خالد عمر بن ققه
(1)
الشَّمْسُ زَوْجِي
“يا منْ أحِنُّ بشهوة أن يناله قِسْطاً من” التعذيب المرغوب” وصولاً إلى ملامسة حَلَمَتِه وهَالَتِه، لقد ارتفعت بما يكفي، وامتلأت بما يجعل الجسم كله في خدمتك، عليك اليوم أن تكتفي بالشمس زوجاً..”
نشوى كريم
كشفت عن نهدها الأيسر النَّافر مٌودِّعة شمس يومً من أيّامها الخاصَّة، ومن أيام الإمبراطوريَّة التي تٌقبَّلُها الشمس قبل الخلق الأحياء على كوكب الأرض، وعند المساء تودِّعُها بقبلة أخرى، ثم خاطبته، وهي تنظر إلى الشّمس باستحياء، وبرغبة، وبخوف:
ــ يا عنوان أنوثتي وسرّ جمالي، ويا من أرغبُ في استثارته بشتَّى الطرق والوسائل سواء بفمِ طفلٍ عند الرضاعة، أو بلمس رجل ـ بعد الفطام بسنين ـ يأخذه الشوق إلى ثدْي أمه، فتنوب يده عن أدوات أخرى عند البداية، في مرحلة الشباب، أو عند النهاية في مرحلة الكهولة وما بعدها، أو عند الشيخوخة.. لمس عابر يَشِي بأن هناك أثراً لرجل كان يوما ما فحلْا، أو عند سفاهة شيخ لا حلمَ لهُ بعدها، لأن ذلك يجعلني أكثر استعداداً للحرث عندما يحين أوانه.
توقفت لحظة تتأمله واحساس بالدفء من الشمس يدغدغها، ثم واصلت حديثها مخاطبة نهدها:
ــ يا منْ أحنُّ بشهوة أن يناله قِسْطاً من” التعذيب المرغوب” وُصولاً إلى ملامسة حَلَمَتِه وهَالَتِه، لقد ارتفعتَ بما يكفي، وامتلأتَ بما يجعل الجسم كله في خدمتك، عليك اليوم أن تكتفي بالشّمس زوجاً، حتى تقتبس النور والضياء، والحرارة الدائمة، ونبض الحياة المتدفق.
تتوقّفُ لحظة عن مخاطبة نهدها، وتتوجّهُ بنظرها نحو الشّمس من جديد، وهي تضعُ يدها على وجهها، وتقول:
ــ أيُّتها الشَّمْس الغاَلية.. أنتِ الرّفيق، والزّوج والولد، لتَكُن قبلتُك على نهدي، استنهاضاً لكل معاني ومفردات اللغة المشتقة منه، لعلها تساعد على تغيير حياة الإمبراطورية، فنهضة الأمم تبدأ من احترامها لأفكارها، وهذه الأخيرة وعاءها اللغة، والأمم مثل الفرد تماماً بأصْغَرَيْه قلبه ولسانه، والفرق الوحيد بينهما هو العدد، وفي إمبراطوريِّتِنا توجد ملايين القلوب والألسنة، ومنها قلبي ولساني، وإني والصدق أقول: عاشقة لك، ووفيّة ومُحبَّة لك بدرجة كُرْهي للظلام.
انتبهتْ نشوى كريم إلى نهدها النافر، الذي لا يزال مفعّماً بالحيوية والمُنْتشي بقبلة الشمس، فغطَّتهُ ليستوي في الاختفاء مع نهدها الأيمن، ثم خاطبته:
ــ يقولُ بعض المُخْتصّين: أنك أكثر استجابةً للمثيرات الجنسيّة مقارنة بصديقك أو عدوك النهد الأيمن، ويُرجعون السبب في ذلك إلى قربك من القلب، والحقيقة أن الأمر يختلف من امرأة إلى أخرى، لذلك على كل زوج أن يسأل زَوْجه أيّ النّهديْن أو الثّدييْن أكثر استجابة.
