محمد ممدوح
صدرتْ رواية “لا مصير” للمجرىّ “إمره كيرتيس” (1929م – 2016م)، نوبل 2002م، فى 1975م، بعد أن استغرقَ عشر سنوات فى كتابتها. وهى الجزء الأول فى ثلاثيته الشهيرة “فَشَل” (1988م)، و”قدَّاس لطفل لم يولد بعد” (1990م)، التى سأتناولها في مقال لاحق.
تدور أحداث رواية “لا مصير”* حول صبىّ يهودىّ يُدعى “جورج كُفَش”، أُخذ من بيته إلى معسكرات الاعتقال في “أوشفيتز” و”بوخنفالد”. ومن خلال عينىّ الصبىّ، نرى حياة المعسكرات النازية بتفاصيلها الدقيقة، وعلاقات المعتقلين بعضهم ببعض.
لذا، كتب كيرتيس أدباً مركزه الذات، أي تجربته الخاصة فى معسكرات الاعتقال، أو ما يُسمّى بـ “أدب الشهود”؛ حيث حوَّلَ تجربته المؤلمة إلى أدب رفيع عرَّى خلاله بشاعة الديكتاتورية التى تسحق الإنسان بلا رحمة، ولأسباب عبثية.
فى رواية “فَشَل”، نرى كاتباً عجوزاً يحكى معاناته في نشر روايته الأولى التي صَدَرتْ فى عمر الخمسين، وهى تجربة كيرتيس ذاتها أثناء سعيه لنشر روايته “لا مصير”.
تبدأ الرواية بتمهيد سردىّ يمتد لمائة صفحة تقريباً! يحكى فيها كيرتيس بضمير الراوى العليم عن “جورج كُفَش”؛ الكاتب والمترجم العجوز الذى يتأمَّل خزانته الممتلئة بأوراقه وملفاته الخاصة فى شقة ضيقة مساحتها 28 متراً! يفكِّر فى كتابة رواية أخرى بطلها كاتب واجه صعوبات فى نشر روايته الأولى. ولتحقيق هذا الهدف، استعرضَ كل أفكاره القديمة التى احتفظ بها فى مُجلَّد حَمَل عنوان: “أفكار، مسوَّدات، شظايا”. لكن محاولته باءت بالفشل، “إما لأن الأفكار أثبتت عدم صلاحيتها، أو لأنه لم يكن يفهم منها كلمة واحدة”. ودفعه لذلك أنه “كان يخشى أن تؤدي درجة النسيان التى يغرق فيها اسمه إلى التأثير على معاشه التقاعدي”، و”لكى لا يُضطر إلى كتابة مزيد من الكتب، كان لزاماً عليه أن يكتب بضعة كتب أخرى، سواء أكان نوع الكتاب رديئاً —وهذا لا صلة له بالجوهر— أم جيداً”. نعرف من أوراقه أنه كان “يستمد موضوعاته في الغالب الأعم من تجاربه الخاصة”. وعندما فكّر فى كتابة روايته الأولى، “لم تكن عندى أدنى فكرة عن كيفية نشر رواية، كنتُ غريباً تماماً عن هذه الصناعة ولا أعرف أحداً، فحتى تلك اللحظة لم يُنشر لى أى عمل نثرى”. نعرف من إحدى يومياته (أغسطس 1973م)، أنه كان معتقلاً في عمر الرابعة عشرة بإحدى معسكرات الاعتقال النازية.
بعد أن فَقَد الكاتب العجوز الأمل فى إيجاد فكرة تصلح للكتابة من بين ملاحظاته، أخرَجَ آلة الكتابة وكتَبَ:*”فَشَل”. لتبدأ الرواية فى تسعة فصول، ينقسم كل فصل إلى عناوين جانبية أتاحت لكيرتيس حرية السرد بأكثر من زاوية، حيث إن تعثُّر “كُفَش” فى كتابة روايته الأولى يشغل أسطراً تَعُدها على أصابع اليد الواحدة! فهو حَدَثٌ شاحب على خلفية مجتمع مجرىّ ما بعد الحرب، يعيش أجواءً عبثية كابوسية تفرضها سلطةٌ بيروقراطية، يشعر الإنسان أمامها بالعجز والتيه، وتتضاءل قيمته إلى رقم بلا معنى.
يعود “كُفَش” إلى بلده بعد انتهاء الحرب، فيُفتَّش فى الجمارك، وتُحتجز حقيبته لأنه لم يُسلِّم “استمارة إقرار جمركىّ”. أثناء الانتظار، يتذكّر روايته الأولى التي عمل عليها لعشر سنوات، تحمَّلتْ خلالها زوجته عناء كسب الرزق حتى ينتهى من الكتابة! لترفضها دار النشر: “صيغتْ جُملكم فى قالب ملتوٍ، والعمل لم يجذب القارئ بسبب النظرة الحيادية للبطل الرئيسى تجاه ما حدث”، أى فترة اعتقاله في “أوشفيتز” و”بوخنفالد”!، ثم احتجزوا حقيبته وسلّموه ظرفاً يحتوى على مفتاح شقة وعنوانها.
نلمح في سرد كيرتيس، من خلال بطله، نبرة تأمُّلية هادئة وحيادية لا تخلو من سخرية. فنرى مصانع بودابست وضواحيها الكئيبة بمساكنها المدمّرة بفعل الحرب، وشاحنات غامضة تقل أناساً إلى أماكن مجهولة. أما الشقة التي سَكَنها “كُفَش”، فكانت عبارة عن حجرة في بيت أرملة قُتل زوجها، وانتحر ابنها الشاب فيما بعد لخسارته بطولة شطرنج!.
تتواصل دوائر العبث والسخرية:
يُفصَل “كُفَش” من صحيفته لأنه لم يكن شيوعياً بما يكفى! ومعه “سكيلا” (كاتب مسرحيات كوميدية) لأنّ وجهه لم يعجبهم! فيعمل فى “فرقة إطفاء المدينة”، بينما يلتحق “كُفَش” بمصنع للمعادن، إلى أن يستدعيه أحد رؤسائه ويرسله للعمل فى “القسم الإعلامى لوزارة الإنتاج”، الذى كان يصوغ قصص وأشعار وأبحاث رئيسها الركيكة حد القرف!، إلاّ أنهم يطردونه لأنه كان منطوياً على ذاته، بما فى ذلك من قلة اهتمام برؤسائه!، فيرسلونه لتأدية الخدمة العسكرية بالجيش حارساً في سجنها المركزى، الممتلئ بمعتقلين لأسباب عبثية. “كانت هناك ليالٍ تُنفّذ فيها أحكام الإعدام في باحة السجن”، يدّعى “كُفَش” الجنون ليُسرَّح من الجيش. عندما تمّ له ما أراد، واندلعتْ المظاهرات التى أصبحت بفضلها حدود البلاد مفتوحة، رفض مغادرتها وقال إنّ عليه أن يمكث ويكتب روايةً رُفضتْ أوّل الأمر ثم نُشرتْ بعد ذلك.
جاءت هذه المشاهد في ظل “النظام الجديد”، كامتداد حيّ ومتواصل لتجربة المعسكرات النازية، وكما عبّر كيرتيس نفسه: إنّ رواية “فَشَل” لوحة كافكاوية توثّق بأسلوب ساخر ومدهش ظروف السيطرة الشيوعية على وطنه.
…………..
*ترجمها ثائر صالح للعربية، دار المدى 2005م.
*ترجمها تيم نيكلسون للإنجليزية، ميلفيل هاوس 2011م.







