول رقم يصلح لملف أو لمعتقل سياسي، والثاني اسم يحتاج إلى ذاكرة وحكاية. وبين الرقم والاسم تنهض الرواية كلها.
فإذا كان العنف يستطيع أن يحول الإنسان إلى رقم، فإن (سُدَف) تراهن على أن الحكاية تستطيع أن تعيده إنسانا. إذا كانت كل هذه الأحداث قد نسجت داخل المسافة القصيرة الفاصلة بين الموت والحياة، فإن سدف ليست فقط حكاية رجل فقد ذاكرته ولا قصة معتقل خرج من السجن فاقدا لهويته، ولا رواية عن عالم موتى يعانون الفراغ.
إنما هي محاولة خلق نص مختلف يحرض على التفكير ويجبر الخيال على النهوض ويعيد للإنسان اسمه وحكايته، بعدما حاول العنف اختزاله في رقم.



