تنظر إلى نهدها الأيسر من جديد، وتلمس حلمته لمساً خفيفاً، ثم ترفعه إلى أعلى باتجاه الشمس، وكأنها تحاول فصله عن بقية الجسم، ثم تخاطبهُ، والشمس تَرْقُبُها:
ـــ يا صاحِب المجد والهالة المقدسة، ويا من ُيغذي النساء والرجال، ومحدد نسبهم، وأخوتهم، وبنوتهم، وأزواجهم، ومواريثهم، ورغباتهم.. بفعلك الدَّافِق حليباً يعيش الأفراد، وتحدد الانتماءات والولاءات.. رغبة الرجال في لثْمِك او اقتناصك حقٌّ تحوَّل إلى باطل حين طغى الجزء على الكل.
توقفتْ عن الحديث معه حين سيطر عليها شوق نرجسي تجاهه، غير أن ذلك لم يدم طويلاً، إذْ عادت من جديد إلى مخاطبته:
ــ منك اشتقّت العرب أسماءً وأفعالاً كثيرةً خلّدتها القواميس، فقالت في مواطن كثيرة: نَهَدَ الثَّدْيُ: تَكَوَّنَ، كَعَبَ، اِرْتَفَعَ، أَشْرَفَ، وبَرَزَ، ونَهَدَ الإِنَاءُ: قَرُبَ مِنَ الاِمْتِلاَءِ، والنَّهْدُ: الزُّبْدَةُ العظيمة، والنَّهْدُ: القويُّ الضخم، والنَّهْدُ: الكريمُ ينهضَ إِلى مَعالي الأُمور، والنَّهْدُ: ما تخرجه الرُّفْقَة من النَّفَقَة بالسويّة في السّفر، أَو عند مُناهدة العدو، أو نحو ذلك، وطرح نِهْدَه مع القوم: أَعانَهُم، ونَهَدَ البَطَلُ: نَهَضَ، مَضَى، ونَهَدَ لِلْعَدُوِّ أَوْ إِلَيْهِ: بَرَزَ لَهُ، صَمَدَ لَهُ وَشَرَعَ فِي قِتَالِهِ، ونهَد الفَتى: نهض ومضى..
رأتْ أنها إن استمرت بذكر أقوال العرب عن النّهد ما انتهت منها لوقت طويل، لذلك خلصت إلى السؤال الآتي:
ـ أيَحِقُّ لأيٍّ كان من الرجال بعد هذا كله أن يختصرك في مصدر للرّغْبة، أو للشَّهْوة، وإلى اتِّخاذك طريقاً إلى ما طفق أبونا آدم وأمنا حواء يخصفان عليهما من ورق الجنة حين بدت سوءاتهما بعد أن أكلاَ من الشّجرة المحرمة؟!
* * *
بين قُبْلَتْي الشمس خلال اليوم الطويل، كانت نشوى كريم تُمارسُ طقوس الولاء، التي هي خليط من متناقضات قامت عليها سياسة الإمبراطورية، وحركة تاريخها، وفعلها الاجتماعي، ومع ذلك فقد أحسَّت بخيانتها للميراث وللحكمة وللفلسفة وللتاريخ؛ لأنها في ذلك اليوم لم تمارس كلَّ الطقوس المطلوبة
تساءلت نشوى كريم، وهي تعيدُ جمع نصف شعرها المُنْساب تحت خمارها تاركة نصفه الآخر لمداعبة نسمة خفيفة في يوم ربيعي:
ـ ما الذي جرى حتى لا ألتزمُ اليوم بقواعد وأخلاقيَّات وآداب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟
ثم واصلت حديثها الداخلي:
ـ إنها لحظة ضُعْف عابرة.. آهٍ من سيطرة المعاني المنحرفة للأخلاق وللصلاح وللطُّهر علينا!
في واقع الأمر لم يكن الطُّهر والعفة وغيرهما من متطلبات التعايش التي تفرضها قوانين الإمبراطورية، هي التي حالت من دون تعريّتها لكل النصف الأيسر من جسمها، مثلما فعلت مع نهدها الأيسر، ولكن لأنها ملَّت من هذا التناقض المخالف للطَّبيعة البشرية، إذ كيف للإنسان أن يجعل من نصف جسده الأيسر مطيّة للحرام، ونصفه الآخر حرثاً للحلال؟!
