مسرحية ميرامار.. عندما يصبح البنسيون مرآة للمجتمع

مسرحية ميرامار

سما زيادة

شاهدت منذ عدة أيام مسرحية «ميرامار»، المأخوذة عن رواية الأديب نجيب محفوظ، والتي قُدّمت على المسرح الكبير بمكتبة الإسكندرية، بأداء راقٍ من فناني فرقة «مشروع حلم». استطاعوا أن يخلقوا عالمًا روائيًا حيًّا على المسرح، من خلال تسليط الضوء على كل شخصية على حدة، بخلفياتها لما قبل النزول إلى الفندق وحياتها بداخله، في تقاطعات متكررة مع كل شخصية وعلاقتها بالآخر، بل وتجسيد اللقطة نفسها على المسرح عدة مرات من وجهة نظر كل شخصية، فأعطى ذلك للعمل ثقلًا وقيمة عظيمة وقدرة على خلق التناغم.

وأردت أن أشيد بدور كلٍّ من الفنانة نغم صالح، التي قامت بدور «زهرة»، والفنان أحمد نادي، الذي قام بدور “منصور باهي”، وقد تأثرت بأداء الأخير كثيرًا، وتحولاته المختلفة خلال العمل، بل وقدرته التي وصلت إلى ذروتها في مشهد حواره مع زهرة ودرية، وكأنهما حواران منفصلان.

استطاعت المسرحية أن تجسد، كما في الرواية، الصراعات والتحولات السياسية والثقافية التي زامنت ثورة 1952، وتأثيرها على كل بطل بداخل عالم البنسيون المصغر، والذي كان في الوقت نفسه تجسيدًا لكافة أطياف المجتمع؛ من الباشا السابق، للصحفي المثقف، للثوري المتخبط، للثري الحديث، للمتسلق. تقابلهم الفتاة «زهرة»، الشابة المصرية الأصيلة، ونظرة كلٍّ منهم إليها، وكأنها مصر الجديدة التي يتصارع الجميع حولها؛ ما بين سلطة أبوية، وطمع في جسدها«خيرها»، واستغلال لحبها، والرغبة في حمايتها، أو اللوذ بها بغرض الخلاص. وهي ترفض الجميع في النهاية، وتسير خارج البنسيون، بأفقه الضيق، إلى براح المدينة والبحر.

الشاهد المتأمل

وهنا يجدر الإشادة بالدور الذي قام به البحر في خلفية المشهد؛ فلم يكن مجرد مكان أو ملاذ لهم، بل إن اختيار الإسكندرية نفسها جاء باعتبارها مدينة للحرية. ولكن المفارقة أن كل من جاء إلى البنسيون جاء محمّلًا بقيوده التي أراد أن يفرضها على الآخرين، فأصبح الصراع هنا ليس شخصيًا، ولكن صراعًا حول الهوية والسلطة والحرية والانتماء.

بل إن زهرة نفسها كانت رمزًا لكل من يريد أن يختار مصيره، ولكن كل من حولها يريد أن يشكله بطريقته.

ولذلك، فمساحة البحر هنا كانت أكثر رحابة، بوصفه رمزًا للحرية والانفتاح والاتساع والاحتمالات، ولكن يا للمفارقة، لا يستطيع أبطالها أن يعيشوا هذه الحرية.

اعتمدت المسرحية على الحوار كوسيلة لتجسيد الصراع بين الأبطال، واستطاعت أن تخلق، في هذه المساحة الضيقة، عالم «ميرامار» بأكمله؛ فنقلتنا من البنسيون إلى الكباريه، إلى محطة القطار، إلى البحر، ثم عودةً إلى البنسيون.

المسرحية من إخراج أحمد الرمادي، وقدم لها الدراماتورج الكاتب والفنان سعيد سلمان، وهي تجربة جديرة بالمشاهدة، وتعطينا الأمل من جديد في عودة المسرح ليتربع على مكانته القديمة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع