مجدي القشاوي*
عندما التقاها، كان وجهه مبتسماً. لا يملك صورة فوتوغرافية للتدليل على أنه فعل، لكنه يستطيع التأكيد على انفراجة شفتيه وظهور أسنانه. في هذا الصباح تحديداً، كان يعاني التهاباً في إحدى أسنانه الأمامية، وملامسة الهواء جعلته يشعر بالألم.
سألته: “أين ابتسامتك؟”
في بداية تعارفهما، قالت لصديقتها إنه يملك وجهاً يضحك بكل ما فيه؛ جبهته وحاجباه، وعيناه، وفمه، وإن جزءاً منها يذوب في كل مرة ترى هذه الضحكة. صديقتها نقلت الوصف لصديقه بترتيبه الدقيق، والأخير نقله له.
الصديقة بكت للحب والصديق ضحك بسخرية مشوبة بتأثر واضح فشل أن يداريه. أما هو، فأحب للمرة الأولى نفسه، وشعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه، ومنها تحركت أحاسيس الراحة إلى تجاويف رأسه، بطيئة كاليقين.
في ذلك الصباح، أعطاها شنطة بلاستيكية بداخلها مخدة طبية قرأ عن فوائدها للرقبة. الشنطة سوداء اللون، ولها يدان جميلتان وسوستة طويلة، في أحد جوانبها مربع من البلاستيك الأبيض الشفاف، يظهر من تحته بياض المخدة. عيناها ذهبتا مباشرةً إلى المربع الشفاف، والأبيض تسرب إلى الروح، وصنع متوالية بيضاء سمعها بوضوح تتردد داخلها.
سألته: “متى اشتريتها؟”
هداياه البسيطة تسعدها بشدة؛ إذا أحضر إحداها، يتصل ويطلب منها النزول لمقابلته، لا يطيق إلا أن يرى الهدية بين يديها. ويندهش في كل مرة لجسدها وهو يهتز من السعادة، وحين تهدأ، تظهر على وجهها تعابير مركبة من الفرح، والدهشة، والانبهار، والاضطراب.
بعد مراقبته لانفعالاتها وانشغاله بها، أطلق عليها وصفاً واحداً: “الخوف”.
لم يستوعب كيف تجتمع في ذات الوجه تعابير كاملة التناقض، إلا عندما أصابته عدواها، وصار يضبط نفسه كثيراً وهو يتسلق جبلي الفرح والخوف؛ على كل جبل تتشبث قدم وكف، والرأس بينهما يتأرجح.
إجابته عن سؤالها جاءت تلقائية وسريعة، وأخبرها أن الهدية معه منذ ثلاثة أيام. وهو ما جعل جسدها يميل، وتتقلص الزاوية بين ساقها اليسرى والأرض بشكل حاد. في كل انفعالاتها السابقة، تميل إلى اليسار، وكأن هناك ألماً في القلب ترتاح حين تطوي عليه الجسد. ولكي تُداري ما يحدث، رَفَعَتِ المخدة بين ذراعيها، ووضعت عليها رأسها، وقالت: “سأنام وأدعو لك”.
سألته: “ماذا أكلت أمس؟”
في نهاية كل مكالمة هاتفية صباحية، تسأله عن طعام غدائه، ودائماً ما تقترح عليه وصفات بسيطة حتى تطمئن إلى أنه سينفذها. من ناحيته، أحب أكلاتها، واكتشف متعة الطعام. في بعض اللقاءات، يأخذ لها من طبخاته، ويصرخ فرحاً لابتسامتها وهي تتذوق. فعلياً، كان ينسى أنها من وصفت له الطبخة، كان يتوه بين لسانها، وأسنانها، وشفتيها وهي تتذوق طعامه وطعمه، وينظر بدهشة لزمن السهولة التي تصطحبه في يدها كطفل هادئ.
كانت تجيد المحبة كأم، وتمنحه المحبة كأم، وتسامحه بلا تردد.
في الأيام الأخيرة، وربما الأشهر الأخيرة، ضبط نفسه أكثر من مرة يتمنى ألا تسأله عن طعامه، كما انخفض عدد مرات تنفيذه لوصفاتها.
كانت السهولة تتسرب لرمال الأيام، وهو لا يعرف لمن يلجأ سواها. وحين همّ أن يفعل ويشكو لها حاله، خاف أن يتسبب في تداخل خيوط القصة، ويُفسد الثوب الذي غزلاه معاً؛ غزلته هي إن أردنا الدقة، وكان معظم دوره في الحكاية هو أن يرتديه ويفرح.
وهما يتصافحان لاقتراب موعد الذهاب للعمل، سألته: “تفتكر هتمطر النهاردا؟”
طريقتها المسرعة في المشي أثارت داخله حنيناً، والحنين هو المصدر الأول للهواء في رئتيه.
لا يعرف إن كانت ستمطر أم لا. إن عرف لن يتردد في إخبارها، ويترك لها قرار النزول من البيت
لا يُغضبه شيء قدر أن يكون سائراً في الطريق فتمطر فجأة، أو تشتد حرارتها فجأة، وعندها… يخضع بشكل كامل للبلل أو للتعرق، مثل لوح خشبي يرتفع مع الموجة وينخفض، حتى يصل إلى البر، فيحمله طفل ويشعل فيه النار، لا لشيء إلا ليرى تصاعد اللهب. وعقب الحريق، يتحول اللوح الخشبي إلى رماد أسود، تحمله الريح الغربية إلى شوارع المدينة، والريح الشرقية إلى قاع البحر.
لو كان يعرف أنها ستمطر، فلن يخبرها… أمطاره حامضة، وكل مياهها عذبة … “شهد” إن أردنا الدقة.
………………………
* القصة من مجموعة “كل الألوان أزرق”، صدرت عن دار “العين” للنشر