ظل السؤال السابق يؤرق نشوى كريم، وقد طرحته على كل الذين عرفتهم، ولم تتلق جواباً شافياً، ثم من كان يجرؤ على طرح مثل هذا السؤال؟!، خاصة وأن قوانين الإمبراطورية تتيح لكل المواطنين البالغ عددهم 400 مليون نسمة، والموزعين على مساحة 14 مليون كيلومتر مربّعا، أن يتحركوا في فضاء الإمبراطورية حاملين معهم في وقت واحد ثنائية: الخير والشر، الفساد والصلاح، الطهر والعهر.. إلخ.
ويستثنى الزواج فقط من قاعدة الجمع بين المُتناقِضيْن، حفاظا على النسل، وبما أن نشوى لم تتزوج بعد فهي مُجْبرة على أن تستمع جنسيّاً بنصف جسدها فقط، لأنها لا تدري إن كان مصيرها سينتهي بها إلى الزواج أم الزنا وممارسة البغاء في وقت لاحق.
التزاماً بقواعد القانون، التي لا تجبر عن العري الكامل لدرجة ابراز السوءة أو العورة ولا عن الطهر الكامل لدرجة تغطيّة الجسم كلّه، عمِلت نشوى كريم على أن تكون بنتاً ملتزمةً بقوانين الإمبراطورة ونُظمها، فأظهرت مفاتنها من الجانب الأيسر باستثناء منطقة الفرج، التي تركتها منطقة ممنوعة إلاَّ في الحلال، وغطَّت مفاتنها في النصف الآخر، لذلك كانت حزينة وهي تودع يومها ذاك؛ لأنها لم تجعل الشمس ناظرة مستبشرةً بجمال تراه يُعمَّر إلى حين، وهو الآن في حاجة لمن يأنسه من البشر بحضور الشمس، أو في غيابها، وفي الغياب أفضل.
كانت نشوى كريم تشذّ عن قاعدة الجمع بين المتناقضات حسب المكان الذي تحلُّ فيه، وحسب مع من تكون، فإما تكون شبه عارية في هذه الحالة بالكامل، أو تكون مغطَّاة بالكامل، وفي الحالتين تجد متعةً خاصةً، لأنها تؤسّس عالماً جديداً خاصّاً بها.. عالم يُجسّد طموحاتها في أن تكون لها إمبراطوريتها الخاصة، وهي” إمبراطورية نشوى كريم”.
في غدوّها ورواحها، تظهر الالتزام بقواعد وقوانين الإمبراطورية، لكنها في الحقيقة تُبْطن عكس ذلك، كونها ترى في الفوضى المدخل الأساسي للحرية، بل إنها تراها أحيانا هي الحرية ذاتها، والسبيل إليها التمرد والعصيان ليس فقط على النظم والقوانين وإنما على الأخلاق والقيم، وأيضا على التناقض الذي تقوم عليه سياسة الإمبراطورية، لكونه يمثل الفناء والعدم، ولذا فإن محاربة فوضى التعبير عن الرغبة تُعدُّ قضيتها الأساسية.. إنها مشروع حياتها المستقبلية، وهي لا تمانع أن يكون غيرها من أبناء الإمبراطورية، رجال ونساء، بعيدين عن الظهر، المهم أن يعيش الجميع خارج نظام” التناقضات”.
لا تعلم نشوى كريم أن هناك كُثْراً من أبناء الإمبراطورية، بما فيهم قلَّة من المسؤولين يشاطرونها الرأي، لكن لا أحد يجرؤ عن الإفصاح عن رأيه خوفا من العقوبة، لذلك كانت تشعر بوحدة قاتلة، مع أنها كانت تعود كل مساء محمّلة بأثار عِبَارات ونَظرات، وضحكات، وعبرَات، وشهقات ولهفات، وشوق للرغبة العارمة من فريق، ومن فريق آخر إلى عشق إلهي تصّعد فيه الأرواح نحو السماء، باحثة عن نقطة الانطلاق لأجل العودة قريبا أو بعيدا.
* * *
نشوى تُعاني من الحرية الظاهرة والقائمة أساساً على الجمع بين المتناقضات، مع أنها تتكون من جسم يتشوق للذة والرغبة العارمة، تمارسها بشبَقٍ مع الشمس، حتى لكأن هذه الأخيرة من عالم الشواذ المثليين.. إنها سحاقيَّة، مع شمس تقوم بفعل الذكر، وربما لهذا استغربت بتوديعها ذلك المساء متسائلة:
ـ لِمَ لَمْ أعرِّ جسمي كله أمام الشمس؟.. أليست هي صاحبتي الصادقة التي لا تقذف فيَّ ما قد يُتْعبُني طول العمر؟، مع أنها تمنحني حرارة تجعلني أكثر حيوية ونشاطا.. إنها تشاركني العمر وتَبْقى بعدي، وتَرْوِي حكايتنا للأجيال.. آه يا أيَّتُها الشمس كم أعشقك، فيك أرى بعضاً من وجه الله، بعضاً من نوره، بعضاً من حبه، وكرهه، من غضبه وعفوه.. تأفلين اليوم لتَعُودِين غداً، وإذا أفلتُ يوما فلن أعود أبداً.
تتوقف بُرْهة، مُصغيَّة ومستأنسةً بعبارات مقبلة من أعماقها، ثم تواصل:
ـ أيتها الشمس، أنت النور، والحياة، والدفء، والحر.. أيتها الغالية: متى تُجيبين عن سؤالي: لماذا أعشقك، ولا أعشق القمر؟
لا تنتظر نشوى إجابة الشمس التي لن تأتي، هي تعرف ذلك، فالشمس تهْمِسُ من خلال أشعتها، قولها واحد للإمبراطورية الممتدة، يتردد صداه في البحار والأنهار والأودية، والجبال، وفي القصور، والمؤسسات، والسجون، وفي دور العبادة، والفنادق والخمارات وبيوت البغاء.. إنه المختصر في شهادة يوم جديد عن الأفعال الفردية والثنائية والجماعية.. شهادة عن العلاقات بين السكان وعن سلامة قلوبهم ومرضها، وما نشوى إلا فرداً، وإن تميّزت بعلاقة خاصَّة مع الشمس، ينطبق عليها حكم ما تحمله الشمس عن السكان جميعهم، فكيف لها أن تجيب عن سؤالها؟!
هنا، وبغير انتظار طويل، تجيب نشوى كريم عن سؤالها بدل الشمس:
ــ قد يعود سبب كُرْهي للقمر لأنه ذكر، وأنا أكرهُ الذكور من الرجال والدواب والكائنات الأخرى، وكل ما هو مذكر في هذا العالم الفَانِي، وأحب كل ما هو أنْثوي، لأنه حامل للحنان حتى لو بدَا قاسياً، وللكرم حتى لو غدَا بخيلاً، وللدفء حتى لو كان بارداً، وأنت كذلك عزيزتي، فأعذريني أن خذلتك اليوم وخذلت نفسي، ففي داخلي مَعِين حبٍّ لك لا ينضب أبداً.
ليس هناك في حياة نشوى كريم ما يُشير من قريب أو بعيد لفعل قام به الرجال تجاهها، يجعلها تكرههم، بل على العكس من ذلك لقيت كل الود والترحيب من الرجل أينما حلّت.
في كبرها، حين تجاوزت سن المراهقة إلى أن وصلت إلى سن الثلاثين من العمر، وقبل ذلك في مرحلة الطفولة، كانت الفتاة المدللة في عدد من إمارات الإمبراطورية الغنية منها والفقيرة، وحين ذهبت إلى الدراسة الجامعية في احدى الإمارات الكبرى من إمبراطورية مُعادية عوملت هناك بالحُسْنى، وحتى حين طلبها زميلها” جاك للرقص” ولم تستجب، أو حين رفضت مداعبة” كاميرون”، أو عندما حاول أن يتحرَّش بها” جيف” فنهرته بقوة.. كان كل الرجال الذين عرفتهم لحظتها في صفِّها.
نشوى لا تكره الرجال لطابعهم الذكوري، وإنما بسبب أفكارهم تجاه النساء، فَهُمْ إن لم يظلموها هي فقد أذوا غيرها، وهي أيضا تكرههم على خلفية قوانين الإمبراطورية، التي تقرُّ المتناقضات اعتماداً على منطق رجالي، يرجّح الكفة دائما لصالح الرجال على حساب النساء، وهي تعيش ذلك في كل مؤسسات وإدارات وإمارات وأقاليم الإمبراطورية، وكل هذا يدفعها إلى القول:
ـ ليس من العدل أبَداً، أن يكون نصيب المرأة هو الجانب السيء من المتناقضات مثل موقعها في ثنائيات: الإصلاح والفساد، الإيمان والكفر، الطاعة والمعصية، السلام والحرب، الحب والكره، العلم والجهل، التقدم والتأخر، التنمية والتخلف، الربح والخسارة، العمل والكسل، الجد واللغو، العدل والظلم، النور والظلام، النجاح والفشل.. إلخ.
لكن كيف لها أن ترفض ذلك، وتلك المتناقضات هي قوانين الإمبراطورية، التي قامت عليها المؤسسات، ومنها: الوزارات في كل إمارة، ونشوى تصر على أنها ابنة بارًّة وإن كانت تظهر خلاف ما تبطن؟، ثم أليست تُقبّل الشمس وحدها كل يوم، وهي تعرف أنها تشعُّ على كل سكان الإمبراطورية، وإن اختلفت مواعيد الشروق والغروب؟
* * *
نشوى كريم تملك قدرةً كبيرةً من الاستيعاب للمواقف والأحداث، وحتى مبررات التناقض سواء ذات الحجّة الدامغة، أو الداحضة، لكنها تشقى بعقلها، مع استسلامها للواقع حسب مقتضيات العيش، حتى وأن كانت الحيلة في التكيف بأسلوبها الذي لا تملك بديلاً عنه، خاصة حين تجد نفسها موزعة بين شهوات الدنيا بزخرفها وغرورها وتفاخرها وتقلباتها ومؤشرات زوالها المؤكدة، وبين مصير محتوم لحساب أبدي يزعزع كيانها خاصة حين تُمْسِي، أو عندما تسمع صوت الآذان من قريب أو بعيد.
داخلها يأتي صوت عابر لزمنها الخاص، وزمن الإمبراطورية العام، مُنْذراً حينا بما آلت إليه الأمم على طول تاريخها حين كان الناس أمة واحدة، وبعث الله جل جلاله الرُّسل، فانقسموا بين مؤمن وكافر، وفي وقت لاحق وبعد بعثة الرسول محمد ﷺ أصبحوا ثلاث فرق غير متساوية في العدد، هم: المؤمنون والكافرون، والمنافقون، والفريق الأخير ظل مجهولاً، وسيبقى كذلك إلى أن تقوم السّاعة.
نفس الصوت يأتيها، ومعها كثيرين من أهل الإمبراطورية، مُحذَّراً من المعاصي، حيث يُلْبِس أهلها الحق بالباطل وهم يعلمون الحد الفاصل بينهما، لكنهم يبررون ذلك بحبِّ الناس وتفاخرهم بالأموال والبنين وكل مغريات الحياة، ويُوَلُّون الأدبار في حياتهم اليومية عن مواقع الحق، وهُمْ له إمّا جاحدون أو منكرون.
تعْجب نشوى من قوانين الإمبراطورية، ومن جَهْر أهلها بالمعاصي، وتتساءل محدِّثةً نفسها حينا أمام الآخرين وهي تتأملهم، أو في حديث هو أقرب إلى الجنون وبصوتٍ مسموعٍ حين تكون وحدها أو مع الشمس حبيبتها:
ــ ما معنى أن تكون لدينا وزارة للأراضي البور والإصلاح، أو وزارة للدعارة والزواج، وأخرى للربا والربح؟
لا تنتظر نشوى إجابة آنيِّة، لكنها تأمل في فهم منهج حياة الإمبراطورية التي تحكمها قوانين” الثُّنَائيَة”، وهي ترى أن الذين هم خارج المؤسسات، وخاصة العوام، هم الأقرب إليها، وتعول على بساطة وبراءة البعض منهم في فهم ما يحدث اليوم، وربما ما سيحدث غداً.. إنها تُمَنِّي النفس بنشوء إمبراطورية نشوى كريم، التي ستقوم على أنقاض قوانين” الثنائية”
غير أن أماني نشوى كريم تفقد حيويتها وانتظارها، بل والحلم فيها وبها ولها، نتيجة أمرين، أحدهما: دفاع قادة الإمبراطورية المحليين، وكذلك من هم في المواقع العليا حيث” تكتل قوى الإمبراطورية من أجل الظلم والعدل”، وهو تكتل يمثل السلطة العليا للإمبراطورية، قراراتُه نافذة في الشق المتعلق بالشر، ويُعَاد النظر في كل قراراته الخاصَّة بالخير، وتضيقُ مساحة العدل عنده، في حين تتّسِع مساحة الظُّلم حسب التطورات، لدرجة تُؤخذُ فيه شعوب الإمبراطورية رهينَةً، محليّاً أو لدى الأمم الأخرى.
والأمر الآخر: أن شقاء نشوى كريم في نعيم الإمبراطورية بعقْلِها، تُقَابله راحة وطمأنينة وسكينة ونعيم لدى معظم سكان الإمبراطورية ـ المترامية الأطراف ـ بدْواً وحضراً، وسكان المدن والقرى، ومن لهم تاريخ حافل في المعرفة، ومن استغرقوا في الجهل وأغرقهم، وأبناء الأرض، وأحفاد المتعلقين بالسماء.
سكان الإمبراطوريَّة يرون في نظامها القائم على الثُّنائية، حريّةً تُحقِّق شعار وقاعدة” هلمُّوا إلى الفجور والتقوى”، الذي تحوَّل مع الوقت إلى قاعدة دستوريّة، ثم طُوِّر ليصبح تحقيقاً للعدل، وهناك من القادة من ذهب بعيداً في شطَطِهِ، فرّوج لحرية الإيمان، ودعا سكان الإمبراطورية إلى المساواة بينهم في الإيمان والكفر، حتى إذا ما زادَ عدد المؤمنين أو رُجَّحت الكفَّة لصالحهم اسْتورَدَ بشراً من إمبراطوريات أخرى ليظل ميزان العدل قائماً بين الإيمان والكفر، من منطلق أن الضّد يُثْبُت حُسْنَه الضّد.
ويأتي رفض نشوى القاطع لقوانين الإمبراطورية وشروطها، ليس فقط لأنها تحمل في كل أيامها منذ أن اختارت من قرون تلك الثنائية مع رحابة مساحة التعاطي معها أو ضيقها، وإنما لكونها لا تطبق قاعدة” هلمُّوا إلى الفجور والتقوى” بشكل صحيح.
ونشوى في نظرتها تلك تنطلق من نفسها، إذا ترى أنه يحقُّ لكل فرد من شعوب الإمبراطورية أن يذهب بعيداً في الفجور أو في التقوى، ولا يُجْبر عن الجمع بينهما، ولو تحقق ذلك لغدت اليوم عاشقةُ للشمس بكل جسدها وليس نصفها الأيسر فقط.
يأخذ الحنينُ نشوى إلى حرية الإنسان في رحلة الشك والإيمان، عندما كان يبحث بقوة الحاجة، من أجل” الإطعام من جوع” و” الأمان من خوف”، عن قوة تَحْمِيه.. يومها تعددت في ذهنه المعبودات، من الحيوان إلى الشجر ثم الحجر حتى تجلى الإله بنوره وهداه سواء السبيل، وعندها كانت الحرية وما رافقها من عذاب وبطش وظلم حقيقة ماثلة، وما بعد تلك المرحلة يفترض أن يكون الاختيار في كل قضايا الحياة وليس المعتقد فقط قائماً على” البيّنة”، لكن ما تقوم به الإمبراطورية هو جمع ظالم لمرحلة ما قبل تجليات الإله الواحد الأحد للبشر، وما بعد ظهوره للبشر عن طريق كُتُبِهْ ورُسُلِهْ.
عبر تساؤلاتها الظَّاهرة والخفيَّة، ومن منطلق الشَّراكة في واقع تعيشه حبّاً أو كُرْها، وانطلاقاً من تجاوب ظاهر على الأقل تبدو نشوى كريم مُسَلِّمَة بمنظومة القوانين التي تحكم الإمبراطورية، والتي بموجبها تتم عملية العقاب والثواب، غير أنها ترى من الضروري تطويرها بما يسمح بالذهاب بعيدا في الاختيار بين واحد من الثنائية القائمة، مما سيؤدي في النهاية إلى ظهور فريقين، لكل اختياره، حتى لو تصادما أو اختلفَا، وقد دعت لهذا جهاراً أمام من تثق فيهم، ما يعني أنها لم تكن مُسْتسلمة للواقع، وتعمل من أجل تغييره.
قناعات نشوى تحمل نوعاً من الضبابيّة كونها تدعو إلى تغيير غير واضح لدى من حدَّثتْهم به، وأبعد ما وصل إليه البعض في التحليل، جاء في ذلك النقاش الذي دار بين نشوى وصديقتها نجوى، حين قالت الثانية للأولى:
ــ فكرتُك القائلة بعدم تطبيق قاعدة” هلمُّوا إلى الفجور والتقوى”، تثيرُ كثيراً من التساؤلات.
نشوى بانتباه حَذِرٍ:
ــ هلاّ ذكرتِ لي بعضاً منها؟
تَسْأل نجوى بحزم:
ـ بداية، لماذا تريدين القضاء على نظام عشنا فيه لقرون؟
ــ ومن أنا؟، وما هي القوة التي أملكها حتى أقضي على نظام الإمبراطورية؟.. تسأل نشوى باستغراب.
ـــ بغضِّ النظر عن القوة، فطرْحُك ينطلق من ذاتك فقط.. إنِّك بلا ريب تُعَبِّرين عن حالتك الشَّاذة.. تعلق نجوى.
يبدو الغضب على نشوى كريم، وتسأل صديقتها:
ــ هل يمكن أن تعرّفيني عن حالتي الشَّاذة؟
ترد نجوى ضاحكة:
ــ عِشْقُكِ للشمس أليس شذوذاً؟.. بل هو حالة مرضية.
ترد نشوى:
ـــ لا ليس شذوذاً، لأنني إن كنت أعشق الشمس، فإن كثيرا من الناس قبْلِي عَبَدُوها، وربما يكون عشقي لها علنيّاً، وحبِّي لها كونها تسمى الشّمس، أي أنها أنثى.
قالت نجوى:
ــ هذا منتهى الشذوذ، فأنت أنثى تعشق الشمس لأنها تحمل اسم أنثى.. أنت مُعقّدة!
ــ لا لسْتُ معقَّدة، لسببين، أحدهما: أن عشق الشمس ظاهرة عامة، وأنتِ وكل الناس في الإمبراطورية وخارجها تعشقون الشمس، والآخر: الشمس رمز وليستْ بشراً، ثم أن نصفي الأيسر كله عارياً حسب قوانين الإمبراطورية.. ونحن مستورتان الآن لأننا في البيت، ولو كنا خارجه، لكنتُ وأنت عاريتين من نصفنا الأيسر.
تعلق نجوى:
ـ ظاهر كلامك صحيح، لكن باطنه خاطئ، فعشقك للشمس ليس لحاجة الدفء والنور مثلنا، ولكن يرقى إلى مستوى العشق، مما يحول دون تعلقك برجل، وبالتالي ستُسْهمين في نشر رذيلة تخالف قاعدة” هلمُّوا إلى الفجور والتقوى”، بل إنك ستعيدين الناس إلى عبادة الشمس بدل الإله، أي أنك تنشرين الوثنية في الإمبراطورية، كما أنك تعترضين على الانجاب لكونك لن تتزوجي رجلاُ.
ردّت نشوى كريم:
ــ أنْتِ يا نجوى تفكّرين ضمن أُطُرٍ معرفيَّة نشأنا عليها، وهذا ليس عيباً ولكن تقعين في أخطاء قاتلة، منها: الخلط بين الرمزي والمادي، والفهم الخاطئ لقاعدة” هلمُّوا إلى الفجور والتقوى”، والأكثر من هذا تسلميك بمنظومة القوانين بشكل مطلق، لدرجة تخلطين فيها المقدس بالمدنس، والنسبي بالمطلق، والثابت بالمتغير، والأخلاقي بالإباحي، ثم ما هي الرذيلة التي أنشرها؟
تتأمل نجوى صديقتها نشوى، ثم تجيبُها قائلة:
ــ الرذيلةُ التي تودّين نشرها، ولا أدري إن كانت بوعي منك أو من دونه، هي رذيلة أخلاقيّة، تتعلق باستبدال العلاقة بين البشر إلى علاقة بينهم وبين الكائنات والجمادات، لكن أخطر ما جاء في رأيك هو الدعوة إلى تقسيم المجتمع على أساس فريق فاجر وآخر تقي، وهذا ضد طبيعة المجتمع ويؤدي إلى التصادم والاقتتال.
تعلق نشوى كريم، وهي مستغربة من هذا التحليل:
ـ أوّلاً: العلاقة بين البشر وباقي الكائنات موجودة منذ القدم، وستستمر حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها، وبالتالي فهي ليست رذيلة إلا إذا كانت وثنيّة، وللعلم فإن معظم قادة الإمبراطورية يتعاملون مع قادة وثنيّين، وهم ـ أحيانا ـ أقرب إليهم من إخوانهم في” قاعدة الفجور والتقوى”، وثانياً: مجتمعنا مقسم، لدرجة أن هناك جماعات آخذة في الزيادة، تصرُّ على البقاء في بيوتها حتى لا تطبق القاعدة أو تتَّهم بالخروج على النِّظام وتُعاقب.
تسألُ نجوى باستغراب:
ــ أتقولين أن هناك جماعات لا تطبِّق قاعدة الفجور والتقوى؟
ـ أجل.. تجيبُ نشوى.
تبدو نجوى مهتمَّة بالموضوع أكثر والحيرة بادية عليها.. تتأمّل صديقتها نشوى ثم تسألها:
ــ أيُمْكن أن تعرِّفِيني على بعض عناصرهم؟
تسألها نشوى باستغراب:
ـ أيهمُّك أمْرَهُم؟
تجيبُ نجوى بجِدٍّ:
ـ ما يُهمُّني هو أمر الإمبراطورية، ويبدو أن مَنْ تتحدَّثين عنهم لم يَعُووا بعد أهمية التسامح في الإمبراطورية.
ـ عن أيِّ تسامح تتحدَّثِين.. تسأل نشوى
تردُّ نجوى:
ــ بالفعل أنأ محتارةٌ فيك اليوم، وكأنني أتعرف عنك لأول مرة، إذْ كيف تسألين، ونحن في إمبراطورية بلغت مكانة عالية تحسدنا عليها الأمم الأخرى.. نحن يا نشوى طرحنا معنى جديداً للتسامح لم يكن موجوداً من قبل..و
قاطعتها نشوى: عن أيّ معنى تتحدَّثين؟
ــ عن التَّسامح في معناه الشامل والجديد، وأنت تعرفينه، أليْسَ التَّخلَّي عن الفروض، والتَّنازل عن العِرْض، والتَّحايل عن مقاصد الشَّريعة تسامحاً.. إننا ننعم بحرية في المعتقد والجسم، وبجعل الشَّر والخير يتعايشان معنا، وذلك هو المعنى العميق للتسامح.
كانت نشوى تستمعُ لنجوى بحيرة وانتباه حذر، وبعد مغادرتها ذرفت بعض الدموع، ثم غدت بكاءً، وتحّول البكاء بعدها إلى نحيب.. بكاء عن امبراطورية سيقتلها الشر، وما كان لها إلاَّ أن تشكو أوجاعها للشمس من جديد، لكن هذا المرّة من وراء زجاج النافذة، وهي مُغطّاة بالكامل حتى وجهها.
………………………….
* فصل من رواية “امبراطورية نشوى كريم”، الصادرة أخيرا عن مجموعة بيت الحكمة للصناعات الثقافية بالقاهرة


















